هجرة وتهجير مسيحيي نينوى.. قنابل طائفية موقوتة من صنع إيران

الجمعة 2013/12/06
استهداف مسيحيي العراق توجه إيراني تحركه ميلشياتها المتشددة

أربيل- اتضح أن الدبلوماسية الإيرانية في بغداد وأربيل بذلت جهدا لتعطيل مؤتمر أصدقاء برطلة، وربما لم يعرف الرأي العام العراقي بخفايا هذا المشروع الطائفي والسياسي في الوقت نفسه، فهو قد بدأ منذ سنوات، ومتصل مباشرة بعمليات التفجير التي حدثت في قرى الشبك حول سهل نينوى، وبعد كل تفجير يحصل نزوح على القرى المسيحية من قبل الشبك الشيعة.

إذا كان الأمر عند هذه الحدود، إيواء المنكوبين في مناطق التفجيرات، فالمسيحيون يتحدثون عن تاريخ طويل من التكافل الاجتماعي بين سكان المنطقة، وربما صار ضريح واحد قبلة للجميع، دون السؤال عن أصل صاحب الضريح المذهبي أو الديني، وكم من مسلمين يتبركون بمزارات مسيحية أو يزيديين بمزارات مسلمين، فالمنطقة بحاجة إلى هذا التسامح الديني والمذهبي، وإلا ستتحول الجيرة إلى صدامات دموية.


دور الأحزاب الشيعية


لكن دخول الأحزاب الشيعية وإيران في الموضوع يؤكد أن القضية ليست إيواء مؤقتا، وإنما انتشار سكاني معدود له، لتأسيس كيان إيراني في المنطقة، ولا يضمن إخلاص هذا الكيان إلا على أساس المذهب وتكريس الطقوس على مدار السنة. ويتحدث الكرد والمسيحيون عن ضغوط إيرانية على إقليم كردستان، فوجود حزام شيعي يتم تسييسه وصبغه بصبغة قومية، مثلما هو الحال مع الشبك، يفهم منه إزداوجية المهمة، وهو الضغط على المناطق السنية في الموصل وعلى المناطق الكردية المتاخمة لسهل نينوى، وليست هناك مناطق أسهل لهذا المشروع مثل المناطق المسيحية.

تحدث أحد المطارنة، وهو نائب مطران الموصل وإقليم كردستان للسريان، عن هذا المشروع، مذكراً أن هناك شبكيين من الشيعة قد عاشوا لعقود من الزمن بين المسيحيين، عندما اضطرتهم الظروف إلى ذلك، لكن هؤلاء، العائلة أو العائلتين، لم يسعوا إلى الهيمنة، وفرض الشعائر الدينية والاستحواذ بأي طريقة على الأرض. فما يحصل اليوم، والحديث للمطران، هو اجتياح سكاني، فلم يبق من قرى برطلة، المحيطة بقصبتها، إلا قرية مسيحية واحدة، والبقية أصبحت قرى شبكية شيعية.

برطلة المدينة القديمة في التاريخ، وذات العمق المسيحي، محاصرة الآن بالنازحين الشيعة إليها


مؤتمر أصدقاء برطلة


اختتم مؤتمر أصدقاء برطلة أعماله بانتخاب لجنة لمتابعة قضايا التغيير السكاني، الجارية على قدم وساق في الناحية، وخرج المؤتمر بتوصيات، منها معالجة الضغط على الحكومة الاتحادية وحكومة الموصل المحلية في تأهيل القرى والنواحي التي نزح منها الشبك الشيعة إلى المناطق المسيحية وإعادتهم إلى مناطقهم، وتفعيل القانون الذي أصدرته المحكمة العليا بعدم السماح للهجرة بدافع التغيير السكاني، لكن هذا القانون كغيره من القوانين المركونة على الرفوف، لا تحقيق لها على أرض الواقع.

ومظاهر التغيير السكاني واضحة على الناحية، فهناك لافتة كبيرة معلقة في مدخل الناحية تشير إلى أملاك الوقف الشيعي فيها، وحسينية رفعت عليها الأعلام السود والخضر المعلنة لمراسيم عاشوراء، وفي أيام محرم تدور سيارات بمكبرات الصوت داخل الناحية، تذيع مقتل الحسين. برطلة المدينة القديمة في التاريخ، وذات العمق المسيحي، محاصرة الآن بالنازحين الشيعة إليها، ومن صورة عمار الحكيم في واجهة المؤسسة الدينية، في مدخل الناحية، تعلم أنها ملك المجلس الأعلى الإسلامي الذي يتزعمه آل الحكيم، المرتبط بعلاقات متينة بإيران، فالمجلس نفسه تأسس في بداية الثمانينات بتوجيه من آية الله الخميني.

ويستغل المجلس الأعلى الإسلامي ومؤسسة الوقف الشيعي ظروف السكان المحليين لشراء دورهم، ومن ثمة إزاحتهم، وهذا ما يمارس في بقية النواحي المسيحية. وفي لقاء برئيس إقليم كردستان مسعود البرزاني، في صلاح الدين، استعرض الوفد الممثل لمؤتمر أصدقاء برطلة أعمال وأهداف عقد مؤتمرهم الأول وأشاروا إلى المشاكل والمعضلات التي تواجه المواطنين المسيحيين في مناطق تل كيف وبرطلة وعموم سهل نينوى وخصوصاً انخفاض النسبة السكانية للمسيحيين في تلك المناطق وهجرتهم إلى إقليم كوردستان لأسباب مختلفة، من أبرزها المضايقات التي تشجعها الأحزاب الدينية، فقد أجبر أهل برطلة على عدم الاحتفال بأعيادهم بسبب مخالفتها لأحزان عاشوراء في تلك المناطق.

