هجمات بغداد.. مؤشر على إنهاك القوات العراقية

استطاع ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية أن يربك الجميع هذه الفترة عندما تمكن من التقدم في اتجاه الحزام الأمني للعاصمة العراقية بغداد واختراقه الخطوط الأمامية للقوات العسكرية والأمنية العراقية، وسيطرته المؤقتة على عدة نقاط يفترض أنها محاطة برقابة أمنية مشددة. ووضعت هذه العملية القوات الأمنية العسكرية العراقية في موقف حرج، لأنها كذبت الدعاية التي تروجها بأنها تكبد هذا التنظيم الإرهابي خسائر هامة، ومنحت داعش الفرصة ليبرهن أنه مازال يشكل تهديدا حقيقيا حتى بالنسبة إلى العاصمة التي يتم تأمينها بصفة خاصة مقارنة بغيرها من المحافظات.
الأربعاء 2016/03/02
العراق وداعش.. لملمة ما تبقى من الدولتين

بغداد – يقول بعض القادة العسكريين ومسؤول إقليمي إن الهجمات الدموية التي يشنها منذ شهور تنظيم الدولة الإسلامية على العاصمة العراقية وحولها قد تكون مؤشرا على أن القوات العراقية أنهكها انتشارها على مساحة كبيرة بعد ما حققته من انتصارات في الآونة الأخيرة واستردادها أراضي من التنظيم.

وكانت القوات العراقية المدعومة بغارات جوية تشنها طائرات تحالف دولي بقيادة أميركية قد استعادت مدينة بيجي الشمالية في أكتوبر الماضي والرمادي الواقعة على بعد 100 كيلومتر إلى الغرب من بغداد في نهاية العام الماضي، لكن القادة العسكريين قالوا إن تصميم الحكومة على التحرك لاسترداد مدينة الموصل معقل التنظيم في شمال البلاد هذا العام حال دون تعزيز المكاسب العسكرية التي تحققت على المشارف الشمالية والشرقية لمدينة الرمادي.

وقال القادة إن ذلك سمح لمقاتلي الدولة الإسلامية بإعادة التجمع والاستمرار في إرسال الأسلحة من عمق “دولة الخلافة” إلى الفلوجة والكرمة غربي بغداد مباشرة اللتين قال مسؤولون أمنيون إن منفذي الهجمات التي وقعت يوم الأحد انطلقوا منهما.

أمن العاصمة

أسفر هجوم انتحاري مزدوج نفذه أربعة انتحاريين بأحزمة ناسفة في حي مدينة الصدر في بغداد عن سقوط 78 قتيلا. كما أعلن تنظيم الدولة الإسلامية أنه كان وراء هجوم وقع على مواقع للشرطة والجيش في ضاحية أبو غريب الغربية أسفر عن مقتل 24 فردا من قوات الأمن من بينهم ضابطان كبيران في الجيش العراقي وخمسة عسكريين، وأتاح لمقاتلي التنظيم السيطرة على أكبر صومعة للحبوب في البلاد معظم ساعات اليوم.

وقال مسؤولون عراقيون ومتحدث باسم التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة إن الهجمات على بغداد تهدف، في المقام الأول، إلى رفع الحالة المعنوية لمقاتلي التنظيم بعد ما خسروه من أراض في الرمادي قبل شهرين.

القادة المحليون كانوا على حق في مخاوفهم بشأن الاحتفاظ بالأراضي التي تم استردادها في الآونة الأخيرة من تنظيم الدولة

لكن الهجمات أثارت تساؤلات عن الأمن في العاصمة التي يعيش فيها أربعة ملايين نسمة وقدرة الحكومة على خوض معركة الموصل هذا العام دون السماح للمناطق التي تم استردادها بالوقوع في أيدي التنظيم مرة أخرى. وتعد مدينة الفلوجة الواقعة على مسافة 50 كيلومترا إلى الغرب والتي تحاصرها القوات العراقية منذ أشهر أقرب مواقع الدولة الإسلامية لبغداد. وقال مسؤولون إن منفذي الهجمات التي وقعت الأحد تمكنوا من اختراق دفاعات الجيش في تلك المنطقة وفي محيط منطقة الكرمة.

