هجوم الكرك..عبء أمني ثقيل يضاف إلى أزمة اقتصادية خانقة

الثلاثاء 2016/12/20
هجوم الكرك يذكي هواجس الأردنيين الأمنية

عمان ـ يبدو الهجوم الإرهابي الذي تعرضت له مدينة الكرك الواقعة جنوب الأردن يوم الأحد الماضي (120 كيلو متر عن عمان العاصمة) وقد وضع البلاد في عين العاصفة، بعد أن ظلت في منأى عن أي تهديد أمني جدي، طيلة السنوات الساخنة التي شبت فيها الحرائق شرقا في العراق، وجنوبا في سوريا.

وقد بدت شوارع العاصمة الأردنية صبيحة اليوم التالي للهجوم وقد خلت من أزمات السير المعتادة، في إشارة قد تعكس الوجوم الذي ساد المجتمع الأردني، الذي يبدو أنه لم يتوقع أن يشهد مثل هذا الحدث الاستثنائي، على الرغم من أن العام الحالي الذي يوشك على الرحيل، شهد عدة أحداث لها طابع مماثل، إلا أنها لم تكن بحجم هجوم الكرك.

فقد شهدت الأشهر القليلة الماضية بوابة قاعدة تدريب عسكرية في الجفر، جنوبي البلاد، هجوما استهدف قافلة من السيارات لعسكريين أميركيين ما أدى الى مقتل أربعة منهم، علاوة على ضابط أردني خامس، وفي حادث آخر هاجم مسلح أردني مركزا للمخابرات في مخيم البقعة القريب من عمان، وقتل 5 من عناصره، وقبيل هجوم الكرك، استشهد ضابط أردني فيما قتل سبعة مسلحين في اشتباكات، قيل أنهم أعضاء في خلية كانت تعد لعملية إرهابية في مدينة إربد، الواقعة في شمال البلاد.

ورغم أن أيا من التنظيمات المسلحة لم تعلن رسميا مسؤوليتها عن هذه الهجمات، إلا أن بصمات تنظيم داعش بدت شديدة الوضوح في تفاصيلها، وحتى بالنسبة لهجوم الكرك الأخير، فإن عددا من الحسابات التي أنشئت حديثا ليلة الهجوم، على موقع الرسائل القصيرة "تويتر"، حملت رموزا تدل على أنها لأشخاص من مؤيدي أو حتى إعلاميي التنظيم، حيث أشادت بالهجوم، وتوعدت بالمزيد، ولوحظ أن إدارة "توير" سرعان ما حذفت هذه الحسابات، بعد وقت قصير من إطلاقها عددا من "التغريدات" التي تحمل روح الخطاب الداعشي، ما يدل على أن هذا الهجوم ليس بعيدا عن أصابع "داعش" حتى ولو انتمت الخلية المسلحة التي قامت به إلى ظاهرة ما يسمى "الذئاب المنفردة" .

في البعد الأمني، يحمل هجوم الكرك، أكثر من تحذير، فهو من حيث الحجم، يختلف عما سبقه، فالحديث هنا يدور عن خلية لسجناء سابقين ينتمون للتيار التكفيري، كانت تعد وفق مصادر مطلعة لهجمات كبيرة في أكثر من منطقة.

وقد لعبت الصدفة المحضة، ويقظة المواطنين، دورا حاسما في إحباط مخطط لم تتكشف أبعاده بعد، إذ أمسكت السلطات المختصة حتى الساعة عن كشف كثير من التفاصيل الغامضة الخاصة بهذه الخلية، ولكن ما يسمى "إعلام المواطن" تولى عملية تفسير بعض المفاصل الهامة، حيث قال أحد مواطني بلدة القطرانة الواقعة جنوب المملكة، في فيديو تداوله ناشطون على شبكة الإنترنت، أنه سمع صوت انفجار في بيت يستأجره عدد من الشبان في البلدة، وحينما خف إلى البيت لاستطلاع ما يحدث، قيل له ان سبب الانفجار أنبوبة غاز، إلا أنه شك في الأمر، بعد أن شم رائحة بارود في البيت، ما دفعه لإبلاغ الأجهزة الأمنية، التي هرعت بدورها للمكان واقتحمته على الفور، وفي تلك اللحظة بوغتت بوابل من الرصاص أمطرته بها الخلية المسلحة، ومن هنا بدأت المواجهة، حيث فرت الخلية بعد أن قتلت رجل أمن، باتجاه الكرك، وأطلقت النار على كل ما واجهته في طريقها من دوريات لرجال الأمن، وصولا إلى قلعة الكرك الأثرية، حيث تحصنت هناك، إلى حين تصفيتها، من قبل رجال الأمن والمواطنين.

