هجمات بغداد الدامية تعيد طرح المعضلة الأمنية في العراق

الاختراق المتكرر من قبل المفجرين والانتحاريين لمناطق بالغة التحصين داخل العاصمة العراقية بغداد يكشف عن وجود ثغرات أمنية كبيرة، وعن عوائق سياسية وإدارية مزمنة تعيق عمل الأجهزة الأمنية وتحول دون تحسين أدائها وتحقيق النجاعة المطلوبة لحماية الأرواح والحفاظ على الممتلكات.
الأربعاء 2017/05/31
بغداد تتعايش مع المجازر كشأن يومي مألوف

بغداد - أظهر هجومان داميان ضربا العاصمة العراقية بغداد مخلّفين العشرات من الضحايا بين قتلى وجرحى، مجدّدا حجم المعضلة الأمنية التي يواجهها العراق رغم المقدّرات المادية والبشرية الضخمة المرصودة للملف الأمني، لكنّ اعتبارات سياسية وعوائق إدارية تحول دون توظيفها بشكل ناجع في حماية أرواح الناس والحفاظ على ممتلكاتهم.

وأعلنت مصادر أمنية وطبية الثلاثاء مقتل ما لا يقلّ عن 27 شخصا وإصابة أكثر من مئة آخرين بجروح في هجومين منفصلين أحدهما انتحاري بسيارة مفخخة تبناه تنظيم داعش وآخر بسيارة مركونة استهدفا منطقة الكرادة وسط بغداد.

ونقل عن ضابط برتبة رائد في الشرطة العراقية قوله لوكالة فرانس برس إنّ 16 شخصا قتلوا وأصيب 75 بجروح في الهجوم الانتحاري الذي استهدف مدنيين عند محل لبيع المرطبات.

وتبنّى تنظيم داعش الهجوم على الكرادة ذات الغالبية الشيعية عبر بيان على شبكة الإنترنت، ناسبا العملية لانتحاري يدعى إياد العراقي.

وفي هجوم آخر وقع صباح الثلاثاء، قتل 11 شخصا وأصيب 35 على الأقل بجروح في انفجار سيارة مفخخة.

وحمل تبنّي تنظيم داعش للانفجار الأول تحدّيا واضحا من قبل التنظيم للجهد الحربي الكبير الموجّه ضدّه والذي أفضى إلى انتزاع أغلب الأراضي التي سيطر عليها صيف سنة 2014 وما بعدها، وانحسار سيطرته في جيوب صغيرة ومعزولة في كل من الجزء الغربي من مدينة الموصل مركز محافظة نينوى وفي تلعفر بالمحافظة ذاتها، وفي جزء من مدينة الشرقاط بمحافظة صلاح الدين، والحويجة بمحافظة كركوك وأقضية راوة وعانه والقائم بمحافظة الأنبار.

وتظهر مثل هذه الهجمات أنّ التنظيم سيواصل التواجد بالعراق بعد نهاية الحرب الجارية ضدّه، وتغيير أسلوبه من غزو المناطق وبسط السيطرة عليها إلى حرب العصابات والتخريب والتفجير لإيقاع أكبر قدر ممكن من الضحايا البشرية والخسائر المادية بهدف إرباك الوضع الأمني ومنع عودة الاستقرار.

كاظم الصيادي: يجب إسناد الملف الأمني للعاصمة بغداد إلى الحشد الشعبي

كما يظهر الاختراق المتكرّر لمناطق بالغة التحصين داخل العاصمة بغداد وجود ثغرات أمنية كبيرة، وعدم القدرة على تفادي نفس الأخطاء التي أدّت في أوقات سابقة إلى وقوع مجازر في مناطق معيّنة بشكل متكرّر.

وعلى سبيل المثال فقد تعرّضت منطقة الكرّادة التي استهدفها داعش فجر الثلاثاء، من قَبْل لسلسلة من التفجيرات أودت بحياة المئات من المدنيين، كان أكثرها دموية تفجير بشاحنة مفخّخة استهدف شارعا تجاريا أوائل يوليو 2016 وتجاوز عدد ضحاياه الـ300.