سهل نينوى، على ما يبدو، قنابل موقوتة، قد تتفجر في أية لحظة، وتدخل الأيدي الخارجية، الإيرانية، على وجه الخصوص، واضح، وقد أبلغ الوفد البرزاني بزيارات القنصل الإيراني لتلك المناطق بين فترة وأخرى، وعن الأموال الباذخة لشراء منازل المسيحيين، ورد بأن تردي أحوال العراق في المناطق العربية سببه السلطة القائمة في بغداد، معبراً عن عدم ارتياحه لقانون الانتخابات ونظام الدوائر المتعددة، وما لذلك من علاقة في تردي الأحوال.

1.364.000 مسيحي، قبل الحرب على العراق

500 ألف مسيحي بعد الحرب على العراق 65 بالمئة من المسيحيين هاجروا خارج العراق

ومما تجدر الإشارة إليه أن السكان المسيحيين يعيشون بين ضغطين، ضغط تردي أحوالهم المعيشية والخدمات والمضايقات الدينية، وضغط مغريات الهجرة إلى خارج العراق، وعلى ما يبدو هناك اتجاه لدى الأحزاب الدينية بإفراغ تلك المناطق من سكانها الأصليين.


الدور الإيراني


علمنا أن القنصل الإيراني يتردد على المنطقة، وأنه مارس ضغوطا من أجل عدم انعقاد مؤتمر أصدقاء برطلة، فما علاقة إيران بالمنطقة؟ ليس خافيا أن السلطة في بغداد تأتمر بالأمر الإيراني في علاقاتها الخارجية وشأنها الداخلي. وبطبيعة الحال يبقى غير الإسلامي الشيعي لدى إيران موضع شك وريبة، وقد أشار أياد علاوي إلى تدخل إيران ومنعه من استلام رئاسة الوزراء، وذلك في معركة قائمته العراقية، وهي التي فازت في الانتخابات بالأصوات الأكثر وضُغط على المحكمة العليا كي تفسر المادة الدستورية لصالح قائمة المالكي دولة القانون، بعدها صرحت كتلة الأحرار، وهي كتلة التيار الصدري في البرلمان العراقي، بأن رئيس الجمهورية جلال الطالباني قد تعرض لضغط إيراني عندما هم بتقديم سحب الثقة من المالكي، والموقع من قِبل مائة وسبعين نائبا من أعضاء البرلمان العراقي، وهو العدد الكافي لسحب الثقة من رئيس الوزراء.

بطبيعة الحال إذا لم تتمكن إيران من احتواء إقليم كردستان قد لا تتمكن من التأثير في بغداد، لذا تجد هناك محاولات إيرانية في تشكيل حكومة إقليم كردستان العراق، فإذا كانت إيران علاقاتها متينة مع الاتحاد الوطني الكردستاني، كونها قد دعمته في حربه مع الحزب الديمقراطي الكردستاني (أربيل) في أواسط التسعينات، من القرن الماضي، فإنها تنظر بشك وريبة إلى الحزب الديمقراطي (جماعي البرزاني) وإلى جبهة التغيير، التي فازت بأربعة وعشرين مقعدا في برلمان الإقليم، وهناك حديث حول الدور الإيراني في منطقة الإقليم، ويأتي تطهير سهل نينوى، والهيمنة عليه كأحد هذه الضغوط.

معلوم أن التدخل الإيراني في التطهير السكاني له مأرب سياسي آخر، غير الضغط على السنة في الموصل والأكراد في أربيل، إنما إقامة كيانات سياسية وحزبية، على شاكلة حزب الله مثلا، فهذا الحزب الذي نشأ في إيران، كقوة مدافعة عن الثورة امتد إلى لبنان وسوريا والعراق، وله فروع في أكثر من منطقة.

هناك معركة على أرض سهل نينوى، المسيحيون، وهم سكان السهل القدماء، تجدهم الأضعف فيها، والزحف على البقية الباقية لهم من القرى والقصبات جار على قدم وساق. المسألة بحاجة إلى وقفة وطنية وإقليمية ودولية أيضاً، فما يحدث للمسيحيين العراقيين مؤلم جدا، وقد تنازلت أعدادهم من المليون إلى ربع مليون، وربما أقل من ذلك. فإيران تتدخل لتغيير سهل نينوى سكانياً عن طريق الأحزاب الشيعية العراقية، وهي تتحرك كأدوات بيدها، والأمر لا يستغرب إذا علمنا أن هذه الأحزاب والمنظمات قد تأسست على الأرض الإيرانية وبالمال الإيراني، واستخدمت في الحرب العراقية الإيرانية، لم يصل الحال بالمسيحيين في يوم ما إلى ما هم عليه اليوم، فالشعارات الدينية الإسلامية تخط على جدران كنائسهم، ولم يستطيعوا حتى الاحتجاج بكلمة. إنها عمليات تهجير بدافع التطهير السكاني.

6