هتاف الصامتين على زجاج السيارات يبوح بأسرار المجتمع

العبارات المكتوبة على السيارات تعكس تدينا ظاهريا في الشوارع العربية بعيدا عن الالتزام الخلقي.
السبت 2018/04/14
سلوك لغوي مثير (تصوير: محمد حسنين)

القاهرة - مجرد جولة لا تتجاوز الربع ساعة في أي شارع من شوارع المدن العربية، كفيلة بحصد العشرات من الجمل والعبارات على المركبات. بعضها يعكس مشاعر الحزن والخيبة لدى مالكها، والبعض الآخر لا يتعدى أن يكون نكتة خفيفة لبث روح الدعابة، في حين تعكس عبارات وملصقات الانتماء الديني والموقف السياسي وحتى المرتبة الاجتماعية لصاحب السيارة.

وتختلف الآراء بشأن كتابة العبارات على السيارات ووسائل النقل من فئة إلى أخرى، ويعتبرها البعض سمة من سمات التخلُف الحضاري وعدم احترام المركبة، بينما يراها آخرون نوعا من التنفيس عن الرأي بين فئات لا تجد منفذا حقيقيا للتعبير عن آرائها.

 

تبوح شعوب العالم برؤاها عبر وسائط متنوعة. يُعبّر الصينيون عن آرائهم بقصائد الشعر والأمثال الشعبية، بينما يلجأ الغربيون إلى التعبير عن تصوراتهم وتوجهاتهم عن طريق وسائل الإعلام المرئية والمقروءة ومواقع التواصل الاجتماعي. أما في المدن العربية فالملايين من السيارات تجوب الشوارع يوميا وهي تضع على زجاجاتها الخلفية عبارات وملصقات بمختلف الأنواع والأشكال، تحدد نفسيات أصحابها وتعكس أفكارهم ووجهات نظرهم تجاه قضايا ما

أدب السيارات

“اللهم أعطهم أضعاف ما يتمنوه لي”.. أينما وليت وجهك في تونس تقرأ هذه العبارة خاصة على بلور سيارات الأجرة.

لا شك أن العبارة سلوكٌ لغوي لأن فيه لبسا فقد يُقرأ على أنّه دعاء له أو دُعاء عليه في آن. فنحن إمّا أنْ نفترض مقاما يتمنّى فيه الآخرون الخير لصاحب السيارة فيدعو لهم بالخير، وإمّا أن نفترض مقاما يتمنّون له الشّرّ فيدعو عليهم به.

ولا تشكل تونس استثناء، فالكتابة على زجاج السيارات أصبحت ظاهرة اكتسحت كل المدن العربية، إذ أصبح زجاج السيارات يمثل مساحة حرة للتعبير.

ويشير الخطاط محمد إلى أن رغبات السائقين في الشعارات والكتابات غير متطابقة ومتجانسة، لأن “الأذواق” تختلف.

ويقول إن الشباب يتنافسون على كتابة العبارات والكلمات الطريفة والعبارات الغزلية، إضافة إلى رسوم وتعابير لا حصر لها، إلى جانب صور لاعبي كرة القدم والفنانين.

ويشير الخطاط إلى أن “أكثر زبائنه من الشباب الذين يقتنون السيارات الثمينة والغالية، ويطلبون عبارات طريفة.

وفي مصر الصمت التام، وإن بدت بعض مظاهر الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، وهُناك حزب كبير يتشكل من غالبية المواطنين لا ينطق بكلمة يُسميه البعض “حزب الكنبة”، في إشارة إلى الصمت التام. 

ولاحظت “العرب” أن الصامتين في مصر يتكلمون، دون صوت يشكون، بعيدا عن الصُحف ووسائل الإعلام وخارج فضاءات الشبكة الإلكترونية. ويبدو حزب “الكنبة” في مصر غير مُكترث بما يجري. يتجاهل تغيرات السياسة، ولا يهتم كثيرا بمعارك النُخبة.

يكتفي بدور المتفرج غير أن الحقيقة تختلف كثيرا، فالمصريون يتحدثون ويُعبرون ويطرحون أفكارهم وأحلامهم ووجهات نظرهم، لكن بطرق غير مُباشرة.

