هتلر يعود ويتحالف مع حزب الخضر الألماني

يمكن اعتبار الفيلم الألماني “أنظر من الذي عاد” (2015) للمخرج ديفيد فندنت في مستوى أول، عملا خياليا كوميديا يمتلئ بالسخرية والتعليق السياسي، لكن على مستوى ثان يجد المشاهد أن السخرية والإضحاك عنصران يمرّر من خلالهما الفيلم رسالة خطيرة مفادها أن ألمانيا التي رحّبت بهتلر وصنعت منه زعيما مطلقا عام 1933، لم تتغير كثيرا اليوم عما كانت.
الجمعة 2016/04/29
هتلر جديد مستعاد

فيلم “أنظر من الذي عاد” مقتبس عن رواية للكاتب تيمور فيرمس، حققت نجاحا كبيرا في أسواق التوزيع، فقد بيعت أكثر من 2 مليون نسخة في ألمانيا فقط، وتترجم حاليا إلى نحو أربعين لغة أخرى، بل ويتم حاليا أيضا اقتباسها في فيلم إيطالي، ولكن بعد استبدال شخصية هتلر بالزعيم الفاشي الإيطالي موسوليني.

تقوم الرواية، والفيلم بالتالي، على فرضية أن هتلر الذي يقال إنه انتحر داخل ملجئه الواقع تحت أرض حديقة مبنى المستشارية بوسط برلين عام 1945، قد عاد إلى الحياة اليوم سليما معافى ولم يتأثر بالسم ولا بالحرق، بل هو مازال يرتدي بزته العسكرية الشهيرة، وإن كانت تفوح منها رائحة الزمن، وهو يتطلع بدهشة إلى ما وقع في ألمانيا من متغيرات، يندهش أولا من أن لا أحد يوجه إليه التحية النازية كما اعتاد، فهو مازال يعتقد أنه “الفوهرر”.

ويعود هتلر الحقيقي إلى الحياة بنفس أفكاره العنصرية المتطرفة القديمة ليرى كيف أصبحت ألمانيا مجتمعا متعدد الثقافات والأعراق، يندهش أولا من الوجود الكبير للأتراك في برلين، فيعزو هذا إلى احتمال أن تكون الإمبراطورية العثمانية قد انتصرت على ألمانيا في الحرب، رغم أن تركيا لم تشارك أصلا في الحرب العالمية الثانية.

وهذا خطأ مقصود في الفيلم ليوحي باختلاط الأمور على هتلر ما بين الحرب الأولى والحرب الثانية، في مزيج من السخرية السوداء والإضحاك الذي يصل إلى ما يعرف في الدراما بـ”الفارص” الذي يعتمد أساسا على الملامح الكاريكاتورية في رسم الشخصيات والمبالغة في رسم المواقف.

وبعد أن ينهض من موقع الملجأ القديم، يجد هتلر نفسه في منطقة سكنية ببرلين، وسط مجموعة من الأطفال يلعبون الكرة، يخاطبهم فلا يتعرّفون عليه ويعتقدون أنه رجل مختل، وسيشعر هو بالغربة عن المحيط من حوله، ويستغرب من أن لا أحد يأخذه على محمل الجد، فالجميع يعتقد أنه مجرد ممثل.

ومن هذا التناقض، بين حقيقة أن هتلر هو هتلر الحقيقي الذي عاد إلى الحياة، دون أن نعرف كيف؟ وبين اعتقاد الجميع بأنه مجرد ممثل أو شخص يتنكر في ملابس “الفوهرر” على سبيل الدعابة، تسير الحبكة إلى الأمام دون تطور كبير، من خلال المزج بين الأسلوب التمثيلي الساخر، اعتمادا على براعة الممثل الذي يقوم بدور هتلر، الألماني (من أصل إيطالي) أوليفر ماسوتشي، وبين الأسلوب التسجيلي (أو بالأحرى الإيهام بالطابع التسجيلي) الذي يعتمد على مقابلات حية مباشرة بالكاميرا مع عدد من الأشخاص في المدن الألمانية المختلفة يلتقي بهم هتلر ليتعرّف على آرائهم بخصوص الأوضاع السياسية والاجتماعية الحالية في ألمانيا.

المخرج يستخدم الحركة السريعة والمونتاج الذي يمزج بين اللقطات في مشاهد فونومونتاج مصحوبة بموسيقى سريعة الإيقاع

غير أن الأمر يتطور ليعثر هتلر على وظيفة ممثل في قناة تلفزيونية كانت تواجه أزمة مالية ضخمة ممّا يجعلها مهددة بالتوقف، لكي يظهر في برامجها صباحا ومساء، يضحك الجمهور الذي يراه مجرد ممثل يجيد تقليد هتلر، بينما يعتقد هتلر (الحقيقي) أنه يستغل هذا الاختراع الجديد الذي أبدى إعجابه الشديد به، أي التلفزيون، في مخاطبة الشعب الألماني بطريقة معدّلة والدعوة إلى أفكاره النازية.

