هجرة نصارى الشام إلى مصر أثرت حركة الترجمة

طغت شهرة المصرية لطيفة الزيات مبدعة وكاتبة ومناضلة سياسية على عملها العلمي والبحثي، خصوصًا المتعلق بحركة الترجمة ومكانتها في سياق الثقافة العربية الحديثة، حيث وضعت الزيات أولى الدراسات المستفيضة حول الترجمة العربية من اللغة الإنكليزية التي ربطتها بإطارها التاريخي والاجتماعي بشكل دقيق.
السبت 2017/06/03
الترجمة إلى العربية كانت وما تزال ضرورة معرفية مهمة (لوحة للفنان حاتم عرفة)

يقدم الناقد والمترجم خيري دومة للمرة الأولى إحدى دراسات الترجمة الباكرة المكتوبة بالعربية، هي دراسة لطيفة الزيات حول “حركة الترجمة الأدبية من الإنكليزية إلى العربية في مصر في الفترة ما بين 1882 – 1925 ومدى ارتباطها بصحافة هذه الفترة”، وهي رسالة الدكتوراه التي كتبت بالعربية، ونوقشت بقسم التحرير والترجمة والصحافة، بكلية الآداب جامعة القاهرة عام 1957.

دراسة باكرة

يكشف دومة في مقدمته للعمل، الصادر عن المركز القومي للترجمة، كيف تسنى له العثور على هذه الدراسة موضحا الخلل الذي يعتري الجامعات والثقافة العربية، إذ يقول “عبثًا بحثت في كل اتجاه عن احتمالية أن تكون رسالة لطيفة الزيات هذه قد نشرت في كتاب، نظرًا إلى أهميتها ولمرور وقت طويل على إنجازها، ولما لم أعثر لها على أثر بين الكتب المنشورة بحثت في مكتبة جامعة القاهرة، ومكتبة كلية الآداب، ومكتبة قسم اللغة الإنكليزية، القسم الذي كنت أظن أنها حصلت منه على الرسالة.

ووجدتها أخيرًا بين رسائل كلية الإعلام، التي ورثت قسم الصحافة بكلية الآداب، الذي كان قد ورث بدوره معهد الصحافة العالي. كانت المفاجأة أن الرسالة مكتوبة بالعربية، وأن لطيفة الزيات لم تحصل عليها كما تصورت أنا من قسم اللغة الإنكليزية الذي تخرجت منه عام 1946، ولم تحصل عليها من إنكلترا كما تصور آخرون، وإنما من قسم التحرير والترجمة والصحافة بكلية الآداب جامعة القاهرة عام 1957. وكانت المفاجأة الأكبر هي مساحة المعلومات الببليوجرافية المفيدة، والجهد البحثي والتحليلي الذي تكشف عنه هذه الدراسة الباكرة في تاريخ الترجمة من الإنكليزية إلى العربية”.

ويشير دومة إلى أنه واجه إشكالا متمثلا في كون الرسالة مطبوعة بطريقة الاستنسل القديمة بحيث يصعب جدا أن تتعرف على الحروف والكلمات، وخصوصًا في النصوص والهوامش المكتوبة بالإنكليزية.

أهمية الدراسة تعود إلى ما رسمته من أساس تاريخي واجتماعي وثقافي لتطور حركة الترجمة، ومعها حركة الأدب والثقافة

وحول هذه الدراسة يشير دومة إلى أن لطيفة الزيات حين سجلت لموضوعها في يناير عام 1953، ثم كتبت دراستها وحصلت بها على درجة الدكتوراه في يوليو 1957، لم تكن دراسات الترجمة قد ازدهرت على النحو الذي نراه اليوم. ولم تكن بين يدي القراء العرب بحوث علمية حول حركة الترجمة أو تاريخها. لم يكن لدى القراء سوى دراسات ثلاث، كلها صدرت في السنوات العشر السابقة على دراسة لطيفة الزيات. ولم تكن هناك دراسة واحدة تركز على الترجمة الأدبية بكل ما مثلته من تحول في الثقافة العربية الحديثة، وبكل ما تركته من آثار في الأدب العربي الحديث بموضوعاته وأشكاله وأساليبه.

