هجرة الأطباء.. استنزاف للصحة العمومية في تونس

الآلاف من الأطباء يغادرون تونس للعمل في الخارج بسبب ظروف العمل المتردية في القطاع.
الأربعاء 2019/07/31
الكفاءة لا تكفي عندما تغيب التجهيزات

تونس - تحرج ظاهرة هجرة الكفاءات الطبية الحكومة التونسية التي تتعرض لانتقادات بسبب تراجع المنظومة الصحية وسوء الخدمات المقدمة للمواطن. وبينما تحاول استعادة ثقة الشارع في المستشفيات الحكومية بعد حادثة وفاة رضع في مارس الماضي، يعمق نزيف الهجرة من متاعبها، ويضعها أمام تحدّ إضافي خلال السنوات القليلة القادمة، وهو توفير الأطباء للمرضى في حال حدوث نقص.

وشهدت تونس في السنوات الأخيرة هجرة كثيفة للأطباء والكوادر الطبية نحو دول أوروبية وخليجية بحثا عن ظروف عمل أفضل. وعام 2017 هاجر نحو 300 طبيب وفقا لإحصاءات رسمية. كما كشفت نقابة الأطباء والصيادلة في الصحة العمومية بأن هناك نقصا بما لا يقل عن 1500 طبيب في أقسام الطوارئ بالمستشفيات العمومية.

وسبق أن حذرت عمادة الأطباء التونسية من الارتفاع المخيف لهجرة الأطباء. وتوقعت أن يغادر حوالي 900 طبيب البلاد نهاية العام الجاري، وقد يبلغ بعد ثلاث سنوات أي عام 2020 عدد الأطباء المغادرين 1700 طبيب.

وحسب العمادة فإن الكفاءات الطبية المستهدفة ثلاثة أصناف: الأطباء الشبان والأطباء ذوو الخبرة وأيضا رؤساء الأقسام.

ويتساءل الخبراء عن قدرة الحكومة ووزارة الصحة تحديدا على التعامل مع هذه الظاهرة في ظل ما تعانيه المنظومة الصحية من نقائص، وأمام وضع متهالك لعديد من المستشفيات العمومية.

وكانت حادثة وفاة 12 رضيعا في مركز توليد حكومي نتيجة تعفن جرثومي، صدمت الرأي العام وسلطت الضوء على حجم مشكلات القطاع الصحي، وهي أحدث كارثة ضمن سلسلة من الأخطاء وعمليات فساد تضرب قطاع الصحة العمومية منذ سنوات.

من أسباب الهجرة الداخلية أي من المستشفيات العمومية إلى الخاصة هو تزايد الاعتداءات على الطاقم الطبي نتيجة غياب الحماية الأمنية في المستشفيات وتواضع إمكانياتها المالية والنقص الكبير في إمكانياتها البشرية والتقنية

وبالإضافة إلى تدني الخدمات وتقادم البنية التحتية، تعاني أقسام في عدة مستشفيات عمومية في الولايات الداخلية من نقص في الأطباء والجراحين وأطباء الاختصاص بسبب موجات الهجرة المتنامية، وهو ما يفرض تحديات جديدة على الحكومة العاجزة على تشغيل الخريجين الجدد من كليات الطب نتيجة نقص التمويل الحكومي بسبب الأزمة الاقتصادية والعجز في الموازنة العامة، وهو ما أدى إلى تجميد الانتداب في القطاع العام بما في ذلك الصحة العمومية.

وقال نقيب الأطباء السابق سامي سويحلي “إن الآلاف من الأطباء بصدد مغادرة البلاد للعمل في الخارج بسبب ظروف العمل المتردية في القطاع”. وأضاف سويحلي لـ”العرب”، “تشمل الهجرة أيضا من القطاع العام إلى الخاص نتيجة الأجور الهزيلة وظروف العمل الصعبة”، محذرا من مخطط لخوصصة القطاع.

ومن أسباب الهجرة الداخلية أي من المستشفيات العمومية إلى الخاصة هو تزايد الاعتداءات على الطاقم الطبي نتيجة غياب الحماية الأمنية في المستشفيات وتواضع إمكانياتها المالية والنقص الكبير في إمكانياتها البشرية والتقنية، خاصة بالمحافظات الداخلية البعيدة عن العاصمة والتي تعاني تهميشا وظروفا اجتماعية صعبة.

حادثة وفاة الرضع دقت كل نواقيس الخطر
حادثة وفاة الرضع دقت كل نواقيس الخطر

ويلفت سويحلي بقوله إن “أطباءنا ينجحون في أوروبا وفي العالم بأسره وأثبتوا أنهم من أفضل الكفاءات الطبية.. لكن في بلدهم يعانون من التهميش وسوء المعاملة في أحيان كثيرة”.

ويحمل المسؤولية في ما آل إليه القطاع الصحي إلى أخطاء الحكومات المتعاقبة بعد ثورة يناير 2011. ويرى أنه كان بإمكان تطوير الصحة العمومية وتحسين أوضاع المرضى.. غير أنه يفتقد اليوم إلى أبسط الضروريات.

ويلفت الخبراء إلى أن هجرة الأطباء قد تخفف من مأزق البطالة في صفوف أصحاب الشهادات العليا من خريجي الطب التي بلغت حسب إحصائيات رسمية لعام 2016 (1500 طبيب)، غير أنها تحرم البلد من كفاءاتها وطاقتها الشابة، التي تحتاج إليها في جميع المجالات وهو ما يضيع بصفة خاصة فرصا على اقتصادها.

ويعتقد هؤلاء أنه على الحكومة مراجعة سياساتها ومحاولة تدارك الخسائر المتوقعة في ظل الارتفاع المخيف لهجرة الأطباء، من خلال الاستفادة من خبرات الكفاءات وتحفيزهم على نقل تجاربهم إلى بلدهم الأصلي.

12