الممثل الكوميدي

في البداية يقوم مراسل تلفزيوني يعمل لحساب هذه القناة، بتصوير مجموعة من الأطفال يعلبون الكرة، ويلتقط دون أن يدري لقطات لهتلر وهو ينهض من قبره، هذا المراسل الفاشل سيفقد عمله بسبب تفاهة ما يصوّره، ولكن بعد أن يكتشف وجود تلك الشخصية الغريبة في شريطه المصوّر، يبحث عن تلك الشخصية الغريبة، وينجح في إقناع مديرة الإنتاج في القناة بالتعاقد معه كممثل كوميدي، ويكون هتلر قد اطلع خلال الفترة التي قضاها عند بائع صحف ساذج على الأوضاع السياسية في ألمانيا من خلال مطالعة الصحف والمجلات، ويقرر بالتالي العودة إلى مخاطبة الجماهير مستغلا التكنولوجيا الحديثة لإعادة تكوين الحزب وبدء مسيرته مجددا، وسنرى أيضا هتلر مذهولا أمام التكنولوجيا الحديثة للكمبيوتر، ثم سيتعلم أيضا الدخول إلى شبكة الإنترنت.

وينجح استخدام هتلر تجاريا في البرامج التليفزيونية بعد أن نجح في إضحاك الملايين، وهنا يقول لنا الفيلم إن الألمان لم يعودوا يبالون بظهور شخصية تشبه هتلر في الإعلام العام، وهو ما كان من المحرّمات حتى عهد قريب، ولكن الأهم أنهم لا يختلفون في آرائهم كثيرا عن آراء هتلر العنصرية، خصوصا في ما يتعلق بقضية المهاجرين الأجانب في ألمانيا ونقده الشديد للسياسات الاقتصادية التي أدت إلى تفشي البطالة في أوساط كبار السن، وتقلص قدرة النساء على الإنجاب، وهي الفكرة التي تصل مع اقتراب نهاية الفيلم إلى حد الخطاب المباشر.

القناة التليفزيونية تدخل شريكا في إنتاج فيلم سينمائي تستخدم فيه شخصية هتلر، ويقوم ممثل آخر بدور المراسل التليفزيوني الذي اكتشفه، ولكن بالطبع باعتباره مجرد ممثل وليس هتلر الحقيقي، وعندما يواجهه المراسل بفظاعة ما ارتكبه في الماضي ثم يطلق عليه الرصاص ليسقط من أعلى سطح بناية في برلين، سرعان ما نكتشف أولا أن هذا مجرد مشهد من الفيلم، وأن هتلر يعود ليلقي “مونولوغا” يؤكد فيه للمراسل، وللجمهور بالطبع، أنه ليس من الممكن أن يموت، لأن أفكاره باقية مستقرة داخل عقول الألمان، وكأن الفيلم يقول لنا إن الفكر العنصري النازي مستقر داخل الشخصية الألمانية، يخبو وينهض بحسب الظروف، وأنه في أوجّه الآن مع اتساع نطاق أزمة اللاجئين.

ويختتم الفيلم بلقطات تسجيلية عن المسيرات الغاضبة التي نظمها اليمين المتطرف في ألمانيا ضد المهاجرين، وسط جملة من الشعارات المعادية للمسلمين التي انتشرت في الفترة الأخيرة.

ألمانيا مازالت على استعداد لقبول هتلر وتصعيده زعيما

استثمار هتلر

هتلر الجديد – المستعاد، الذي يعتقد العاملون في القناة التلفزيونية أنه مجرد ممثل، لا يمانعون في استثماره تجاريا في البرامج والأفلام، حتى بعد أن يعرفوا أنه “هتلر الحقيقي” وأنه يقصد كل ما يتحدث عنه بالفعل، فالمهم هو تحقيق النجاح التجاري بأي ثمن، والطريف أيضا أن هتلر الذي يوجه انتقادات تسخر من المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وكل أحزاب اليمين، بل ويضعه الفيلم أيضا في موضع الضحية للنازيين الجدد الذين يتهمونه بأنه طعن ألمانيا في الظهر، يعلن أن الحزب الوحيد في ألمانيا الذي يصلح لأن يتحالف معه هو حزب الخضر، لأن “البيئة الطبيعية الألمانية في حاجة لأن نحافظ عليها!”.

