"هجمة مرتدة" مصرية في قلب إرهاصات الفوضى الخلاقة

صراع مخابراتي خفي لمنع اختراق الدولة المدنية ونشر التطرف.
الأحد 2021/05/09
أحداث يخلدها التاريخ

يعتمد مسلسل "هجمة مرتدة"، الذي يدخل في نطاق دراما التشويق والإثارة والمأخوذ عن أحداث حقيقية، على ذكاء المتلقي في تحديد ملامح الشخصيات الحقيقية التي وقفت وراء عمليات الاختراق لمنظمات مشبوهة أو أخرى عملت على تنفيذ مخططات خارجية لنشر الفوضى والوصول إلى تفكيك الدولة وتقوية قوى متطرفة محسوبة على جماعات الإسلام السياسي.

يرصد مسلسل “هجمة مرتدة” المستوحى عن أحداث حقيقية روتها جهات سيادية في مصر تفاصيل ما جرى وراء الستار لأحداث متلاحقة ومتعلقة بإرهاصات الفوضى الخلاقة وصولا إلى ما عرف بـ”ثورات الربيع العربي”، حيث كانت المخابرات العامة المصرية في عين العاصفة أمام خيوط اللعبة التي تدار على أكثر من صعيد ومن أكثر من موقع.

ويتطرق المسلسل، الذي كتبه باهر دويدار وأخرجه أحمد علاء الديب، إلى مرحلة التهيئة لتلك الفوضى وما سمّي لاحقا بثورات الربيع العربي، حيث تعرض المجتمع للاختراق الإعلامي والجمعياتي، وتحركت حينها أطراف عدة لتغيير الواقع السياسي وفق مخطط تتداخل فيه مصالح قوى أغلبها كان يراهن على جماعة الإخوان لتكون رأس الحرب في التمرد على النظام.

كما يتناول كيفية تحوّل دول أوروبا الشرقية إلى مركز للاستقطاب والتجنيد والتدريب من خلال منظمات المجتمع المدني تحركها أجهزة مخابراتية دولية من بينها مؤسسة فريدوم هاوس الأميركية، التي كانت تعمل من صربيا ورومانيا وغيرهما على صناعة كوادر تقود الثورة المحتملة في المنطقة العربية وتدريبها.

وكانت تلك المنظمات تعمل على استدراج الشباب من التيارات المتشددة تحت شعارات مدنية زائفة ليكونوا في مقدمة الزاحفين نحو ما وصف بالتغيير السلمي، حيث شكلت حينها أكاديمية متخصصة لهذا الغرض أطلق عليها اسم “أكاديمية التغيير” تأسست في مارس من العام 2006 في لندن قبل تأسيس فرع لها في الدوحة في السادس من سبتمبر من العام 2009 وآخر في فيينا في الأول من مايو من العام 2010 ويديرها هشام مرسي زوج ابنة الداعية الإخواني يوسف القرضاوي، ذي الأصول المصرية والحاصل على الجنسية القطرية والمقيم في الدوحة منذ أوائل الستينات من القرن الماضي.

وعمل مسلسل “هجمة مرتدة” على فضح المخططات الجهنمية، التي وضعت منذ بداية العام 2007 وصولا إلى العام 2011 وما تلاه، لإثارة النعرات العرقية والطائفية ودعم التطرف واستغلال الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية الصعبة في الرفع من وتيرة الغضب الشعبي وخاصة الشبابي منه بهدف الإطاحة بالدولة الوطنية وتحويل أنقاضها إلى ساحة لملاعبة الإسلام السياسي بأجنحته المختلفة.

وكانت جماعة الإخوان المسلمين على رأس قوى الإسلام السياسي التي استعملت للسيطرة على المنطقة العربية ككل كجغرافيا ومقدرات وقرارات، وهو ما كانت تلاحقه المخابرات المصرية بشكل واضح حتى في ظل حكم الإخوان أنفسهم، لتتم الإطاحة بمشروعهم من خلال ثورة يونيو 2013.