ويلفت دومة إلى أن هذه الدراسة كانت تحرث أرضًا بكرًا، وتتبين خطوطًا أولية غير واضحة في حركة الثقافة العربية الحديثة، وبشكل خاص في حركة الأدب العربي الحديث وتحولاته، انطلاقًا من تحول في الحاضر مثلته حركة التحرر السابقة والمواكبة لثورة يوليو عام 1952، وكأنما كانت الباحثة الشابة لطيفة الزيات، وهي من هي في حركة اليسار المصري في الأربعينات من القرن الماضي، تنطلق من موقع أيديولوجي واضح، وتنظر من خلاله إلى التاريخ الثقافي المصري الحديث، لا لتكتفي بمجرد رصد المعلومات الببليوجرافية الخاصة بحركة الترجمة الأدبية، على أهمية هذه المعلومات في ذاتها، وإنما أيضًا لتستكشف التحولات الاجتماعية والثقافية الكبرى.

أهمية البحث

ويرى دومة أن في الدراسة قيما باقية تبرر اليوم نشرها، نظرا إلى ما رسمته من أساس تاريخي واجتماعي وثقافي لتطور حركة الترجمة، ومعها حركة الأدب والثقافة العربيين الحديثين؛ فالدراسة، مع أنها تبدأ رسميًّا من عام 1882، أي عام الاحتلال الإنكليزي لمصر، تعود في فصلها الأول التمهيدي إلى الفترة السابقة لترى أصول حركة الترجمة الأدبية، ومحركاتها والعوامل الفاعلة المؤدية إلى نشوئها وتطورها.

اكتشافات حول مترجمين وترجمات مجهولة

تعود أهمية هذه الدراسة أيضا إلى ما قدمته لطيفة الزيات من معلومات وتحليلات وربما اكتشافات حول مترجمين وترجمات مجهولة، مثل ما قدمته من تحليل لترجمة أحمد عباس علي لرواية دانيال ديفو “روبنسون كروزو” عام 1923، وما قدمته من كشف لأهمية ترجمة محمد عفت لمسرحية “ماكبث” لشكسبير.

ولعل أهم ما طرحته الزيات في هذه الدراسة هو ما أخذه عنها عبدالمحسن بدر من حقائق وتحليلات ترتبط بما أسماه هو “رواية التسلية والترفيه”. كما ترى الباحثة أنه عندما جاء الاحتلال البريطاني إلى مصر وجد ظروفًا مكنت من بدء حركة لترجمة الأدب، وهيأت لإمكان استمرارها، وكان من بينها وجود طبقة وسطى متعلمة تعليمًا غربيًّا، ومن الطبيعي أن تلجأ إلى القراءة في وقت فراغها، ووجود صحافة شعبية تعبر عن هذه الطبقة وتهيئ مجالاً لنشر القصص على صفحاتها، ومطابع خاصة يملكها الأفراد، كما أن عددا من المترجمين المصريين يجيدون الفرنسية، وسبق لهم بالفعل أن نقلوا بعض آثار الأدب الفرنسي إلى اللغة العربية.

وترى الزيات أن المحاولات تعددت للترجمة من الإنكليزية، لكنها لم تكن لتثمر ما بين يوم وليلة، إذ لم تكن في مصر فئة من المصريين تجيد الإنكليزية، وتستطيع نقل الأدب الإنكليزي إلى العربية، إلا في أوائل القرن العشرين، أي بعد مضي قرابة عشرين سنة على بدء الاحتلال الإنكليزي، ولكن من الممكن أن نؤرخ لبدء حركة النقل عن الأدب الإنكليزي ببدء هذه الفئة من المصريين لنشاطها في مطلع القرن العشرين.

وتؤكد الزيات أنه إذا كانت الثقافة الإنكليزية لم تزحف على مصر قبل الاحتلال، فقد استوطنت في بيروت منذ 1886، ممثلة في الكلية الأميركية التي راحت تعد جيلاً متمكنًا من اللغة الإنكليزية، ومتشبعًا بثقافتها، وتترجم من الكتب المدرسية ما يهيئ لها الاستمرار في سياستها التعليمية. فإذا قاربنا 1880 وجدنا نهضة أدبية مركزها سوريا ولبنان، فلم تبلغ الآداب العربية في القرن التاسع عشر كله ما بلغته في حقبته الأخيرة.

غير أن إدارة المعارف في الآستانة أخذت تنشئ القوانين الصارمة لتقييد حرية المطبوعات، ولم تزل تضايقها شيئًا بعد شيء حتى بلغت في ضغطها حدًّا لا يكاد يتصوره غير الذين قاسوا مضضه. وبدأت وفود اللبنانيين والسوريين ترد إلى مصر، وخاصة نصارى الشام، من هنا نفهم تطور الترجمة عن الإنكليزية في مصر.

17