هجمة شرسة على اللغة العربية في تونس

الكتابة بالعامية ظاهرة تنتشر بتواطؤ مع بعض الناشرين وسط رواج ظاهرة نشر وترجمة روايات ودراسات فكرية أجنبية إلى الدارجة.
الخميس 2020/03/12
الدارجة لا تنفصل عن العربية (لوحة للفنان ساسان نصرانيا)

ظاهرة غريبة تنتشر مؤخرا في تونس هي ظاهرة الكتابة بالدارجة وترجمة أعمال فكرية وأدبية عديدة إلى الدارجة، والأمر يبدو في ظاهره انتصارا للقومية التونسية، لكن في باطنه جهل بالتاريخ وتزييف للحقائق.

اتضح الآن أن استعمال بعض القنوات التلفزيونية خطابا لغويّا هجينا في تونس لم يكن بريئا بالمرة، وإنما كان تمهيدا لفرض ما يسميه بعضهم بـ”اللوغة (كذا) التونسية”.

وراجت في الآونة الأخيرة ظاهرة نشر روايات بالعامية، يُستقبل أصحابها على البلاتوهات استقبال فطاحل الكتاب، وتنظم لهم حفلات التوقيع، وتُعقد حول بدعهم الندوات، وتُرفع أغلفتها في معلقات عصرية ضخمة على قارعة الطريق، لا تخطئها العين إن بليل أو نهار.

مغالطات تاريخية

أكثر من ذلك، قام بعضهم بترجمة روايات ودراسات فكرية أجنبية إلى العامية، ولم ينج من هذا العبث حتى دستور البلاد، بدعوى تمكين المواطن التونسي من الوصول إلى تلك العلامات المضيئة في الفكر الإنساني، بمصطلحاتها المعقدة التي حار الأكاديميون أنفسهم في فهمها وشرحها وإيجاد بديل لها في لغة الضاد. وهي مؤلفات تزعم التوجه إلى كل من هبّ ودبّ، متجاهلين أن هؤلاء الذين يهبّون ويدبّون لا يحسنون القراءة، وإن قرأوا اقتصروا على صفحات أصداء الرياضة والمحاكم.

أي أن تلك الأعمال ليست محاولات فردية للتعبير عما يشغلها، وإنما هي ظاهرة ما فتئت رقعتها تتسع بتواطؤ مع بعض الناشرين الذين يبحثون عن الربح السريع، وحتى الجهات الرسمية التي ساهمت في تسليط الضوء عليها في معرض الكتاب الدولي العامَ الماضي، وها أنها كشّرت عن أنيابها من خلال جمعية تأسست حديثا تدعى “دارجة”، تدعو صراحة إلى جعل العامية التونسية لغة قائمة الذات، وتدريسها منذ الصف الأول الابتدائي. جمعية يقول أصحابها “نِتكَلَّم ونخَمِّم تُونسِي… نحِبّ نِكتِب بالتُونسِي… لُوغِتنَا هِيَّ تشَكشِيكَه حلُوَّه… خَلطَه تُونسِيَّه مِزيَانه بَرشَا…” ويزعمون أن غايتهم “باش نورّيو قيمة لوغتنا ونرجّعولها بلاصتها إلّي تستحقها… باش نوصلو للبونتو متاعنا”.

وبصرف النظر عن المغالطات الكثيرة كالادّعاء بأن الدارجة التونسية هي التي حافظت وحدها على هويتنا وتاريخنا عبر العصور، فإن ما يشدّ الانتباه هو محاولة أصحاب هذا النهج البحثَ عن شرعية تاريخية، فيذكرون الصحف التي صدرت بالدارجة ما بين الحربين كـ”السَّرْدوك” (الديك) و”الفَرْزَزّو” (الزّنبور) و”الزّهرة”، ليبينوا أن ثمة من سبقهم من التونسيين في الكتابة بالعامية، ويتناسون الظروف التاريخية التي أوجدتها، فقد كانت بتدبير من السلطات الفرنسية الاستعمارية في حربها ضدّ شيوخ جامع الزيتونة المتمسكين بالهوية الدينية واللغوية.

ويستحضرون أيضا “جماعة تحت السّور”، والحال أن هؤلاء كتبوا الأزجال والأغاني والمسرحيات والتمثيليات الإذاعية كتعبير فني لا محالة، ولكن كوسيلة للاسترزاق أيضا، ولاسيما أنهم في عمومهم كانوا يعيشون حياة بوهيمية بأتمّ معنى الكلمة.

ولئن اكتفى بعضهم بتلك الأجناس فإن بعضهم الآخر جمع بين كتابتها بالعامية، وبين إبداع نصوص بالفصحى مثل علي الدوعاجي في القصة، ومصطفى خريّف في الشعر، إذ كانوا يدركون أن الأدب لا يمكن أن يصاغ كما تصاغ الأزجال والتمثيليات لأنها، إلا ما ندر، منطوقة ومسموعة، وليست مقروءة.