مخطّط ممنهج

داليا زيادة: المسلسل حقا هجمة مرتدة سجل فيها رجال الظل أهدافا رائعة غيرت مجرى الأحداث
داليا زيادة: المسلسل حقا هجمة مرتدة سجل فيها رجال الظل أهدافا رائعة غيرت مجرى الأحداث

تشير كل التحركات التي يتطرق إليها مسلسل “هجمة مرتدة” إلى وجود مخطط لإحداث تحوّلات عميقة يهدف الواقفون وراءه إلى السيطرة على المنطقة والتحكم فيها بدوافع ترتبط بالواقع السياسي والصراع العربي الإسرائيلي والاكتشافات المحققة في غاز شرق المتوسط، إضافة إلى التمكين للإسلام السياسي والدفع به إلى صدارة المشهد لاحتواء الجماعات الإرهابية ضمن منظومة السلطة التي سيصل إليها.

وأبرز المسلسل في حلقاته الأولى الأدوار التي كان يقوم بها الإخوان والاشتراكيون وجماعة 6 أبريل، التي برزت عقب الإضراب العام الذي شهدته مصر في السادس من أبريل من العام 2008 بدعوة من عمال المحلة الكبرى، وكان يراد له أن يعم البلاد كافة بدعم من القوى المتحركة على الأرض ومنها جماعة الإخوان.

وقدم المسلسل نماذج من شخصيات كانت تعمل على إحداث التغيير المطلوب من بينها سعيد خليل مدير مركز “الجبرتي”، في إشارة إلى سعد الدين إبراهيم صاحب مركز “ابن خلدون”، والذي جسد دوره الفنان أحمد حلاوة، وضياء اليماني زعيم حزب المستقبل، في إشارة إلى أيمن نور زعيم حزب الغد، وقد قام بتجسيد شخصيته الفنان عبدالرحيم حسن، إلى جانب مراسل قناة الجزيرة القطرية الذي قام بأداء دوره الفنان محمود البزاوي، الذي يتجاوز دوره المهني الإعلامي إلى دور سياسي ومخابراتي يتولى من خلاله دعم المعارضة في الداخل وإرسال الناشطين إلى قطر للتدرب استعدادا لموجة الفوضى الخلاقة.

وبدا واضحا أن “هجمة مرتدة” مستوحى بالفعل من أحداث حقيقية روتها جهات سيادية للمؤلف دون أن تتبناها، وتم الاعتماد فيها على الرمز والإسقاط والاعتماد على ذكاء المتلقي في تحديد ملامح الشخصيات الحقيقية خصوصا وأن الأحداث تعتبر قريبة جدا بمقياس الزمن ولا تزال وثائقها الرسمية طي التحفظ الإداري ولم يحن بعد موعد السماح بتداولها.

وليس هناك ما يشير إلى أن أحداث المسلسل مأخوذة عن قصة حقيقية للمخابرات العامة المصرية، كما هو الشأن بالنسبة إلى تجارب سابقة منذ “دموع في عيون وقحة”، الذي تم إنتاجه في العام 1980 وهو قصة لمصطفى علي وسيناريو وحوار صالح مرسي وإخراج يحيى العلمي وبطولة عادل إمام ومعالي زايد، وما تلاه من أعمال درامية مثل “السقوط في بئر سبع” بطولة سعيد صالح، و”الحفار” بطولة حسين فهمي، و”الثعلب” بطولة نور الشريف، و”الصفعة” بطولة شريف منير وغيرها من المسلسلات.

ومع استثنائية التميز والانتشار لمسلسل “رأفت الهجان” بأجزائه الثلاثة، وهو قصة وسيناريو وحوار لصالح مرسي وإخراج يحيى العلمي وبطولة محمود عبدالعزيز، وكانت أغلب هذه الأعمال تشير في تتر المقدّمة إلى أنها من سجلات المخابرات، وهو ما لا نلاحظه في مقدّمة “هجمة مرتدة” رغم وجود تأكيدات على ذلك من قبل بعض وسائل الإعلام.

رجال الظل

Thumbnail

كان مسلسل “هجمة مرتدة” عند كتابته يحمل عنوان “أمن قومي” في إشارة إلى مضمونه المتصل بالصراع الذي اتسعت دائرته في المنطقة منذ احتلال العراق في العام 2003، وتشكل زاوية العمل على نشر الفوضى الخلاقة التي ظهرت كمصطلح في العام 2005 على لسان وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس.