إحدى هذه الطرق ظاهرة الكتابة على المركبات. في شوارع القاهرة والإسكندرية، ومعظم محافظات مصر، نقرأ حِكما وأمثالا شعبية وأدعية دينية ومقولات مأثورة، وتعبيرات جمة على هياكل سيارات النقل والميكروباص والتوك توك والموتوسيكلات. بعضها يُعبّر عن الألم والأمل، والبعض الآخرعن النفور من الغدر، ولوعة الحُب، ورفض الحسد، وطلب الرزق، فضلا عن بعض العبارات الدينية، من آيات القرآن وبعض الأحاديث النبوية أو الدعوات بالسلامة والستر.

وتشمل الظاهرة المُميزة للمركبات المصرية كافة فئات السيارات، نقل ثقيل وصغير أو أجرة أو سيارات خاصة. وهي تعكس تصورات المصريين عن مختلف القضايا وسماتهم الاجتماعية وبعض توجهاتهم السياسية.

وبالطبع، هناك بعض العبارات التي تُعبر عن مكنون صاحبها أو صفاته النفسية، غير أن تكرار بعض العبارات على أكثر من مركبة يؤكد وجود حالة عامة من التوجس إزاء أمور بعينها أو الإيمان بمعتقدات خاصة.

وفي سنة 1970 أنهى الراحل سيد عويس الخبير الاجتماعي المعروف، دراسة اجتماعية شاملة حول العبارات المكتوبة على المركبات في مصر، ونقل عبارات مدونة على خمسمئة مركبة أجرة ونقل وملاكي في مختلف المحافظات لتحليلها.

وأكد عويس في دراسته التي نُشرت لاحقا في كتاب حمل اسم “هتاف الصامتين”، أن العبارات المكتوبة كتبها أصحابها بمحض إرادتهم. ولاحظ الرجل أنّ أيا منهم لم يحصل على موافقة الدولة لكتابة تلك العبارات، واعتبروها وسيلة للتعبير عن أفكار ورؤى سائدة.

وفي سوريا، استوحت بعض العبارات أجواء الحرب وأحوال الناس، حيث دوّن أحدهم مستنكرا هجرة السوريين “لا تهاجروا ما ضل حدا” بينما تذمر أحدهم من فراق محبوبته “بنت الكلب راحت ألمانيا”. وكتب آخر “ما بدنا عدل… بدنا ظلم بيتوزع ع الناس بعدل”، وثمة سيارات كتب أصحابها عبارات “راجعين يا دير” أو “راجعين يا حمص” بينما استكان غيرهم لواقع الحال ليكتب “على وين الدرب مودينا ما ظل غير إدلب تحوينا”.

ولجأ آخرون للاعتزاز بانتمائهم الجغرافي ليكتبوا عبارات مثل “رقاوي وأفتخر”، “حمصي وأفتخر”، “إدلبي وافتخر” و”حلبي وأفتخر”.

ويقول الصحافي والكاتب عيسى الخضر الذي دشّن على تويتر هاشتاغا بعنوان #أدب_سيارات_الشمال إنه اعتاد ملاحقة السيارات التي تحمل عبارات طريفة بهدف توثيقها وأرشفتها، ولما تعكسه من ثقافة شعبية وخاصة في ظروف الحرب والحصار وليس بهدف السخرية والاستهزاء.

تناقضات دينية لدرء الحسد

Thumbnail

يشير الدكتور محمد شومان أستاذ الإعلام في كتابه الصادر مؤخرا بعنوان “خطاب الشارع.. تحولات الحياة والموت في مصر”، إلى استمرار الظاهرة مؤكدا أنها تكاد تتفق مع المُدن المليونية مثل القاهرة والإسكندرية والكثير من محافظات مصر.

وذكر شومان أن تحليل العبارات المكتوبة على هياكل السيارات في الشوارع يحمل الكثير من الدلالات الطبقية والمهنية.

ويقول إسلام حويلة رئيس تحرير موقع “مارشيدير” المُتخصص في شؤون السيارات لـ”العرب”، إن أحدا لا يهتم بتطبيق حظر الكتابات على السيارات، لأن الكثير من الكتابات تأخذ منحى دينيا. كما أنَّ شرطة المرور تنشغل أكثر بمخالفات لها تأثير مباشر على حياة البشر وحركة السير مثل تجاوز السرعات المُقررة والسير عكس الاتجاه.