ويعزو عراقيون جانبا من فشل الأجهزة الأمنية ببلادهم لخضوع تلك الأجهزة لاعتبارات المحاصصة الحزبية والطائفية، وخضوع التعيينات فيها لاعتبارات المجاملة والترضية والمحسوبية.

ولدى إعادة بناء الأجهزة الأمنية العراقية بعد الغزو الأميركي سنة 2003 تم استبعاد الآلاف من الكفاءات بذريعة عملهم مع النظام السابق، وجيء بالآلاف من الأفراد بدلا منهم تم اختيارهم لاعتبارات حزبية وحتى طائفية وعُرف عدد من هؤلاء باسم “ضباط الدمج” وهم الضباط الذين أدمجوا بالمؤسسات الأمنية لمجرّد التعويض لهم أو مكافأتهم على وقوفهم ضد نظام حزب البعث.

وبالاستناد إلى مبدأ المحاصصة تختصّ الأحزاب والميليشيات الشيعية بحمل حقيبة وزارة الداخلية. وآخر من تولّى قيادة هذه الوزارة الحساسة عضوان في منظمة بدر، هما الوزير السابق محمد سالم الغبان الذي استقال بدفع من تداعيات تفجير الكرادة وما جرّه سقوط عدد كبير من الضحايا من غضب داخل الشارع الشيعي، ثم الوزير الحالي قاسم الأعرجي الذي لم يحدث تسلّمه للوزارة تحسّنا يذكر في الوضع الأمني بالبلد.

ورغم أنّ أصابع الاتهام بالمسؤولية عن الهجمات الدامية التي تشهدها مدن عراقية بين حين وآخر تتجه آليا إلى تنظيم داعش، لكن جهات سياسية عراقية لا تستثني وجود صلة لتلك المجازر بالصراعات الحادة بين أحزاب وميليشيات شيعية متنافسة على النفوذ، ولا يستبعد استخدامها للإرهاب لإرباك المشهد والانتقام من خصومها.

وكثيرا ما اتّهم عراقيون غاضبون من فقدان أفراد من أسرهم في تلك التفجيرات، الميليشيات بتعمّد فتح الطرق لداعش لاختراق أماكن محصّنة في بغداد للانتقام من المدنيين الذين يتظاهرون ضدّ قادتها.

ويصدر النقد للأجهزة أيضا من داخل العائلة السياسية الشيعية، في إطار التنافس على الفوز بالمناصب الهامة داخلها. ودعا النائب كاظم الصيادي عن كتلة دولة القانون بقيادة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، الثلاثاء، إلى إحالة جميع المسؤولين على المنظومة الأمنية في بغداد إلى المحاكم وعزل عناصرها، مطالبا بإلغاء قيادة عمليات بغداد وتسليم ملف أمن العاصمة للحشد الشعبي.

والحشد قوّة شبه عسكرية قوامها أكثر من مئة ألف مقاتل تنتمي غالبيتهم العظمى إلى الميليشيات الشيعية.

وبفعل مشاركته في الحرب على تنظيم داعش، امتلك الحشد قدرا كبيرا من القوّة وبات موضع اهتمام عدد من السياسيين لتوظيفه في السيطرة على مقاليد السلطة في البلاد.

وقال الصيادي لموقع السومرية الإخباري “يوما بعد يوم تثبت الحكومة فشلها وعجز صانعي القرار العراقي عن إيجاد أي حلول لمعالجة الانهيار الأمني غير المسبوق في بغداد”، مضيفا “منطقة الكرادة تتحول إلى مدينة موت ودمار وساحة لنشر الإرهاب والتحدي الداعشي وانهيار منظومة الأمن في بغداد”، لينتهي إلى ضرورة تسليم الملف الأمني ببغداد لميليشيات الحشد الشعبي.

3