هجوم دبلوماسي على حكومة الوفاق يكبل حركة السراج

عملية طوفان الكرامة تكسب دعما دوليا متصاعدا، والجيش الليبي لديه من الإمكانيات ما يسمح له بتدمير السفن المهربة للأسلحة والمعدات.
الأربعاء 2019/05/22
تنامي الدعم الدولي لإنهاء الفوضى

يتقلص رصيد رئيس حكومة الوفاق فايز السراح شيئا فشيئا لصالح الجيش الليبي وقائده خليفة حفتر الذي بات يحظى بالدعم الإقليمي والتأييد الدولي لعملية طوفان الكرامة لاستعادة السيطرة على طرابلس وإنهاء الانقسام وفوضى الميليشيات في خطوة ستؤدي إلى معالجة مواضيع وقضايا أخرى عالقة على غرار الهجرة غير الشرعية باتجاه أوروبا.

تزايدت التحركات السياسية التي يقوم بها المشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي، بالتوازي مع عملية تحرير طرابلس من قبضة المتطرفين والكتائب المسلحة والمرتزقة.

حقق كلاهما اختراقات ومكتسبات جديدة أقلقت حكومة الوفاق ورئيسها فايز السراج، وأضعفت موقف الجهات والقوى الداعمة له، والتي كان يعول عليها في تبني رؤيته لفرض نفوذ تيار الإسلام السياسي والمتعاونين معه.

ووصل عدد من مستشاري المشير خليفة حفتر إلى واشنطن مؤخرا، استعدادا لزيارة سيقوم بها قائد الجيش الليبي للولايات المتحدة قريبا لإجراء مباحثات مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أجرى اتصالا هاتفيا مع حفتر الشهر الماضي، ثمّن فيه دوره في مجال مكافحة الإرهاب وتفكيك تحالفات المتطرفين مع حكومة الوفاق.

وأكدت مصادر ليبية لـ“العرب” أن الدعم الرئاسي الأميركي للجيش الليبي سيستمر بالصورة التي تمكنه من القضاء تماما على نفوذ الإرهابيين، وفتح باب الأمل لتسوية سياسية تتجنب الأخطاء التي ارتكبها غسان سلامة رئيس البعثة الأممية في ليبيا، وانحيازها لفريق على حساب آخر، وتصميمها على فتح طرق جانبية لتمكين القوى الإسلامية بأي ثمن.

تأتي زيارة حفتر لواشنطن بعد أيام من زيارة قام بها إلى روما، ناقش فيها مع جوزيبي كونتي رئيس وزراء إيطاليا الكثير من القضايا السياسية والأمنية، وبعد زيارة منتظرة لباريس للقاء الرئيس إيمانويل ماكرون، بما يؤكد الرهانات الكبيرة على التوجهات التي يتبناها حفتر، وزيادة فرص تأييده كصمام أمان للاستقرار في الدولة الليبية ومحيطها الجغرافي.

فشل الوفاق

فشل في البحث عن الدعم الدولي
فشل في البحث عن الدعم الدولي

كشفت مسارات العملية العسكرية في طرابلس عن انفضاض الكثير من قادة الميليشيات عن المشاركة في المعارك، بعد أن تلقت كتائبهم ضربات قاصمة الأيام الماضية، وظهرت ملامح تذبذب وارتباك وابتعاد دوائر سياسية كانت مواقفها تمثل دعما لحكومة الوفاق فترة طويلة.

وأكدت جولة السراج الأوروبية الأخيرة أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل احتفظت لنفسها بمسافة بعيدة عنه، وأحجمت عن تقديم مساندة سياسية واضحة لحكومته. ولم يكن اللقاء مع تيريزا ماي رئيسة الحكومة البريطانية بالحرارة المتوقعة واتخذ طابعا روتينيا.

وتعزز موقف ماكرون في تحميل السراج فشل العملية السياسية والوصول لهذا المأزق. ناهيك عن تراجع جوزيبي كونتي عن تقديم دعم سياسي سخي لحكومة الوفاق، بعدما تأكدت روما أن دعم واشنطن اتجه بقوة ناحية حفتر، وهي إشارة تفرض التجاوب معها من جانب حلفاء الولايات المتحدة، وفي مقدمتهم روما.

زيارة حفتر إلى واشنطن تؤكد الرهانات الكبيرة على التوجهات التي يتبناها  وزيادة فرص تأييده كصمام أمان لاستقرار الدولة الليبية

وقال فتحي المجبر، نائب رئيس المجلس الرئاسي الليبي، لـ”العرب”، إن “السراج مُني بخيبة أمل كبيرة في جولته الأوروبية، وخطابه العام تخطاه الزمن، وسيحاسب على كل تجاوزاته في حق الشعب الليبي، والكفة تبتعد عنه بقوة حاليا، وأصبح على يقين أن المجتمع الدولي مصمم على تفكيك التحالف مع المتطرفين والكتائب المسلحة”.

ورفع المجبري رسالة إلى السكرتير العام للأمم المتحدة في 11 مايو الجاري، أشاد فيها بالدور الوطني للجيش الليبي، وشكى من تقاعس وهيمنة السراج وحكومته على مفاتيح القرار. وكشف محتوى الخطاب عن فساد وممارسات خاطئة ارتكبها الرجل من خلال تبديد أموال الشعب الليبي على الميليشيات والمرتزقة.

