هجرة الطفل والمرأة والكاتب

الثلاثاء 2014/11/11

ليست حالة الغربة التي يعيشها الإنسان مقتصرة على زمننا هذا، ولا على زمان أو مكان معينين، فهي تكاد تكون قضية أو حالة إنسانية رافقت البشرية منذ فجر التاريخ، كانت لها على الدوام منعكساتها وتجلياتها، اجتماعيا ونفسيا، وخاصة في أزمان سابقة، حيث لا اتصال ولا تواصل مع من تمت مغادرتهم. إذ كان مصير من غادر الديار وأهلها، أشبه بالميت الذي غادر الحياة، أو يكاد، أما اليوم، وبفضل تقنيات الاتصال الحديثة، والمواصلات، فإن تحولا كبيرا طرأ على مفهوم الغربة، وعلى نفسية وفكر المغترب.

يسود مفهوم ملتبس لدى من يهاجر برفقة أطفاله إلى بلاد ما وراء البحار، أو حتى دول الجوار، كما هو الشأن في الحالة السورية، أن هؤلاء الصغار هم الرابح الأكبر، أو الأقل تضررا، إذ سيمكنهم الاندماج سريعا في المجتمعات الجديدة، بعكس الكبار والراشدين؛ ورغم عدم خلّو هذا التفكير من صواب، فإنه ليس دقيقا في حال النظر إلى الطفل مقارنة بالراشدين، كعادتنا الخاطئة في التعامل مع الطفل، على أنه شخصية تابعة، بلا خصوصية، نفسيا وفكريا، وصفحة بيضاء، بعكس الحقيقة العلمية التي تؤكد على بدء تكوينه حتى قبل ولادته، وإن شخصيته، مثل ملامحه الخارجية، تكتمل قبل دخول سن المدرسة، وقد يشكل له ذلك، مشكلة ستؤثر على تكوينه الداخلي وعلاقاته، لو لم تجد من يحسن التعامل معها بوعي وإدراك، وهو ما يحدث بالضبط للمهاجرين السوريين في دول الجوار، وخاصة للطفل، الضحية الأكبر، لأسباب يرتبط بعضها بما هو حضاري وإنساني لدى حكومات هذه الدول وشعوبها. وبما هو اقتصادي لدى الطرفين، المهاجرين وأهل المهجر، لتظهر لدى هؤلاء الأطفال حالات نفسية غير سوية، وسلوكيات شاذة. وصل الحال ببعض الأطفال إلى حد محاولات الانتحار.

ويبقى الأطفال المهاجرون إلى الدول الأكثر تحضرا هم الأقل تضررا، رغم أن معاناتهم من نوع مختلف وتتجلى في ازدواجية اللغة، واختلاف الشكل واللون، وتمايز العادات في البيت وخارجه؛ وذكريات ووعي وسلوكيات سابقة، تعيق محاولاته في الانسجام مع أقرانه الجدد. لن تزول بسرعة حتى ولو اختفت وتوارت لزمن، إذ سرعان ما تظهر، وربما بقوة وبشكل غير صحي، عدائي، حين يُساء لها، أو تجد من يوقظها ويستثمرها لخدمة أجندة وتوجهات معينة، ونموذج ذلك الملتحقون بالقاعدة وداعش من الشباب المسلم الذي ترعرع في أوروبا.

لا أحد في مجتمعاتنا يعاني من حالة غربة دائمة مثل المرأة، وقد رسخت القوانين المتخلفة والعادات والأعراف هذه الغربة، حتى باتت اغترابا أصبح عبر الزمن توأمها الملازم لها، يولد معها وينتهي بموتها، فهي ضيفة في بيت أبيها حتى يأتي نصيبها وتذهب إلى بيت زوجها، ولأنه بيت زوجها، لا بيتها، فهي هناك غريبة، ومهددة بمغادرته في أي لحظة، لا كما فعلت نورا في مسرحية الدمية لإبسن، التي رفضت أن تستمر في بيت هي فيه مجرد دمية. لا يحق للمرأة العربية والشرقية أن تنتفض، فهي ومنذ زمن بعيد جدا، دمية خارج البيت وخادمة داخله.

هذا الكائن المعذب، لا تنتهي معاناته بمغادرة هذا المناخ بكل ما يحمل من وباء، بل تحمل قيودها معها، صليبها، إلى بلد من المفترض أنه نصيرها، لتجد الجلجلة هناك، والمزيد من القيود، قيودها لا قيود المجتمع الجديد، وذلك حين تفتقد مساحات من الحركة ضمن دائرة معينة، الأهل أو الجيران، أو زميلات العمل، فتصبح أسيرة بيتها وأولادها، وملازمة لسجانها الزوج أنى ذهب، ورهن أوامره ورغباته، لا جارة تثرثر معها، ولا زميلة عمل، ولا حتى عمل للكثيرات منهن، ليصبح البيت الجديد سجنها، إنه سجن بنكهة أوروبية، الانبهار به لا يضفي على حياتها ما يناسبه من سعادة بقدر ما يحققه لسجانيها، الذكور: الزوج والأولاد، حينها يكون اللجوء إلى وسائل التواصل الحديثة في شبكة التواصل الاجتماعي: فيسبوك وسكايب، مع من تركتهم في الوطن، بمثابة التعويض عن هذا الافتقاد، بل الافتقار، وبالشكل الذي يناسب ما تعانيه ويعبر عن داخلها من حالات نفسية موجعة ووعي غير ناضج لا يخلو من شروخ، لتلجأ إلى إغاظة من تتصل بهم، متوسلة الكذب والمبالغة، عن قصد أو غير قصد، كنوع من التعويض عن غياب هامش الحرية الذي كانت تستثمره في الوطن مع أقرانها وأهلها، وإن بشكل غير مجد في الأغلب الأعم، وزوال عسل الفترة الأولى في الوطن الجديد، من انبهار ودهشة، في حالة من الاجترار لمشاهدات مبهرة، وهربا من أحاسيس الغربة الجديدة، في مكان ليس مكانها، وأناس لا تملك مفاتيح التواصل معهم، لغة وثقافة وحرية وعادات.

وإن كان أحسن حالا من حال تلك التي انتقلت إلى بلد مجاور، الغربة فيه قاسية ومرة، حيث لا تأمين ولا مأوى، ولا عمل، والعمل فيه، إن حظيت به، يثير من حولها الشبهات، والاستغلال، ناهيك عن ضرورة تماشي عادات نساء المجتمع الذي لجأت إليه كي تحمي نفسها من الشبهات، ليفعل كل ذلك فعله في نفسها الممزقة أصلا. ويزيد من ثقل همومها. ويجعل للغربة طعما مرّا وإحساسا مؤلما.

إذا كانت حالة الغربة ليست جديدة على المبدع بالذات، الذي كان، ولا يزال، يعيش حالة الاغتراب في محيطه الاجتماعي وخارجه، فإن ما كان يخفف من حدة هذه الحالة هو المكان بالذات لا سكانه من البشر، ولذلك، ربما، تجده العنصر الأكثر حضورا في كتابات المبدع المغترب، الذي يغوص إلى حد الإدهاش في رسم المكان وتفاصيله، في نوع من ممارسة الحنين إليه ومقاومة الغربة.

حديثا، ما يزال الكاتب، والمبدع عموما، الذي فرّ من جحيم الحرب الدائرة في وطنه، خشية السقوط ضحية عوز أو رصاصة طائشة أو شظية، أسير ما يحدث في الداخل، ولا يستطيع تجاوز مشاهد القتل والدمار برهة للتأمل والكتابة الإبداعية.

21