هجمات باريس تصيب فرنسا التعددية في مقتل

الأحداث الدامية التي شهدتها العاصمة الفرنسية باريس في الأيام القليلة الماضية حملت تأكيدات وإنذارات مبكرة للحرب على الإرهاب ستتخذها فرنسا في المرحلة المقبلة. ولكن هذا المشروع لن يتوقف عند المجموعات المتطرفة داخل وخارج البلاد إنما سينسحب بشكل كبير على الجاليات العربية والمسلمة المتواجدة على أراضيها.
الثلاثاء 2015/11/17
ثقافة التعدد في فرنسا مهددة اليوم بعد تتالي العمليات الإرهابية

لندن - تعد الجالية الإسلامية في فرنسا الأكبر على مستوى البلدان الأوروبية، حيث يتراوح عددها بين 5 إلى 6 ملايين مسلم، وترفعها تقديرات أخرى إلى 7 ملايين في الأراضي الفرنسية. ورغم ضخامتها فإنها لا تزال تعاني من المشكلات التي تعوق عملية اندماجها بالشكل الكافي داخل المجتمع الفرنسي، وقد فاقمت أحداث باريس الأخيرة هذه الظاهرة.

وبات هناك خوف من أن تخلق هذه الأحداث الكثير من التعقيدات للجاليات المهاجرة وخاصة المسلمة منها، كما حدث عقب أحداث 11 سبتمبر التي ما تزال تبعاتها متواصلة إلى اليوم. وقد شهدت فرنسا كما غيرها من الدول الأوروبية جملة من التحركات التي تصب في هذا الإطار على غرار رفع عشرات المتظاهرين في مدينة ليل الفرنسية لافتات كتب عليها “فليطرد المسلمون” في مسيرة غاضبة تنديدا بالأحداث الدامية التي عاشت على وقعها باريس، الجمعة الماضي. هذا فضلا عن عمليات المداهمات التي تقوم بها الشرطة الفرنسية ضد الكثير من العائلات المسلمة، وإعلان إغلاق التأشيرات في وجه العرب والمسلمين.

كما أدت ردود الفعل الفرنسية الغاضبة من المسلمين إلى حجب الرؤية عن بعض المواقف المرافقة للهجمات الأخيرة والتي قام فيها بعض المهاجرين بأدوار هامة لتخفيف وطأة الحادثة. حيث كان زهير، وهو حارس أمن من أصول مهاجرة، واحدا من عناصر الأمن الذين منعوا ثلاثة من الانتحاريين من دخول ملعب في مدينة باريس يوم الجمعة الماضي. واضطر المهاجمون لتفجير أنفسهم خارج الملعب في مكان قريب من مطاعم ماكدونالدز. لينقذ بذلك حياة جماهير الملعب الفرنسي التي قارب عددها الـ80 ألفا، عشية تفجيرات باريس.

ولا يعرف إلا القليل عن خلفية زهير الذي روى لصحيفة وول ستريت جورنال ما حدث في الملعب حيث كان الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند من بين 80 ألفا من الذين حضروا لمشاهدة المباراة الودية بين فرنسا وألمانيا. ووقف كحارس أمين للجماهير الكبيرة الحاضرة داخل الملعب كرمز للشباب المسلم الذي يرفض أن يمثله الإرهابيون.

لا شك أن زهير يعد مثالا عن وجهة نظر يتبناها العديد من المسلمين في فرنسا، رغم أن العديد من المهاجرين يشعرون بالتهميش واليأس في بلد يتشبث بعدم التحول إلى مجتمع الهجرة.

مهاجرون يشعرون بالانتماء إلى فرنسا

ورغم تشجيع زهير لمنتخبات مثل الجزائر والمغرب، وفي بعض الحالات منتخبات من الدول الأفريقية الأخرى، ورفضه تشجيع فرنسا إلا أنه لا يتخطى كونه نوعا من التعبير الرائج في صفوف المتشددين من مشجعي كرة القدم، على غرار المصريين الذين رفضوا في الماضي تشجيع منتخب بلادهم تعبيرا عن رفضهم للرئيس المعزول حسني مبارك وليس رفضهم لمنتخب مصر.

