هجمات طالبان نكسة لاستراتيجية ترامب الجديدة في أفغانستان

هجوم طالبان الجديد يشكل انتكاسة كبيرة للرئيس الأفغاني أشرف غني الساعي لتحريك مفاوضات السلام مع طالبان، وكذلك للبنتاغون الذي يؤكد بانتظام أن الأوضاع تتحسن.
الاثنين 2018/08/20
الإرهابيون يستعرضون قواهم
 

لم تتمكن الاستراتيجية الأميركية التي أعلن عنها دونالد ترامب العام الماضي من تحقيق سيطرة أمنية تامة تنهي أعمال عنف طالبان حيث جددت الحركة الإرهابية هجماتها على مدينة غزنة بأعنف هجوم تكتيكي تنفذه طالبان، كشف مدى هشاشة حكومة أشرف غني وعجزها الواضح عن منع هجمات على نطاق كبير من جهة والحاجة إلى مراجعة الخطة الأميركية من جهة أخرى.

واشنطن- تجتاح موجة من أعمال العنف أفغانستان التي مزقتها 17 عاما من الحرب، لتحجب بصيص الأمل الضئيل بعد عام على إقرار استراتيجية الرئيس الأميركي دونالد ترامب الجديدة.

ويشكل كل هجوم جديد انتكاسة كبيرة للرئيس الأفغاني أشرف غني الساعي لتحريك مفاوضات السلام مع طالبان، وكذلك للبنتاغون الذي يؤكد بانتظام أن الأوضاع تتحسن أخيرا في أفغانستان. وشنت حركة طالبان وتنظيم الدولة الإسلامية في الأيام الأخيرة سلسلة من الهجمات الدامية، ولا سيما عملية انتحارية استهدفت مدرسة في حي شيعي بكابول أوقعت 37 قتيلا على الأقل وتبناها تنظيم الدولة الإسلامية.

وقبل ذلك بأيام، شن عناصر من طالبان هجوما على مدينة غزنة الاستراتيجية الواقعة على بعد ساعتين برا من كابول، لم يتمكن الجيش الأفغاني من رده إلا بعد يومين من المعارك بدعم جوي أميركي.

والهجوم على غزنة هو أعنف هجوم تكتيكي تنفذه طالبان منذ هدنة غير مسبوقة شهدها شهر يونيو، وتم بموجبها تعليق القتال بين طالبان والقوات الأفغانية، وسط ترحيب السكان الذين أنهكتهم المعارك. وغزنة هي ثاني عاصمة لولاية تجتاحها طالبان خلال أقل من ثلاثة أشهر بعد فاراه التي استعادها الجيش بسرعة في 15 مايو.

لكن ليس هذا ما كان يأمل ترامب في تحقيقه حين تخلى في 21 أغسطس 2017 عن “حدسه الأساسي بالانسحاب” ليضاعف عدد العسكريين الأميركيين في هذا البلد، ممدّدا بذلك إلى أجل غير مسمى أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة. ورحب الجنرالات الأميركيون بقرار ترامب، في حين لم يؤيدوا يوما طرح الرئيس السابق باراك أوباما بأن بإمكان الولايات المتحدة الانسحاب من أفغانستان دون ترك فراغ أمني فيها. وبعد بضعة أشهر، أعلن قائد قوات الحلف الأطلسي في أفغانستان الجنرال الأميركي جون نيكولسون أن الحرب “تخطت عتبة”، متوقعا أن تبسط الحكومة الأفغانية سيطرتها على 80 بالمئة من مواطنيها خلال عامين.

غراف

إلا أن تقريرا رسميا أميركيا كشف أن نسبة الأفغان في مناطق سيطرة السلطات لم تكن تتخطى 65 بالمئة في مايو الماضي، وأوضح بيل روجيو من معهد الدفاع عن الديمقراطيات للأبحاث “اجتزنا عددا كبيرا من العتبات في أفغانستان، إلى حد أننا كنا على الأرجح ندور في حلقة”، معتبرا أن “الوضع قلما يدعو إلى الارتياح”.

وقال متحدثا لفرانس برس إنه “دون وجود أميركي في أفغانستان، سنرى مناطق شاسعة من البلاد تنتقل بسرعة إلى سيطرة طالبان”.

ومن الأهداف الرئيسية لاستراتيجية ترامب إرغام طالبان على الجلوس على طاولة المفاوضات مع الحكومة الأفغانية. وتم التوصل فعلا إلى وقف إطلاق نار غير مسبوق استمر ثلاثة أيام بمناسبة عيد الفطر في يونيو الماضي، منح المدنيين هدنة قصيرة لالتقاط أنفاسهم وأثار آمالا في إمكانية إيجاد تسوية سياسية للنزاع، بعد 17 عاما على اعتداءات 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة.

وتخللت هذه الهدنة مشاهد تقارب ملفتة بين مقاتلين من طالبان وعناصر من قوات الأمن في القرى وحتى في قلب كابول، لكن طالبان لا تزال إلى الآن ترفض اليد التي مدها لها غني. وأفادت معلومات لم تؤكد رسميا بأن الموفدة الأميركية إلى جنوب آسيا أليس ويلز التقت مسؤولين من طالبان الشهر الماضي في قطر لبحث فرص عملية السلام في أفغانستان.