وقال اثنان من ضباط الجيش العراقي يرابطان قرب الرمادي إن نقص القوات أدى إلى إبطاء تقدم الجيش بدرجة كبيرة في الضواحي الشمالية والشرقية للمدينة. وقد تم نشر معظم قوات مكافحة الإرهاب الخاصة التي كانت رأس الحربة في عملية استعادة المدينة في مواقع أخرى واستبدلت بها وحدات أقل كفاءة من الجيش والشرطة.

وقال ضابط برتبة عقيد من الفرقة التاسعة مستخدما اسما شائعا لتنظيم الدولة الإسلامية “بعد الاستيلاء على الرمادي خفتت العمليات العسكرية. وكان ذلك خطأ تكتيكيا لأنه أتاح لمقاتلي داعش الفرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة التجمع”. وأضاف “نحن بحاجة إلى المزيد من التعزيزات لسد الفجوة التي تركتها قوات مكافحة الإرهاب إذا كنا نريد الحفاظ على الزخم”.

كما انتقد العقيد قرار الحكومة بحشد المئات من الجنود هذا الشهر وإرسالهم إلى مخمور وهي قاعدة تقع جنوبي الموصل. وقال “كل جندي ضروري لتطهير جيوب داعش الباقية من المناطق الريفية حول الرمادي. وهذا ما أسميه تخبط تكتيكات الجيش”.

وقال فاضل أبو رغيف المحلل الأمني الذي يعمل في بغداد إن هجوما من جانب القوات العراقية استمر تسعة أشهر في الكرمة “لم يحقق أي نصر يستحق الذكر” ما سمح لمقاتلي الدولة الإسلامية هناك بشن هجوم على أبو غريب.

وقال المتحدث العسكري العراقي العميد يحيى رسول إن العراق لديه ما يكفي من القوات للعمليات على جبهات متعددة. وأضاف في حديث صحافي “نحن لن نهمل شيئا. كل شيء مخطط له. فهناك قيادة العمليات المشتركة ولجنة للتخطيط تضم ضباطا كبارا على مستوى عال من الكفاءة ونحن نعمل على وضع الخطط”.

تنظيم الدولة الإسلامية يرغب في الاستيلاء على القمح المخزن في الصومعة بأبو غريب لتغذية السكان في المناطق المحاصرة في الفلوجة والكرمة

ويقول فالح العيساوي نائب رئيس المجلس المحلي في محافظة الأنبار التي تقع فيها مدينتا الرمادي والفلوجة إن هجوم أبو غريب يجب أن يكون إنذارا للحكومة لمراجعة تأمين العاصمة. وأضاف “عندما يسيطر مقاتلو داعش على منطقة على بعد 15 دقيقة بالسيارة من بغداد فهذا يعني أن هناك أخطاء أمنية خطيرة تحتاج إلى معالجتها”.

وقبل 20 شهرا هدد تنظيم الدولة الإسلامية باجتياح بغداد خلال تقدمه عبر المناطق الشمالية والغربية من العراق بعد عبور الحدود السورية لكن العاصمة شهدت هدوءا نسبيا منذ ذلك الحين. وقالت السلطات هذه الأيام إنها تعيد تنظيم الحواجز الأمنية وتسد الثغرات في محيط بغداد في محاولة لمنع وقوع المزيد من هجمات المتشددين.

وفي هجوم أبو غريب قال مسؤولون أمنيون إن المسلحين تسللوا إلى المدينة من الكرمة والفلوجة باستخدام سيارات رباعية الدفع حتى يستطيعوا استخدام الطرق الترابية وتفادي اكتشافهم من قبل القوات العراقية. وبحلول مساء الأحد كانت القوات العراقية قد استعادت السيطرة تقريبا على أبو غريب بما في ذلك صومعة الحبوب ومقبرة تحصن بها مقاتلو الدولة الإسلامية لساعات.