ويؤكد حويلة أن ظاهرة الكتابة على السيارات في مصر قديمة ومتوارثة بين السائقين الذين يُعبرون بتلك الكتابات عن تفاؤلهم أو آمالهم في رزق وفير أو سلامة على الطريق.

ويوضح أن البعض يشتري مُلصقات جاهزة تتضمن عبارات حكيمة أو أدعية ومقولات دينية، بينما يلجأ آخرون إلى فنيين متخصصين في الكتابة والرسم على زجاج السيارات أو خلفياتها.

تعكس الكثير من العبارات المدونة على المركبات نزعات دينية لدى مستخدميها، الذين يعملون في الغالب سائقين لسيارات نقل كبيرة ومتوسطة.

وتُعد عبارة الشهادتين “لا إله إلا الله محمد رسول الله” أكثر العبارات الدينية الشائعة، تليها كلمات مُنفصلة مثل لفظ الجلالة مُجردا من أي ملحق أو كلمتي التسبيح والتكبير أو عبارة “ما شاء الله” أو “الحمد لله” أو الآيات الأولى من المعوذتين أو غيرها من الآيات.

كذلك فإن البعض يكتب أحاديث نبوية أو مقولات لها أصل ديني مثل “إذا لم تستح فاصنع ما شئت” أو “الأعمال بالنيات” و “مَن جدَّ وجد”، فضلا عن كتابة البعض لفظ الصلاة على النبي على خلفية السيارة. وكثيرا ما يقرأ على زجاج السيارات الخلفية بعض أسماء الله الحُسنى.

العبارات على مختلف وسائل النقل تعكس سمة رئيسية تكاد تسود كافة الطبقات، وهي الإيمان الشديد بالحسد

كما توجد عبارات بالعامية تُعبر عن شكوى لله أو مُناجاة ودعاء له مثل “سترك يا رب” أو “عفوك يا كريم” أو “توكلت على الله”.

وتؤكد العبارات الدينية ازدواجية القيم في المجتمعات العربية خلال العقدين الأخيرين، وينتهج الكثير من أفراد المُجتمع الأخذ بالتدين الظاهري بعيدا عن الالتزام الخُلقي المُفترض أن يكون مُصاحبا لذلك، وتنتشر ظواهر اجتماعية سلبية بين سائقي سيارات النقل والأجرة، مثل تعاطي المخدرات والتحرش الجنسي.

ويُشير هاني صبري أستاذ علم الاجتماع إلى أنَّ العبارات الدينية على مختلف وسائل النقل لا تعكس التدين الحقيقي، فهي نوع من التبرك وطلب الحفظ والسلامة ودفع الحسد.

ويقول في تصريحات لـ”العرب”، إن احتفاء بعض سائقي السيارات الأجرة بالقرآن بوضعه داخل السيارة أو قيام السائقين من المسيحيين بوضع إنجيل أمامهم لا يمنع الكثير منهم من المُغالاة في طلب الأجرة.

كما تعكس بعض العبارات المُنتشرة على المركبات سمة رئيسية تكاد تسود كافة الطبقات، وهي الإيمان الشديد بالحسد. ومن أشهر العبارات المُعبرة عن ذلك مثل شهير يقول “عين الحسود فيها عود”، درءا لعيون الحُساد وتعبيرا عن النفور منهم.

وفي هذا الإطار عبارات مشابهة تنتشر فوق زجاج السيارات مثل عبارة “ما تقولش دي بكام.. دي جاية بدهب المدام” أي أن صاحب السيارة باع حُلي زوجته حتى يكمل الثمن. وعبارة تتكرر كثيرا هي “عضة أسد ولا نظرة حسد”، كمبالغة تستهدف الدلالة على عظم الشر الناتج عن الحسد.

ويبدو الإيمان بالحسد سمة أساسية في المجتمعات العربية. ورغم التطور التكنولوجي وارتفاع مستوى التعليم، إلا أنَّ الشريحة الأكبر من المواطنين تؤمن بالحسد وبقوى الحاسد اللامحدودة في الإضرار.

ويؤكد هاني صبري أن هُناك ابتكارات ومقولات مؤلفة حديثا تظهر على خلفيات السيارات لمواجهة الحسد، والكثير منها يحمل طابعا فُكاهيا.

