هبوط اضطراري

السبت 2014/04/19

مازالت التحقيقات مستمرة برا وبحرا وجوا، حول مصير الطائرة الماليزية المنكوبة التي كانت تحمل على متنها 293 راكبا من جنسيات مختلفة أغلبهم من الصين وماليزيا، ومازال الغموض هو البطل الرئيس في سيناريو الأحداث التي رافقت لغز اختفاء الطائرة وعمليات البحث التي تبنتها جهات رسمية وغير رسمية؛ دأبت على دس أنفها فيما يعنيها وفيما لا يعنيها، فكان للمنجمين والعاطلين عن العمل نصيب الأسد في بث الأخبار والتنبِؤات وحياكة المؤامرات.

أما الحكومات الرسمية المعنية فوصفت النكبة بأنها من أكثر كوارث الطيران إثارة للدهشة كما قطعت وعدا أمام أهالي الضحايا، بالتعويضات المالية المناسبة ليحصل أقارب الضحايا الأوروبيين على تعويضات قد تصل لتسعة أضعاف التعويضات التي ستدفع لأقارب الضحايا الآسيويين، بحسب قوانين الطيران المدني في الدول المعنية، حيث يعامل الموتى بشكل مختلف تماما في الطرف القصي من الكرة الأرضية.

الحوادث المبكرة في تاريخ الطيران المدني، تراوحت مسبباتها بين اصطدام الطائرات ببعضها أو اصطدامها بالبنايات العالية أو الجبال الشاهقة، كان هذا قبل أن يصل التطور التقني والبشري إلى أقصى مستوياته في مهنة الرقابة الجوية للطائرات. ثم تلتها حوادث كان سببها الرئيس خطأ تقني ارتكبه مهندس صيانة تم تعيينه بالواسطة، كما أسهمت الظروف الجوية السيئة والعمليات الإرهابية والتخريبية المنظمة في التسبب ببعض الحوادث التي راح ضحيتها في الغالب ركاب أبرياء. أما الغموض، فهو القاسم المشترك الوحيد الذي جمع الأسباب بالمسببات، وكان دائما الجاني الذي تقف عنده نقاط البحث الأخيرة، لتقيّد الكوارث ضد مجهول.

ليس الفضول من دفعني إلى متابعة التفاصيل بل الخوف المستعصي، أو “الفوبيا” من الانطلاق في رحلات جوية مستقبلية غير مأمونة الكوارث؛ فأنا بطبعي أكره الطائرات بكل أشكالها، سواء أكانت قاصفة أم ناقلة للبشر والأمتعة والإرهابيين. أما أبعادها الهندسية فطالما أثارت حفيظتي كمواطنة مغلوبة على أمرها وضعها حظها العاثر في الجانب المدني داخل حرب غير نظيفة؛ حيث كانت أسراب من الطائرات الحربية تصول وتجول في سماء مكشوفة للموت، لتلقي بعتادها شرقا وغربا، حيث كانت تتعاظم شجرة “الفوبيا” في الروح حتى تصل إلى عنان السماء.

وعلى عكس جميع نصائح علم النفس الحديث في أهمية مواجهة الخوف وتوجيه نظرة ثاقبة ومتحدية له للتخلص من براثنه بأسرع فرصة، يتملكني في الغالب خوف مضاعف كلما حاولت الاقتراب من حدود المطارات. الفعل المضارع الوحيد الذي أجيد استخدامه في مثل هذه المناسبات المخيفة، هو أن أختبئ خلف أكبر كمية من احتمالات النجاة الممكنة، فربما لا أكون تلك المسافرة البائسة التي سيحين دورها في رحلة مقبلة إلى المجهول.

لكن خوفي هذا لا يعرف الاستسلام، حيث يقع نظري أحيانا على مسودات من أخبار وحوادث متعلقة بالطيران، ذيلت بكلمات رثاء رقيقة: “وقد مات جميع الركاب من دون استثناء”، أو “يعتقد بأن جميع من كان على متنها قتل” أو “يخشى أن يكون جميع الركاب قد لقوا حتفهم”.

قبل أيام، مثلا، قرر أحد ركاب طائرة أميركية متجهة من شيكاغو إلى كاليفورنيا، الاقتراب من مؤخرة الطائرة ومحاولة فتح أحد الأبواب، وسط صرخات الذعر من بعض ركاب المقصورة المتاخمة للباب، أما قائد الطائرة فقرر تغيير الاتجاه والهبوط اضطراريا في مطار قريب. وكان الراكب قد حبس أنفاسه لدقائق داخل حمام الطائرة وخرج وهو مبلل تماما بالمياه، قبل أن يقوم بفعلته النكراء هذه. أحد الأطباء الذي تصادف وجوده على متن الطائرة، وصفه باعتباره مختلا وربما يكون قد تعاطى عقاقير مخدرة.

هكذا، بكل بساطة قرر أحدهم أن يتم رحلته في هذا العالم بميتة مبتكرة من دون أن ينسى وهو في خضم هوسه، أن يسحب معه “قطيعا” من الأبرياء الذين جمعهم به سوء الطالع في رحلة جوية مشتركة. الأمر بدا مختلفا قليلا على متن رحلة أخرى للخطوط الجوية الأميركية سابقة؛ حيث (ردحت) إحدى السيدات بوصلة من الصرخات الهستيرية مستجيرة مرارا بالخالق الجبار، وهي تصرخ؛ “إلهي أنت منقذي”!! ثم طلبت من البعض الجلوس بقربها وتلاوة الصلاة على روح أمها، التي وافتها المنية مؤخرا -عن طريق البر- على سرير الموت.

لم يصاحب هذه الصرخات النفسية أي رد فعل عضلي، حيث لزمت المسافرة مقعدها واكتفت بإزعاج جيرانها على المقاعد المجاورة، إلا أن بعض أفراد الطاقم الذين لم يجدوا ما يثير الريبة في تصرفات السيدة واتصالها غير المبرر بعالم ما وراء الطبيعة، نصحوا الركاب، باتخاذ الاحتياطات اللازمة وإنذار أفراد الطاقم في حال غادرت مقعدها واقتربت من الأبواب الخلفية للطائرة!. وأمام تواصل القلق، اضطرت الطائرة إلى الهبوط اضطراريا في مكان ما.

لا يتاح خيار الهبوط الاضطراري أمام الجميع؛ فحين يبلغ الغضب النفسي أوجه على ارتفاع 45 ألف قدم بين السماء والأرض، قد تبدو المسببات ألغازا محيرة سرعان ما تلقي بعلامات تعجبها في أقرب محيط، فقد عند ضفافه النداء الأخير للطائرات المنكوبة.

21