هبة لقاحات كورونا تُعمق القطيعة بين الرئاسات الثلاث في تونس

محاولات لتوظيف ملف اللقاحات في الصراع مع قيس سعيّد.
الأربعاء 2021/03/03
لا حلول في الأفق للأزمة

عمّق الكشف عن هبة لقاحات وصلت إلى تونس من دولة الإمارات في أكتوبر الماضي الأزمة بين الرئاسات الثلاث في البلاد بعد أن جنّدت حركة النهضة الإسلامية "جيشها الإلكتروني" للتشكيك في نزاهة الرئيس قيس سعيّد الذي ردّ على هؤلاء باتهامهم بـ"الكذب والافتراء".

تونس - دخلت الأزمة المُحتدمة التي تعيشها تونس على أكثر من صعيد أسبوعها الخامس على التوالي وسط مؤشرات لا تترك المجال للشك بحجم الهوة الواسعة بين الرئاسات الثلاث التي عجزت جهود العديد من الأطراف عن جسرها أو حتى تبديد جزء من التباينات الحادة التي عمقتها.

وساهمت قضية “هبة اللقاحات الصينية المُضادة لفايروس كورونا” التي تفجرت بشكل صاخب، وما اتصل بها من تفاصيل مُلحقة، وتسريبات مُفبركة تم استخدامها كأوراق ضغط مُختلفة لا تأخذ بعين الاعتبار النتائج والتداعيات، في تعميق هذه القطيعة التي جعلت البلاد على أعتاب انعطافة خطيرة.

وتُؤكّد السجالات السياسية المُرافقة لهذه القضية أن معادلات الصراع بين الرئاسات الثلاث أصبحت تتبدل لرسم عناوين جديدة لن يكون ناتجها المباشر الإبقاء على التصعيد السياسي فحسب، وإنما يبقى أخطرها الدفع نحو تفكك الدولة.

ويتجلى هذا المسعى في جزء منه في محاولة الانتقاص من نزاهة الرئيس قيس سعيّد والتشكيك في مصداقيته من خلال توظيف صمت الرئاسة التونسية عن وصول تلك اللقاحات وتقديمها كـ”فضيحة دولة” عمد “الذباب الأزرق” التابع لحركة النهضة الإسلامية إلى الترويج لها.

ونفى سعيّد مساء الاثنين أن تكون رئاسة الجمهورية قد تمتعت بلقاحات مضادة لفايروس كورونا، واتهم الأطراف التي روّجت لذلك بـ”بث الإشاعات والأكاذيب لإلهاء الرأي العام عن القضايا الحقيقية”، معتبرا أن هناك “حاجة اليوم إلى لقاح ضد الكذب والافتراء”.

وقال في فيديو نشرته الرئاسة التونسية بصفحتها على موقع فايسبوك في أعقاب اجتماعه مع يوسف بوزاخر رئيس المجلس الأعلى للقضاء “يريدون اليوم أن يبثوا بعض الإشاعات والأكاذيب لإلهاء الرأي العام عن القضايا الحقيقية. ومن بين ما قيل إن هناك جرعات من لقاح كورونا جاءت إلى رئاسة الجمهورية وإن هناك من تمتع بها”.

وتابع “هذا كذب ممّن احترفوا الكذب ولا يعيشون إلا بالكذب والافتراء (…) هذه المسائل يتولاها الأطباء والمختصون وحدهم دون سواهم (…) اللقاحات التي نحن بحاجة إليها اليوم هي اللقاحات ضد الكذب وضد الافتراء ولا أعتقد أنها ستكون ناجعة (…) لا يصلح العقار ما أفسد الدهر”.

وقبل ذلك أعلنت الرئاسة التونسية في بيان لها أنها تلقت ألف جرعة من لقاح مضاد لفايروس كورونا المستجد بمبادرة من دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث تم تسليم تلك الجرعات إلى الإدارة العامة للصحة العسكرية التابعة لوزارة الدفاع بأمر من الرئيس قيس سعيّد.