خلايا نائمة

أشار العيساوي ومسؤول بوزارة التجارة إلى أن من دوافع الهجوم رغبة الدولة الإسلامية في الاستيلاء على القمح المخزن في الصومعة لتغذية السكان في المناطق المحاصرة في الفلوجة والكرمة، لكنهما أضافا أن المقاتلين لم يتمكنوا من أخذ مؤن قبل فرارهم. وقال فاضل المحمداوي الضابط في الجيش برتبة مقدم إن الجيش واصل، الاثنين، مطاردة المسلحين في المناطق الريفية حول أبو غريب ويتحرى وجود خلايا نائمة يشتبه في مشاركتها في الهجمات.

وقال شاهدان، الاثنين، إن الدولة الإسلامية عرضت جثث 12 جنديا عراقيا في شوارع الكرمة في الصندوق الخلفي لشاحنة “بيك أب”.

وأظهرت صور تداولها أنصار الدولة الإسلامية عبر الإنترنت عدة جثث بالزي العسكري في خلفية شاحنة “بيك أب” بيضاء غطتها الأوحال، بالإضافة إلى عربات همفي وشاحنات تابعة للجيش قيل إنه تم الاستيلاء عليها في هجمات الأحد، ولم يتم التحقق من صحة الصور أو رواية الشاهدين.

من دوافع الهجوم رغبة داعش في الاستيلاء على القمح المخزن في الصومعة لتغذية السكان في المناطق المحاصرة

وقال الكولونيل كريستوفر جارفر الضابط بالجيش الأميركي والمتحدث باسم التحالف إن القادة المحليين كانوا على حق في مخاوفهم بشأن الاحتفاظ بالأراضي التي تم استردادها في الآونة الأخيرة من تنظيم الدولة الإسلامية، لكنه أضاف أن التخطيط يأخذ مثل هذه المخاوف في الاعتبار.

وتابع أن التحالف قام حتى الآن بتدريب حوالي 2000 شرطي من الأنبار حتى يكونوا القوة الرئيسية في الرمادي. وقال جارفر إن التشكيل الذي هاجم أبو غريب لم يكن “كبيرا بصفة خاصة” ويظهر أن التحالف والعراقيين يحققون نجاحا في منع تنظيم الدولة الإسلامية من تنفيذ عمليات كبرى للتزود بالمؤن والمناورة.

وقال “لا يمكنك قط إحكام السيطرة بحيث لا يمكن لشخص مدرب تدريبا جيدا الدخول إلى منطقة والخروج منها”، لكنه أضاف أن الجيش العراقي “يحافظ الآن على مواقعه وحتى إذا تراجع تكتيكيا كما شهدنا في بعض المرات فهو يعاود استرداد الأرض”.

وقال جارفر إن تحديد أفضل السبل لتعبئة الموارد المحدودة والتقدم صوب الموصل أمر متروك للحكومة العراقية.

وعموما فقد نجح التنظيم في توجيه رسالة قاسية وواضحة وبمعطيات عملية للأجهزة الأمنية والعسكرية العراقية، مفادها أنه قادر على كسر الحزام الأمني المحيط بالعاصمة بغداد، وعلى مباغتة هذه الأجهزة وإحراجها رغم إمكانياتها وحديثها المستمر عن نجاعة الحماية التي تم إرساؤها حول محيط بغداد.

ولعل هذه الرجة المباغتة ستكون بمثابة المنبه الموجه للقيادات في بغداد حتى تعي مدى خطورة الوضع الأمني في البلاد، وأن بغداد ليست استثناء عن غيرها من المحافظات في ذلك، ومن ثمة على القيادات مراجعة خططها.

6