وأفصحت الوزيرة الأميركية عن هذا المصطلح حينها في حديث صحافي مع صحيفة الواشنطن بوست مع إعلانها نية الولايات المتحدة لنشر الديمقراطية في العالم العربي والبدء بتشكيل ما يعرف بـ”الشرق الأوسط الجديد”.

وكان من الطبيعي أن تكون مصر على رأس الدول المستهدفة نظرا لطبيعة الموقع والمكانة والدور، وهو ما تلقفته الأجهزة السيادية المصرية وانطلقت في العمل على تفكيك منظومته في الداخل والخارج وفهم حيثيات المسعى والهدف من ورائه، وذلك انطلاقا من العراق الذي كان أولى ساحات المواجهة مع الإرهاب الحقيقي والإرهاب المصنّع للاختراق والدفع به نحو مناطق أخرى من المنطقة كانت سيناء واحدة منها.

ويظهر في الحلقات الأولى من مسلسل “هجمة مرتدة” دور العميل سيف العرب، الذي يؤديه الفنان أحمد عز، الذي يتحرك ضمن منظومة شكلها جهاز المخابرات المصري من داخل الأراضي العراقية.

كما تظهر شخصية دينا، التي قامت بدورها الفنانة هند صبري، وهي فتاة متفوقة في دراستها وذات قدرات عالية في الرصد والتقصّي، تم إرسالها إلى أوروبا الشرقية لاختراق منظمات المجتمع المدني التي كانت تعمل بالتعاون مع أجهزة مخابرات دولية إلى أن نالت ثقتها بعد اختبارات عدة، لتعود إلى القاهرة وقد كلفت بمهمة إدارة مكتب إقليمي لإحدى تلك المنظمات، حيث وجدت نفسها في مواجهة حقيقية مع النشطاء المحليين المرتبطين بالمشروع الفوضوي.

 أداء قوي في مسلسل استثنائي
 أداء قوي في مسلسل استثنائي

ورأى ناشطون أن هند صبري تجسد شخصية حقيقية في مسلسل “هجمة مرتدة” وهي شخصية داليا زيادة المدونة البارزة المتخصصة في قضايا حقوق الإنسان والحريات المدنية والشؤون المدنية والعسكرية والعلاقات الدولية منذ العام 2006.

وكان لزيادة دور في التغيير من خلال المجتمع المدني، واعتبرتها قناة “سي إن إن” الأميركية واحدة من ثمانية وكلاء للتغيير في الشرق الأوسط، ووصفتها مجلة “ذا ديلي بيست” بأنها واحدة من أكثر النساء شجاعة في العالم لمدة عامين على التوالي. كما تحدث عنها روبن رايت في كتابه “ضجيج القصبة: الغضب والتمرد في جميع أنحاء العالم الإسلامي”، وليلي إسكيلسن جارسيا في كتابها “غوغاء الرعاع: مقاتلون شجعان من أجل العدالة الاجتماعية”.

وتقول داليا زيادة عن المسلسل إنه “حقا هجمة مرتدة سجل فيها رجال الظل أهدافا رائعة غيرت مجرى الأحداث وصنعت تاريخا مشرفا سنفتخر به أمام أجيال كثيرة قادمة، هذه حقيقة”.

وأضافت “سواء كانت دينا هي تجسيد مباشر أو رمزي لشخصي، هذه مجرد تفصيلة صغيرة في ملحمة كبيرة قامت بها مؤسسة عظيمة هي المخابرات العامة المصرية، في فترة عصيبة مرت بوطننا، لم تغفل أعينهم فيها لحظة”.

وتابعت “لهذا أرجوكم أن لا ننشغل بهذا الجدل الهامشي حول شخصي، عن المتابعة والاستمتاع والفخر بالمسلسل الذي يوثّق بطولة المخابرات المصرية”.

وعملت داليا كمديرة تنفيذية في مركز ابن خلدون للدراسات الديمقراطية وكمديرة إقليمية لمنظمة المؤتمر الإسلامي الأميركي، وهي تتولى حاليا إدارة مركز دراسات الديمقراطية الحرة، بالإضافة إلى عضويتها في لجنة العلاقات الخارجية في المجلس القومي للمرأة في مصر.

7