هجوم بنقردان يعكس إصرار داعش على التمدد صوب تونس

أثبتت القوات العسكرية والأمنية التونسية جاهزيتها في التصدي لأيّ تهديد على الحدود وسط التفاف شعبي منقطع النظير، ولكن رغم ذلك يبقى الخطر قائما في ظل إصرار داعش على التمدد صوب البلاد.
الأحد 2016/03/13
حماة الديار

تونس - عكس الهجوم الأخير الذي شنه تنظيم الدولة الإسلامية على مدينة بنقردان التونسية على الحدود مع ليبيا، رغبة التنظيم المتطرف في إيجاد موطئ قدم له في تونس أسوة بمصر وليبيا وسوريا وغيرها من دول المنطقة.

وشن عشرات من عناصر تنظيم الدولة الإسلامية (تضاربت الأرقام بشأنهم) هجوما غير مسبوق على منشآت أمنية وعسكرية في وقت متزامن الاثنين ببنقردان، تمكن الجيش والأمن التونسيين من التصدي له خلال أقل من ساعات.

ونجحت القوات التونسية في القضاء على 49 إرهابيا وإلقاء القبض على 8 آخرين. وقتل خلال الهجوم 12 من قوات الأمن والجيش، وسبعة مدنيين.

وشكلت سرعة دحر المجموعة الإرهابية، التي يبدو أنها كانت تسعى لإقامة إمارة إسلامية في المدنية الحدودية، ضربة موجعة للتنظيم، وانتصارا معنويا كبيرا للجيش وأجهزة الأمن التونسية.

وكان الهجوم امتحانا عسيرا للجيش التونسي أمام مقاتلين منظّمين بعد هجمات سابقة هزت صناعة السياحة التي توفر حوالي نصف مليون فرصة عمل وتساهم بنسبة سبعة بالمئة من إجمالي الناتج المحلي الخام للبلاد.

ويبدو أن القوات التونسية استخلصت عدة دروس من أربع سنوات من الكرّ والفرّ وحرب بلا هوادة ضد مسلحين إسلاميين في مناطق جبلية محاذية للحدود الجزائرية، وأصبحت أكثر نضجا وجاهزية في التعامل مع أيّ هجمات متوقعة.

وقال المحلل الأمني علي الزرمديني “ما حصل في بنقردان هو فشل ذريع لداعش التي حاولت اعتماد المباغتة مثلما اعتمدتها في العراق لكن الجيش كان جاهزا وأصبح يمتاز بفاعلية كبرى نتيجة التنسيق مع الأمن وأيضا نتيجة التدريبات التي خضعت لها قواتنا على يد قوات بلدان لها خبرات كبرى”.

ويشرف فريق من العسكريين البريطانيين على تدريب القوات التونسية لمساعدته على ضبط الحدود. كما ينتظر أن يبدأ مدربون من الولايات المتحدة وألمانيا دورات للجيش التونسي لوضع نظام مراقبة إلكتروني للحدود.

وقال الزرمديني إنه رغم بعض الخلل الاستخباراتي في رصد المقاتلين الذين هاجموا بنقردان فإن جهاز الاستخبارات يتعافى بشكل تدريجي مستفيدا من التنسيق الكبير مع دول الجوار ومنها الجزائر ومع الدول الغربية.

وأضاف “قواتنا اليوم أصبحت مهيأة حتى نفسيا لخوض أيّ حرب بعد سنوات من الكرّ والفرّ مع مجموعات إرهابية في الجبال. وعملية بنقردان تثبت أن القوات التونسية أصبحت في منعطف جديد وعلى مستوى من الجاهزية غير مسبوق”.

ولقيت قوات الجيش والأمن مساندة قوية من قبل أهالي بنقردان حيث ساهموا في تعقّب المقاتلين ما بدا مؤشرا قويا على فشل رهان الجهاديين على الحاضنة الشعبية في المنطقة المعروفة بتدينها الوسطي ونبذها للعنف.

القوات التونسية استخلصت عدة دروس من أربع سنوات من الكر والفر وحرب بلا هوادة ضد مسلحين إسلاميين في مناطق جبلية محاذية للحدود الجزائرية

وأججت هجمات بنقردان غضب غالبية التونسيين على الحكومات التي تعاقبت على الحكم منذ انتفاضة يناير 2011 مشددين على أنه ما كان لتقوى شوكة الجهاديين في البلاد لو توفّرت إرادة سياسية قوية تحشد مختلف القوى السياسية والمدنية في إطار جبهة وطنية واحدة تسند الجهود العسكرية والأمنية.