ويرسم البعض على سيارته كفا بخمسة أصابع، ويُعبّر عن اعتقاد سائد لدى العامة بأن التخميس (رفع الأصابع الخمسة في وجه الرائي) يدفع ضرر الحسود.

Thumbnail

وتنتشر على الكثير من سيارات النقل عبارات دالة على طلب الرزق مثل “لا حيلة في الرزق”. ويرى البعض أنَّ الرزق مُقترن بالعمل الدؤوب والسعي فيكتب “اسعى يا عبد وأنا أسعى معاك”، و”من يتعب ينل” وهو مُقابل للمثل الشهير “من جدَّ وجد”.

وهُناك عبارات أخرى ترتبط بالرزق مثل “الرزق يحب الخفية” و”الأجر على الله” أو”الدنيا رحلة ومسيرها تحلى”. وتوجد عبارات أخرى تشير إلى القناعة مثل “الناس طلبت الغنى وأنا طالب الستر من ربنا”. كما نقرأ بعض الأمثال الشعبية المُعبرة عن غدر الأصدقاء وفراق الأحبة مثل”التقدير خسرنا كتير”.

أما عبارة “صاحبت كلب حرسني.. صاحبت صاحب حبسني” فتشير إلى تقلب الناس والغيرة بين الأصدقاء والأصحاب، وهي من العبارات الأكثر تكرارا على خلفيات سيارات الأجرة.

ونقرأ أيضا فوق بعض السيارات الخاصة عبارات غريبة مثل “كنت عصفور أكلوني..عملت أسد صاحبوني” و”عشقت السفر من غدر البشر” و”جرحك نساني ملامحك”، و”اللي يصعب عليك يفقرك”.

دراسة مصرية نشرت في كتاب حمل اسم "هتاف الصامتين" تؤكد أن العبارات المكتوبة على السيارات كتبها أصحابها بمحض إرادتهم، للتعبير عن أفكار ورؤى سائدة

وتكشف تلك العبارات خوفا شديدا من الغدر وانقلاب الأحباء ونكران الجميل، وتوجسهم وحذرهم من الإفراط في الثقة تجاه الآخرين.

تُجسد بعض كتابات السيارات نظرة المُجتمع في مصر تجاه المرأة، وفي الغالب تنتشر تلك الكتابات فوق زجاج سيارات ملاكي، وتؤكد أنَّ أصحابها من الموسرين ممن يعتبرون المشكلات العاطفية أكبر المشكلات في الحياة.

وُربما يستخدم بعضهم كلمات إنكليزية للتعبير عن رأيه مثل love is blind (الحب أعمى) وDon, trust a woman (لا تثق بامرأة). وتقابلها عبارات أخرى لدى مستويات شعبية أقل نقرأ منها “اثنان ملهمش أمان.. الفرامل والنسوان”، أو”وراء كل مديون امرأة”.

وعلى خلفية سيارة نقل كبيرة نقرأ عبارة غريبة نوعا ما تقول “لو لم يكن الزواج جريمة، ما كانوا طلبوا شهودا عليه”.

وتؤكد تلك العبارات نظرة فئة في المُجتمع للمرأة واعتبارها مسؤولة عن الفقر والعوز، لأن الكثير من الناس يرون الإسراف صفة لصيقة بها.

ويلاحظ الدكتور هاني صبري أن بعض السائقين يقومون بكتابة أسماء أبنائهم الذكورعلى سياراتهم كنوع من التباهي والفخر، “إنهم يُحبون أن يُكنى كل منهم بأبو ’فلان’، تباهيا بإنجابهم الذكور، خاصة ف” المناطق الريفية”. فضلا عن حِكم ومواعظ غير معروف مُنتجها الأصلي، وإن كان بعضها من تأليف مستخدمي السيارات أنفسهم مثل “يحبوننا لما يحتاجوننا”، “من طبعنا ما نجرحش اللي حبنا”.

ويهتم البعض بكتابة مقاطع من بعض الأغاني الشهيرة مثل “حلو وكداب” أو “للصبر حدود” و”أروح لمين”، وهي في الغالب إشارات إلى مطربيهم المُفضلين أو رسائل يبعث بها البعض إلى أشخاص بعينهم.

20