هجمات إرهابية يعتبرها أصحابها "غيضا من فيض"

على الرغم من الخسائر الميدانية الكبرى التي مني بها داعش في سوريا والعراق المجاور، لا يزال التنظيم الإرهابي قادرا على التسلل وتوجيه ضربات موجعة لخصومه.
الأربعاء 2018/06/13
عصابات داعش لم تندثر

دير الزور (سوريا) -  فكرة القبول بالهزيمة والتسليم بالعجز أمام الخصم لأسباب عسكرية أو استراتيجية أو بشرية أو غيرها، مسألة لا وجود لها وغير واردة أصلا، لدى التنظيمات الإسلامية المسلحة، ذلك أنها تنطلق من عقيدة قتالية مفادها أن “النصر محقق لا محالة، وإن تأخر أو استعصى قليلا لحكمة إلهية” بل إن منظري هذه الجماعات يزيدون على ذلك بقولهم إن “الانتصار على الطاغوت، انتصاران: الأول نصر ميداني يتمثل في إقامة الدولة على أرض الواقع وتطبيق الشريعة، والثاني نصر إيماني عقائدي، يتمثل في الصبر على المحن من أجل الفوز بالنصر العظيم”، على حد قول منظريهم وقادتهم الذين يزينون للأغرار والمستلبين من عناصرهم، طريق التهلكة.

ما ينبغي أخذه بعين الاعتبار لدى الاستراتيجيات المكافحة للتطرف والإرهاب، هو أن هذه الجماعات لا تمل ولا تكل ولا تيأس، وستواصل نشاطها الإرهابي كلما سنحت لها الفرصة لذلك، مما يرسخ قناعة لا لبس بها وتتمثل في أن وتيرة محاربة الإرهاب يجب على أصحابها أن “لا يملوا ولا يكلوا”، تماما مثل الشعار الذي يرفعه الأعداء الذين يحاربونهم.

ما يؤكد صحة ودقة ما ذهب إليه المحللون والخبراء المتخصصون في الفكر الجهادي، هو ما يحدث ميدانيا على أرض الواقع رغم تعالي الحديث عن اندحار عناصر داعش إلى غير رجعة كما “تفاءل” بعض المتابعين الذين لا يعرفون آليات تفكير قادة الإرهاب والمخططين له.

فعلى الرغم من الخسائر الميدانية الكبرى التي مني بها داعش في سوريا والعراق المجاور، لا يزال التنظيم الإرهابي قادرا على التسلل وتوجيه ضربات موجعة لخصومه.

وأسفرت هجمات مفاجئة نفذها منذ مطلع الشهر الحالي في البادية السورية عن مقتل العشرات من قوات النظام والمسلحين الموالين لها.

وتفيد مصادر إعلامية وعسكرية بأن الجماعات الإسلامية المسلحة كثفت في الأسابيع الأخيرة هجماتها ضد مواقع قوات النظام السوري وحلفائه في البادية السورية، في عمليات متتالية يرجح محللون أن تكون “غيضا من فيض ما يخطط له الجهاديون في الفترة المقبلة”.

وبعد ستة أشهر على طرده منها، تمكن مقاتلو داعش الجمعة الماضي، وإثر سلسلة عمليات انتحارية من اقتحام مدينة البوكمال الحدودية مع العراق، وخاضوا فيها مواجهات عنيفة ضد قوات النظام وحلفائها لأيام قبل أن ينسحبوا منها الاثنين الماضي.

ويقول الباحث نوار أوليفر، من مركز عمران للدراسات، “عندما أعلن النظام السوري أو الحكومة العراقية أنهما تمكنا من دحر التنظيم، لم تكن تلك التصريحات دقيقة”.

تنسيق بين مقاتلي التنظيم على طرفي الحدود عبر حركتهم الخفية في الصحراء ومن خلال تنكرهم كسائقين محليين

ويوضح أن النظام السوري بدعم من حلفائه “تمكن من طرد التنظيم من مدينة دير الزور والبوكمال والميادين وتدمر، لكنه لم يتمكن من القضاء عليه في البادية، وهذه هي مشكلته الرئيسية اليوم”.