وهي ليست الحالة الأولى التي تعبر فيها الجاليات المسلمة في أوروبا وفي فرنسا تحديدا عن رفضها للمتطرفين وأفكارهم، إذ سبق أن قتل أحمد مرابط، رجل الشرطة، في باريس في يناير الماضي، عندما هاجم شقيقان مقر المجلة الساخرة شارلي إيبدو، التي سخرت في الكثير من الأحيان من الدين الإسلامي.

عقب واقعة شارلي إيبدو وقعت 153 حالة اعتداء بين 7 يناير و7 فبراير، بزيادة 70 بالمئة مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي

ومع ذلك تشهد الجاليات المسلمة في فرنسا جملة من الاعتداءات بعيد حادثة شارلي إيبدو، ومن المتوقع أن تتخذ أشكالا أكبر بعد عمليات باريس. حيث ذكرت جملة من المؤسسات ومنها جمعية محاربة إسلاموفوبيا الفرنسية في تقرير لها صدر في 11 فبراير 2015، أنه عقب واقعة شارل إيبدو وقعت 153 حالة اعتداء خلال الفترة الفاصلة بين 7 يناير و7 فبراير، مشيرة أن هذا يعني زيادة معدلات الاعتداء بنسبة 70 بالمئة مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.

اختيار داعش للملعب أمر مدروس

تم اختيار ملعب فرنسا كأحد المواقع التي استهدفتها هجمات يوم الجمعة نظرا لوجود عدد كبير من الحاضرين. وتم تفادي تصنيف جميع المسلمين على أنهم إرهابيون خاصة بعد إعلان لاعب المنتخب الفرنسي لاسينا ديارا أن ابن عمه لقي مصرعه في الهجمات التي شنتها الدولة الإسلامية، عندما كان هو يدافع عن ألوان المنتخب الفرنسي على أرضية الملعب.

استهداف الملعب يتناسب مع أهداف الدولة الإسلامية، التي أعلنت مسؤوليتها عن الهجمات، واستقطابها للمنفذين، مستغلة في ذلك تفاقم التوترات الاجتماعية، وقيادتها للذين يعانون من المزيد من التهميش.

ملعب فرنسا هو واحد من بين عشرة ملاعب فرنسية من المقرر أن تستضيف نهائيات كأس الأمم الأوروبية لعام 2016، وهي أول بطولة قارية تستضيفها فرنسا منذ نهائيات كأس العالم في عام 1998.

من خلال التركيز بشكل حصري تقريبا على التصعيد الأمني، وإعلان الحرب استنادا إلى تصاعد المشاعر المعادية للمسلمين في أعقاب هجمات باريس على الجماعة الإسلامية التي تحاربها فرنسا وأوروبا بالفعل منذ أكثر من عام، يخاطر القادة الأوروبيون، ولو عن غير قصد، بإثارة من يمكن أن يرفع عدد المتعاطفين مع الدولة الإسلامية.

الصراع ضد الدولة الإسلامية يحتاج إلى أكثر من شن غارات جوية أو تركيز الأقمار الصناعية لمتابعة المدن الفرنسية

تطرف داعش أخطر من مقاومة السلاح

إن الاستمرار في عدم تبني سياسات اجتماعية واقتصادية في الداخل من شأنه أن يقوض انجذاب الشباب الساخطين الذين يشعرون أن ليس لديهم ما يخسرونه، هم يعمقون الفجوة بين زهير والانتحاريين الذين حولوا المنتخب الفرنسي، وهو انعكاس لصورة فرنسا في أفضل وأسوأ حالاتها، إلى رمز للانقسام.