ورغم الكثير من السخرية التي يوجهها الفيلم إلى هتلر وما يعبّر عنه من عنصرية ألمانية، حينما يجعل أغلبية من يظهرون للتعليق على ظهور هتلر وأفكاره من اليمينيين الذين يتمنّون عودة ألمانيا القوية مرة أخرى، ويتفقون معه في انتقاد ما يقدمه التلفزيون من برامج يعتبرها مجرد تفاهات فارغة (دون أن يتهم اليهود بالوقوف خلفها وهو ما كان منطقيا في السياق).

فالفيلم يمتنع تماما عن التعرض للمسألة اليهودية بالسخرية، بل نرى مديرة القناة التلفزيونية التي يقبل هتلر الظهور فيها، تقول له كشرط من شروط التعاقد معه “دعنا نتفق من البداية على أن موضوع اليهود خارج مجال السخرية”، ويوافقها هو على ذلك. ومن هنا أراد صناع الفيلم تجنب إثارة غضب الجماعات اليهودية التي تعتبر أي إشارة إلى اليهود سياقا خياليا فنيا ساخرا تظهر فيه شخصية هتلر و“إهانة لأرواح ضحايا الهولوكوست”، وهي التهمة التي يعاقب عليها القانون الألماني!

عن الإخراج

يستخدم المخرج بعض اللقطات التسجيلية القديمة، ويشير بطريقة عابرة إلى إعجاب هتلر بأفلام المخرجة ليني ريفنشتال التي عملت في الدعاية النازية، لكن أفلامها أصبحت من كلاسيكيات السينما الفنية الرفيعة، مقارنة مع ما يقدم من برامج وأفلام رديئة حاليا، كما يستخدم المخرج كثيرا الحركة السريعة والمونتاج الذي يمزج بين اللقطات في مشاهد فونومونتاج مصحوبة بموسيقى سريعة الإيقاع، وبين الصور والرسوم وأعمال الغرافيكس، كما يستخدم الموسيقى التي اشتهرت بها بعض أفلام شارلي شابلن الكوميدية الشهيرة، أو الموسيقى الكلاسيكية.

ويعاني الفيلم من التفكك في بنيته الدرامية، أي في السياق السردي، فهو يستند أساسا إلى شخصية المراسل التلفزيوني الفاشل الذي يتشبث بفكرة اكتشاف هتلر، وينجح في استعادة وظيفته بفضل هذا الاكتشاف، لكنه يعتقد أنه أمام ممثل غريب الأطوار يجيد محاكاة هتلر في صوته وأسلوبه وفظاظته وجموده وتعصبه، لكن الفيلم يجعل هتلر أيضا ينفجر أحيانا في الضحك، خاصة عندما يقول له صاحبنا ذات مرة إنه من الأجدر به أن يعيد كتابة كتابه الشهير “كفاحي” ليجعله “كفاحي مع زوجتي”.

الفيلم يختتم بلقطات تسجيلية من المسيرات الغاضبة التي نظمها اليمين المتطرف في ألمانيا ضد المهاجرين

ومع ذلك لا يصمد هذا الخيط الواهي طويلا، وسرعان ما يصبح أساس الفيلم هو كيف يعيد هتلر اكتشاف الشعب الألماني، ليجد أنه لا يزال مستعدا لتبني أفكاره المتطرفة.

وفي مشهد مفتعل يعاني من سوء التمثيل والإيقاع الهابط، يصنع الفيلم مواجهة بين هتلر وامرأة يهودية عجوز يفترض أنها من الجيل الذي عاصر هتلر، وهي الوحيدة التي تتعرف عليه باعتباره هتلر الحقيقي، فتنفعل انفعالا شديدا وتطرده خارج بيتها.

وفي المقابل يبدو هتلر في الكثير من مشاهد الفيلم، أكثر وعيا من السياسيين الألمان وأكثر قدرة على التعبير عما يكمن داخل الألمان من رغبة في استعادة الدور الألماني الغائب.

وهي إشكالية حقيقية تجعل الفيلم يخرج عن مجال السخرية، بل يبدو كما لو كان يستخدم السخرية غطاء لتمرير رسالة أخرى غاضبة تتضمن احتجاجا على الوضع الألماني الحالي، ويتلاعب بالمادة، حيث يبدو حينا كما لو كان ينتقد التعصب الألماني، خصوصا كراهية الأجانب والمسلمين على وجه الخصوص، وتارة أخرى كما لو كان يلتمس العذر للألمان ويعزو سبب تفشي الأفكار المتطرفة إلى فشل السياسيين الألمان منذ نهاية الحرب في إرساء ديمقراطية حقيقية.

16