ويقول محللون إن المتمردين يعرضون قواهم مع تعرضهم للمزيد من الضغوط لإجراء مفاوضات مع الحكومة. وقال المحلل عبدالحميد سفوف إن سقوط القاعدة العسكرية والهجوم على غزنة يدلان على المصاعب التي تواجهها القوات الأفغانية في حربها مع المقاتلين في كل أنحاء البلاد. وأضاف أن مقاتلي “طالبان يعرفون هذا ويفتحون جبهات عدة مع القوات الأفغانية بهدف إنهاكها وإضعافها أمام هجماتهم المتنقلة”.

ونقلت رويترز عن مسؤولين أميركيين، أن الرئيس دونالد ترامب ألمح لشعوره بخيبة الأمل لعدم إحراز تقدم منذ إعلانه عن استراتيجيته في أغسطس 2017، والتي تقضي بإرسال مستشارين عسكريين ومدربين وقوات خاصة أميركية وزيادة الدعم الجوي لقوات الأمن الأفغانية، وذلك بهدف حمل طالبان على بدء محادثات سلام مع كابل.

ووفقا للوكالة، فإن العديد من المسؤولين الأميركيين الحاليين ومسؤولين ومستشارين سابقين على دراية مباشرة بالموقف أشاروا إلى أن البيت الأبيض لم يأمر رسميا بعد بهذه المراجعة، ولكنهم يستعدون لإجراء تقييم على مستوى الحكومة خلال الأشهر المقبلة.

وقال مسؤول أميركي كبير “تلقينا بعض الإشارات من البيت الأبيض تفيد بأن ترامب قد يطلب إجراء المراجعة خلال الأشهر القليلة المقبلة”، مضيفا أن المراجعة ستدرس كل أوجه الاستراتيجية الحالية، بما في ذلك التقدم الذي تم إحرازه ووجود القوات الأميركية واحتمالات إجراء مفاوضات مع طالبان، فضلا عن علاقات الولايات المتحدة مع باكستان التي يتهمها مسؤولون أميركيون بدعم التمرد.

طالبان لا تزال إلى الآن ترفض اليد التي مدها لها غني
طالبان لا تزال إلى الآن ترفض اليد التي مدها لها غني

وأجاز ترامب العام الماضي إرسال 3000 جندي إضافيين ليصل إجمالي عدد القوات الأميركية هناك إلى حوالي 15 ألفا. لكن بعد مرور عام تقريبا ما زال الموقف متأزما، ولا تبدو حركة طالبان خاسرة في المعركة، وتعزز وجودها في المناطق الريفية وإن كانت عاجزة عن السيطرة على مراكز رئيسية في الحضر.

وعلّق متحدث باسم مجلس الأمن القومي بالقول “نجري بانتظام مراجعات لاستراتيجياتنا لفحص فاعليتها وإدخال التعديلات اللازمة لضمان استخدام الموارد الأميركية بأكثر الطرق الممكنة فاعلية”.

واعتبر وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو خلال زيارة لكابول في يوليو أن هناك “أملا”، موضحا أن “العديد من عناصر طالبان أدركوا أنه لا يمكنهم الانتصار على الأرض، وهذا مرتبط مباشرة باستراتيجية الرئيس ترامب”.

من جانبه، شكر غني الولايات المتحدة معتبرا أن الاستراتيجية الجديدة “بدلت الوضع”. ويرى المحللون أن موجة العنف الجديدة تهدف إلى تمكين طالبان من الدخول في مفاوضات محتملة من موقع قوّة. وقال وزير الدفاع الأميركي جيم ماتيس الخميس “سبق أن شهدنا ذلك: متمردين يحاولون المزايدة قبل مفاوضات أو وقف إطلاق نار”.

غير أن ترامب يبدي رغم ذلك استياء حيال بطء التقدم. وذكرت شبكة “أن. بي. سي” التلفزيونية أن الرئيس الأميركي عاد يدرس فكرة تفويض المهام الأمنية في أفغانستان إلى إريك برينس شقيق وزيرة التربية بيتسي ديفوس ومؤسس شركة “بلاكووتر” الأمنية الخاصة التي تركت ذكريات مريرة في العراق.

وينتشر حاليا 14 ألف جندي أميركي في أفغانستان، حيث يشكلون القسم الأكبر من بعثة الحلف الأطلسي هناك.

ويقول مايكل ناغاتا وهو جنرال أميركي وقائد سابق لقيادة العمليات الخاصة المركزية في تقييمه لجهود واشنطن للقضاء على الإرهاب خلال السنوات 17 الماضية بعد أحداث 11 من سبتمبر نقله معهد واشنطن للدراسات، أن “عمليات تحديد الإرهابيين ومهاجمتهم وكشف مخططاتهم لاقت دعما سياسيا جوهريا واضحا. لكن لم تكن جميع محاولات تحديد مواقعهم أو مهاجمتهم ناجحة، وعلى الإدارة الأميركية التعلم من أخطائها والاستعداد لاستيعاب النكسات.

6