وتُعد المناطق الصحراوية الأكثر مناسبة للجهاديين للتواري عن الأنظار وشن هجماتهم، بعدما باتوا يسيطرون على نحو 3 بالمئة من الأراضي السورية فقط.

ويتبع تنظيم الدولة الإسلامية بشكل أساسي تكتيك التسلل ضد مواقع قوات النظام وحلفائها، قبل أن يشن عمليات انتحارية سواء عبر العربات المفخخة أو “الانغماسيين”. وأحيانا كثيرة، يشن هجمات متوازية على أكثر من جبهة لتشتيت خصومه.

وكثف التنظيم الإرهابي خلال الأسابيع الماضية من وتيرة عملياته بعد إجلاء المئات من مقاتلين من أحياء في جنوب العاصمة دمشق كانوا يتحصّنون بها منذ العام 2015. ووثق المرصد السوري لحقوق الإنسان، مقتل العشرات من قوات النظام وحلفائها بينهم مقاتلون روس وإيرانيون، جراء هجمات متفرقة للتنظيم في البادية وخصوصا جنوب مدينتي البوكمال والميادين في ريف دير الزور الجنوبي الشرقي.

وينظر مقاتلو التنظيم إلى هذه الهجمات على أنها “انتصار”، بينما يعملون على التخطيط لهجمات أخرى في الفترة المقبلة، وفق أوليفر، الذي يقول “ستتواصل الهجمات انطلاقا من الصحراء لتستهدف حقول وأنابيب النفط وحتى المعابر الحدودية، ما سيسبب صداعا هائلا لأي حكومة”.

ويقول خبراء في مجال الإرهاب إن الحرب على هذه الآفة ينبغي ألا تختصر على مرحلة دون أخرى أو بلد دون آخر بل عليها أن تكون مستمرة، وتتوخى المزيد من الحيطة والحذر، خصوصا عندما يُخيّل للحكومات أنها في مرحلة سلام وهدوء.

أمر آخر ينبغي أخذه في الاعتبار، وفق الخبراء والمتخصصين في الجماعات الإرهابية، هو لعب قادة هذه التنظيمات على وتر العلاقات القبلية في تلك المناطق بلغتي الترغيب والترهيب، مما يمكنهم من التغلغل ومن ثم الكمون في انتظار الفرصة السانحة، وعلى اعتبار أن هذه الأساليب في التواصل بين العناصر الجهادية، أكثر جدوى وفاعلية في هذه المرحلة. ويتوقع الباحث في معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط حسن حسن، أن “يبقى شرق سوريا وشمال شرق العراق نقاط ضعف البلدين حيث سيواصل التنظيم نشاطه لسنوات عدة مقبلة”.

ويقول حسن “يعرف التنظيم المنطقة جيدا وقد أنشأ بنية تحتية لتمرده وسط الصحراء والوديان وفي المناطق الريفية الممتدة من كركوك وديالى في العراق إلى منطقة القلمون في ريف دمشق”.

ولا يستطيع خصوم التنظيم في البلدين، وفق الباحث الاستراتيجي، “إدارة وضمان أمن هذه المناطق بطريقة مستدامة”.

ولا يستبعد الناشط عمر أبوليلى، المنحدر من دير الزور، وجود تنسيق بين مقاتلي التنظيم المتطرف على طرفي الحدود عبر “حركتهم الخفية في الصحراء وربما من خلال تنكرهم كسائقين محليين”.

ويشرح مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان رامي عبدالرحمن، الحيثيات بقوله إن مقاتلي التنظيم أكثر دراية بطبيعة البادية الجغرافية وتلالها من قوات النظام المنتشرة في نقاط متباعدة، وهو ما يجعل الأخيرة تعتمد بالدرجة الأولى على سلاح الجو في مواجهة التنظيم.

13