الداعون اليوم إلى تعميم الدارجة وتدريسها، والتوسل بها في فهم سائر حقول المعرفة، دافعهم أيديولوجي بحت

أما الداعون اليوم إلى تعميم الدارجة وتدريسها، والتوسل بها في فهم سائر حقول المعرفة، فدافعهم أيديولوجي، يلبي أمنية استعمارية قديمة لضرب الهوية العربية، فهم يكنّون عداء مكينا للغة العربية، لأنهم لا يتقنونها أصلا، ويجدون صعوبة حتى في تعمير الوثائق الإدارية البسيطة، بل لا يحسنون حتى التحدث بعامية التونسيين، بسبب غلبة اللسان الفرنسي على تكوينهم؛ ولأنهم أيضا يستصغرون موقعها أمام لغات عالم المعرفة، فلا يتخاطبون في ما بينهم إلا بلغة أجنبية، أو بخليط لا هو بالعربي ولا بالأعجمي، كقول رئيس الجمعية في حديثه عن مصنع به تقنيّون ومهندسون “أوزينة فيها التِّكْنِسْيانات وليزَنْجنيور”. والذين يقتنون مطبوعاتهم متفرنسون يتخاطبون في ما بينهم على المواقع الاجتماعية بلغة عامية ركيكة وبأحرف لاتينية يعوضون فيها بعض الأحرف بأرقام، ويعجزون عن كتابة جملة عربية سليمة.

يعادون العربية

المفارقة أن هؤلاء الذين يعتبرون العامية مكونا أساسيا من مكوّنات الهوية التونسية قبل مجيء الإسلام، ويسعون جهدهم لجعلها لغة تحتل موقعا متقدما في كل مجالات الحياة، يوهمون بأنهم لا يعادون العربية، وأن مسعاهم يتلخص في تدوين الدارجة ونقلها من المنطوق إلى المكتوب، وما يتبع ذلك من قواعد وقواميس، رغم أنهم يعترفون بأن العامية التونسية، كسائر اللهجات، متحولة لا ينفك معجمها يتغير، فضلا عن كونها قد تختلف من جهة إلى أخرى، ويختلف معها المعنى حدّ البذاءة.

ولا نعرف شعبا ترك لغة حيّة يرجع عهدها إلى غابر الأزمنة، ليختار بدلا عنها لهجة لا يقرّ لها قرار. والأمثلة التي تساق في هذه النقطة خاطئة، لأن الطليان اجتمعوا على لغة تختلف إن قليلا أو كثيرا عن لغتهم القديمة، فيما ألغى الفرنسيون استعمال كل اللهجات منذ نهاية القرن التاسع عشر، وفرضوا فرنسية جديدة متطورة، تختلف عن فرنسية القرون الوسطى.

ولعل أغرب ما سمعنا ممن تبنوا هذا الخط وألفوا بالعامية قولهم إن في ذلك انفتاحا على الآخر وليس تعصّبا للمحلية، ولا ندري كيف تنفتح لهجة محلية يختلف في فهم مفرداتها أبناء البلد الواحد على البلدان الأخرى، في وقت تجد فيه حتى الفصحى صعوبة في تخطي الحدود.

بقي أن نقول إن الجوائز التي رصدتها الجمعية حملت أسماء من تعتقد أنهم رموز للدارجة التونسية. الأول علي الدوعاجي، عرف أساسا كرائد للقصة التونسية، رغم أزجاله وتمثيلياته الإذاعية، ولا يمكن أن يكون طرفا في هذا التشويه.

الثاني عبدالعزيز العروي إعلامي ومسرحي قبل أن يصبح حكّاء ماهرا يشدّ الأسماع عبر موجات الإذاعة التونسية، ولكن بخلاف ما رسخ في الأذهان، لم يؤلف حكاياته التي تنسب إليه، بل استقاها كعادة الرواة من التراث العالمي والعربي الإسلامي وحتى من مراسلات بعض المستمعين والمستمِعات.

أما الثالث، الهادي البالغ، الأكاديمي الفرانكفوني فهو من ألدّ أعداء العربية، يتبنى مفهوم الأمة التونسية الذي حاول من خلاله بورقيبة فصل تونس عن محيطها الحضاري نكالة بالقوميين، ويؤمن بأن الدارجة لغة لها قاموسها، لأنه كما خبرناه، لا يتقن سواها، إلى جانب الفرنسية التي كان يدرسها.

في تعليق على رواية “الفينقة” (المقصلة) كتب أحد المعجبين “الأسلوب حاجة من ورا العقل… رواية فيها برشة أحداث وياسر طيارة!” هذه هي “اللوغة” التي يريدون إحلالها محل العربية، لتفتيت ما تبقى من جسد هذا الوطن.

15