الأردن في عين العاصفة

وثمة اعتقاد كبير لدى المطبخ الأمني الأردني، أن جر الخلية المسلحة إلى مواجهة مبكرة وعشوائية إلى حد ما، جنب البلاد مخططا كان على جانب كبير من الخطورة، نظرا للعثور على أحزمة ناسفة ومتفجرات وأسلحة كانت في حوزة الخلية، ما يدل على أنها كانت تعد لارتكاب جرائم إرهابية مريعة، على غرار ما ارتكبته خلايا مماثلة من "قتل أعمى" في عواصم غربية. وبدا أن يقظة الموطنين، والتفافهم حول رجال الأمن، ساهم بفاعلية في إحباط مخططات الخلية، ما يدل على أن لدى المجتمع الأردني حصانة قوية، من الصعب اختراقها، فضلا عن المهنية الاحترافية العالية التي تتميز بها المنظومة الأمنية الأردنية.

ويرى كثيرون أن هجوم الكرك لن يكون الأخير، فثمة اعتقاد مبني على معلومات ميدانية وقرائن كثيرة، تفيد بوجود خلايا نائمة في البلاد، تتبنى الفكر التكفيري المتطرف، الذي وضع الأردن هدفا له، بعد إعلان البلاد انضمامها للتحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، ناهيك عن وجود ظاهرة "الذئب المنفرد" حيث يتوقع في كل لحظة أن تشهد البلاد حوادث مماثلة، وإن كانت التوقعات تشير إلى فرص نجاح متدنية لأي هجمات أخرى، بسبب يقظة المواطنين، وغياب الحاضنة البيئية، ورفض المجتمع للتطرف والإرهاب، وجاهزية الأجهزة الأمنية العالية، المتربصة بأي هجوم.

في البعد السياسي، خضعت الحكومة التي نالت ثقة عالية جدا من البرلمان الأردني (84 صوتا من 130) لامتحان عسير، حيث بدا أن هناك تقصيرا ملموسا في تعامل المستوى السياسي مع الحدث، خاصة في الجانب الإعلامي، حيث كانت شبكات الإعلام المجتمعي على شبكة الإنترنت هي المصدر الأساس للخبر، في ظل غياب شبه كامل للإعلام الرسمي، كما افتقد الموطنون حضور كبار المسؤولين (كوزير الداخلية) إلى ساحة الحدث، فضلا عن إخفاقات لوجستية، أطالت مدة مواجهة الخلية المسلحة، وربما تسببت في وقع مزيد من الضحايا، في صفوف العسكريين والمدنيين على حد سواء ( أدت العملية إلى مقتل أربعة مسلحين، واستشهاد سبعة من رجال الأمن ومدنيين اثنين، إضافة إلى سائحة كندية وإصابة 34 جريحا(. وقد تعرضت الحكومة لنقد مرير من نشطاء الإعلام المجتمعي وبعض كتاب الأعمدة، خاصة في الصحافة الإلكترونية، وصلت إلى حد المطالبة باستقالة وزير الداخلية المخضرم سلامة حماد.

يبدو المستقبل صعبا وقد يكون حافلا بالمفاجآت، فيما يخص الملفات الأمنية والسياسية، يزيدها تعقيدا تفاقم الأزمة الاقتصادية في البلاد، حيث بلغ الدين الأردني العام 35 مليار دولار، فيما تصل خدمته إلى حوالي ملياري دولار سنويا، وقد كشفت ميزانية العام المقبل التي أعلنتها حكومة الدكتور هاني الملقي عن عجز في حدود مليار ومائة مليون دولار، ويمثل الدين العام حوالي 93 بالمئة من إجمالي الناتج القومي العام.

1