وتشدد اتجاهات الرأي العام التونسي على أن تساهل الحكومات خلال السنوات الخمس الماضية، إضافة إلى انتشار الفكر الجهادي الدخيل عن التدين الوسطي للمجتمع، كثيرا ما ساعد الجهاديين على “استضعاف تونس دولة وشعبا”.

ويرى محللون أنه وعلى الرغم من هذا الانتصار المعنوي والالتفاف الشعبي.. ستبقى القوات التونسية محل امتحان متكرر على الأرجح في ظل إمكانية شن هجمات جديدة تحضّر في ليبيا وقد تنفذ في تونس.

فمعركة الاثنين الماضي تكشف مدى الخطر المحدق بالبلاد من طرف الجهاديين القادمين من سوريا والعراق وخصوصا من ليبيا والذين هددوا عدة مرات بنقل الحرب إلى بلدهم تونس.

ولا تزال السلطات التونسية تحقق بهجوم الاثنين الدامي لكن التفاصيل تشير إلى أن أغلب المهاجمين تونسيون ومن أبناء المنطقة مع آخرين تسللوا من ليبيا. وبدا واضحا أنه جرى تخزين أسلحة في عدة مخابئ بالمدينة قبل الهجوم بفترة.

وقال صبري بن صالح، وهو أحد سكان المدينة، “الإرهابيون من بنقردان. نحن نعرف ملامحهم. كانوا يعرفون بيت رئيس جهاز مكافحة الإرهاب والذي قتلوه أمام بيته. كانوا يقودون سيارة ممتلئة بالأسلحة لتوزيعها على عناصرهم”.

وتسعى السلطات التونسية لتحديد إن كان المقاتلون قد سافروا لسوريا أو العراق أو ليبيا سابقا، رغم أن وجود عدد كبير من المقاتلين المتطرفين والأسلحة بالأراضي التونسية ليس أمرا مفاجئا.

فبعد انتفاضة 2011 التي أطاحت بالرئيس السابق زين العابدين بن علي ظلت تونس تعاني انتشار التطرف الإسلامي والجماعات التكفيرية التي استغلت مناخ الحرية الجديد وغض الطرف عن أنشطتها خاصة خلال حكم الترويكا الذي قادته حركة النهضة الإخوانية، لاستقطاب وتجنيد المزيد من الشباب التونسي.

وتعتقد الجهات الرسمية في تونس أن حوالي ثـلاثة آلاف مـقاتل تونسي سافروا إلى سوريا للمشاركة في الحرب الدائرة هناك وأن جزءا كبيرا منهم عاد إلى ليـبيا بيـنما عـبرت أعداد كبـيرة من الجهاديين التونـسيين الحدود للانضمام لتنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا.

ويلعب كثير من المقاتلين التونسيين أدوارا قيادية في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا ويشرفون على معسكرات تدريب وقيادة قريبة من الحدود التونسية.

وحجم هجوم يوم الاثنين لم يسبق له مثيل في تونس.. فالمقاتلون كانوا منظمين ضمن مجموعات تحاصر المقرات الأمنية والعسكرية وكانوا يوزّعون الأسلحة لعناصرهم من سيارة متنقلة في المدينة التي يعرفون أرجاءها بشكل جيد.

ورغم أن تونس كسبت هذه الجولة ضد داعش إلا أنها لم تكسب الحرب، كما قال رئيس الوزراء التونسي الحبيب الصيد، وبناء عليه، لا بد للأجهزة التونسية من الاستعداد وتلافي بعض الأخطاء والثغرات الأمنية.

ودفعت تونس بالمزيد من الأسلحة الثقيلة على حدودها الجنوبية الشرقية بعد أن أظهرت هجمات بنقردان أن المنظومة الدفاعية التي ركزتها غير كافية لقطع الطريق أمام تسلل الجهاديين.

وتناقلت وسائل الإعلام التونسية السبت عن مصادر مطلعة أن السلطات دفعت خلال الأيام الثلاثة الماضية بالمزيد من القوات العسكرية والأمنية على حدودها مع ليبيا بشكل غير مسبوق برا بحرا وجوا.

وشملت التعزيزات استنفار آليات حربية ثقيلة من طائرات وراجمات صواريخ ودبابات ونشر بوارج بحرية في المياه الإقليمية.

2