يرى بعض المحللين أن هجمات باريس توفر فرصة مناسبة للقضاء على الدولة الإسلامية، عبر الدعوة لمواجهة عسكرية أقوى بكثير من تلك التي شُنّتَ ضد الدولة الإسلامية في سوريا والعراق. لكن المشكلة تتمثل في أن المعركة قد تمتد إلى ما هو أبعد من قواعد الدولة الإسلامية في الشرق الأوسط، ولن تحل ببساطة بمجرد إلحاق الهزيمة بالجماعة الجهادية.

يحتاج الصراع ضد الدولة الإسلامية إلى أكثر من شن غارات جوية أو تركيز الأقمار الصناعية لمتابعة المدن الفرنسية، بل يستــدعي المزيد من الانتباه إلى الضواحي المهمشة للعاصمة التي ينطلق منها عدد من الجهاديين الأوروبيين، والأحياء الشعبية المكتظة في العاصمة التونسية التي تصدر أكبر عدد من المقاتلين الأجانب في سوريا والعراق، والمملكة العربية السعودية التي يمثل مواطنوها ثاني أكبر عدد من المقاتلين الأجانب.

المنتخب الفرنسي مرآة لسياسة بلاده

تجلت تداعيات فشل الحكومات الفرنسية في شن حرب على التمييز والتهميش في الداخل بنفس الشكل القائم في نجاحات وإخفاقات المنتخب الفرنسي. فعندما فاز الفريق بكأس العالم لعام 1998، كان أغلبه يتكون من لاعبين من أصول مهاجرة، وقد تم الاحتفاء به آنذاك على أنه نموذج ناجح للتعددية الثقافية الفرنسية، واحتفل الفرنسيون بنجاح المنتخب بغض النظر عن الخلفية الثقافية والإثنية لعناصره.

ولم يبق من هذا النجاح بعد أكثر من عشر سنوات إلا القليل، حيث أصبح الفريق مصدر إحراج لفرنسا خلال نهائيات كأس العالم في جنوب أفريقيا 2010، وتم التنديد بأنه شكل مصدر خجل لفرنسا في الوقت الذي نجح فيه المنافس الألماني باعتلاء عرش التعددية الثقافية الأوروبية الناجحة.

خلال 12 عاما من النصر والهزيمة، تشهد فرنسا أسوأ أعمال شغب عرقية في ضواحي المدن الكبرى وهي أماكن يقطنها المسلمون بشكل كبير. بالإضافة إلى ذلك تلقى اللاعب الفـرنسي من أصـول جزائريـة زين الـدين زيدان، والذي يعتبر واحـدا من أفضل لاعبي جيله، بطاقة حمراء خلال نهائيـات كأس العالم 2006، بعد أن نطح اللاعب الإيطالي ماتيراتزي بعد أن زعم الأول أن الأخير أهان النبي محمد.

بعد ذلك، أثارت احتفالات في فرنسا بهزيمة المنتخب الجزائري خلال التصفيات الخاصة بكأس العالم روسيا 2018 عمليات شغب، مما دفع زعيمة الجبهة الوطنية مارين لوبان للمطالبة بمراجعة القانون الذي يسمح بمنح الجنسية المزدوجة للمواطنين الفرنسيين.

وقال اللاعب لاسينا ديارا “في هذا المناخ من الرعب، من المهم بالنسبة إلينا جميعا، نحن الذين نمثل بلادنا وتنوعها، أن نعلي صوتنا وأن نبقى موحدين في مواجهة الرعب الذي ليس لديه لون ولا دين. دعونا ندافع معا عن الحب والاحترام والسلام”.

ويعتبر نداء ديارا ضروريا كي يستمع إليه الزعماء المسلمون والرئيس هولاند والزعماء الأوروبيون في بيئة تشهد تصاعد ظاهرة الكراهية للإسلام ومعاداة المهاجرين وتنامي شعور معاداة الأجانب.

7