وأكدت أنه “لم يتم تطعيم أيّ كان لا من رئاسة الجمهورية ولا من غيرها من الإدارات بهذا التلقيح”، لافتة إلى أن سبب ذلك هو “انتظار التثبت من نجاعة اللقاح وترتيب أولويات الاستفادة منه”.

ومع ذلك سارعت رئاسة الحكومة إلى إصدار بيان نفت فيه “علمها بوصول كمية من جرعات اللقاح المضاد لفايروس كورونا المستجد إلى تونس ولا بمصدرها ولا بمدى توفرها على الشروط الصحية والقانونية الضرورية ولا بمآلها”.

وأشارت إلى أن رئيس الحكومة هشام المشيشي “أمر بفتح تحقيق فوري حول ملابسات دخول اللقاحات إلى تونس وكيفية التصرّف فيها وتوزيعها”، مُشددة في نفس الوقت على أن إدارة عملية التلقيح “تبقى من مسؤولية اللجنة الوطنية لمجابهة فايروس كورونا في إطار الإستراتيجية الوطنية التي تمّ إرساؤها للغرض والتي حدّدت الفئات المعنية بالتلقيح بصفة أولوية”.

وشكل بيان الحكومة التونسية فرصة إضافية لتوجيه الانتقادات نحو الرئاسة التي وجدت نفسها مُضطرة للكشف عن حيثيات هبة اللقاحات دون أن تتمكن من وقف الهجمات السياسية التي استهدفتها، حيث رد وليد الحجام الملحق بالدائرة الدبلوماسية بديوان الرئيس قيس سعيّد على بيان رئاسة الحكومة بالتأكيد على أن وزارتي الداخلية والخارجية كانتا على علم بوصول اللقاحات المذكورة.

وأرجع في تصريحات تلفزيونية بُثت ليل الاثنين – الثلاثاء صمت الرئاسة التونسية وعدم كشفها عن وصول تلك اللقاحات إلى اعتبارات مُرتبطة بالأمن القومي قائلا “ملف اللقاحات هو مسألة أمن قومي ولا يمكن تناول مثل هذه المسائل على قارعة الطرق”، مُشددا في نفس الوقت على أن “العملية تمت وفقا للمسار القانوني اللازم”.

وأكد وزير الصحة فوزي المهدي أن الرئاسة التونسية تلقت تلك اللقاحات وهي من النوع الصيني يوم 28 أكتوبر الماضي في شكل هبة من دولة الإمارات العربية المتحدة، لافتا إلى أنه تم تخزينها باعتبار أن اللقاح الصيني لم يحصل بعد على ترخيص لترويجه في تونس.

ومع ذلك تواصل الجدل حول هذه القضية، حيث تردد صداه داخل البرلمان وراجت أنباء مفادها أن رئيسه راشد الغنوشي قد استفاد من هذا اللقاح، الأمر الذي دفع مستشاره الإعلامي وسيم الخضراوي إلى التأكيد على أن الغنوشي “لم يتلق أي لقاح ضد فايروس كورونا، ولم يصله أي لقاح من أي جهة رسمية لفائدته أو لفائدة نواب البرلمان”.

ولا يبدو أن هذا الجدل سيتوقف قريبا خاصة وأن النائب بدرالدين القمودي رئيس لجنة الإصلاح الإداري والحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد ومراقبة التصرف في المال العام بالبرلمان التونسي عاد الثلاثاء ليؤكد أنه ثبت لديه أن هناك جرعات أخرى بخلاف الجرعات التي تلقتها رئاسة الجمهورية وردت من أكثر من جهة واستفادت منها أطراف لم يذكرها بالاسم.

وأعرب في تصريحات إذاعية عن استغرابه من موقف رئاسة الحكومة “لأن هناك كوادر عليا في الدولة على علم بوصول تلك اللقاحات”.

4