وأشار نائب رئيس المجلس الرئاسي إلى أن الشعب الليبي لن يتسامح مع التجاوزات التي ارتكبت، خاصة أن التطورات المتلاحقة فرضت على المجتمع الدولي تعديل موازين القوى لصالح المشير حفتر الأمر الذي أزال من طريقه الكثير من العقبات السياسية، مقابل انحسار في نفوذ السراج وعلاقاته الخارجية.

ووجهت لجنة الدفاع والأمن القومي في البرلمان الليبي في طبرق سلسلة من المخاطبات، مساء الاثنين، إلى كل من رئيس مجلس الأمن والبرلمان الأوروبي وجامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي، تؤكد وصول معدات وأسلحة إلى ليبيا بطرق غير مشروعة، ومقاتلين عبر تركيا يشاركون مع الميليشيات في معارك طرابلس، وأن الجيش الليبي تمكن بالفعل من تحرير 90 بالمئة من تراب ليبيا، وهو تحت حظر التسليح الدولي.

ضبط المعادلة

عملية “طوفان الكرامة” مستمرة
عملية “طوفان الكرامة” عن التخلص من كابوس الكتائب المسلحة

بدّد التقدم العسكري الذي أحرزه الجيش الليبي على جبهات الشرق والجنوب والغرب الكثير من المخاوف الناجمة عن التضخيم المتعمد لدور العصابات المسلحة في طرابلس. وقلّل من أهمية المساعي الرامية لحشر خليفة حفتر في زاوية صوّرت الأمر كأنه عدوان من الشرق على الغرب، متجاهلة أن القوام الرئيسي للجيش الليبي ينحدر من الغرب وأطياف متعددة، تمثل مكونات التركيبة الاجتماعية في ليبيا، ومن يسعون لتوسيع الشروخ يقبعون على رأس الأجسام السياسية التي أقرها اتفاق الصخيرات، وهي: الحكومة والمجلس الرئاسي ومجلس الدولة.

ويحاول حفتر ضبط المعادلة في اتجاه زيادة الحركة السياسية خلال المرحلة المقبلة، لتأكيد أنه الرجل القوي، وصاحب رؤية متكاملة لعبور البلاد الأزمة الراهنة، مستفيدا من الإخفاقات المتتالية التي يعاني منها خصومه، وتصاعد حدة الانتقادات الموجهة للحكومة، واتهامها صراحة بالتقاعس عن تنفيذ تفاهمات أبوظبي في فبراير الماضي، وكانت مدخلا صحيحا لتهدئة الأوضاع الأمنية في طرابلس بطريقة سلمية، وسعت لتقريب المسافات بين القوى الوطنية، ودخول الجيش طرابلس بهدوء.

يعزز التركيز على الخطوات السياسية الخارجية المعلومات التي ذهبت إلى أن المؤسسة العسكرية أصبحت تسيطر على غالبية الأراضي الليبية، ما يضع مناوئيها في مأزق، عقب إعلانهم عن عثرات جمة تواجهها القوات المسلحة، وبعد افتضاح أمر السفن المحمّلة بالمعدات التي تتدفق على موانئ مصراتة وطرابلس والخمس، وانكشاف أسرار الطائرات التي حملت إرهابيين من تركيا الفترة الماضية.

وكشفت المصادر لـ”العرب”، أن الجيش الليبي لديه من الإمكانيات ما يسمح له بتدمير السفن المهربة للأسلحة والمعدات قبل أن تطأ رصيف أيا من موانئ ليبيا، ومن القدرة بمكان على تدمير مطار الكلية الجوية في مصراتة الذي يستقبل الإرهابيين، لكن لم يلجأ إلى هذه الخطوة لإقامة الحجة على حكومة السراج وفضح علاقته بالقوى الداعمة للمتطرفين، وتضييق الخناق عليه أمام المجتمع الدولي، علاوة على أن الموانئ والمطارات من مقومات البنية الأساسية التي تؤول قريبا ملكيتها للشعب الليبي.

أدت هذه الأحداث إلى تراكم الشكوك في نوايا حكومة الوفاق، وفقدانها الكثير من ملامح المصداقية التي تشدقت بها، وأثبتت للعالم أن السراج يتحالف فعلا مع تنظيمات متطرفة ويستجلب مرتزقة ويصرف ببذخ من أموال الشعب، ويغلّب مصالحه الشخصية على الوطنية. وحصد المشير حفتر مكاسب سياسية كبيرة من وراء كل ذلك، دعمت رؤيته في الداخل، وعززت موقفه في الخارج.

ما بعد طوفان الكرامة

الاستنجاد بالميليشيات والمرتزقة يضعف حكومة الوفاق
الاستنجاد بالميليشيات والمرتزقة يضعف حكومة الوفاق

تحتاج العملية العسكرية بعض الوقت لاجتثاث جذور الإرهابيين، غير أن ذلك لن يحول دون زيادة التحركات السياسية والتفاهم مع قوى إقليمية ودولية عديدة، تمهيدا لإطلاق تسوية حقيقية تأخذ في حسبانها المستجدات، وما أفرزته عملية تحرير طرابلس من توازنات جديدة.

وينتظر المجتمع الدولي أن تسفر عملية “طوفان الكرامة” عن التخلص من كابوس الكتائب المسلحة بكل ما تنطوي عليه من تعقيدات وتشابكات، وإغلاق ملف التلويح بفتح باب الهجرة غير الشرعية على مصراعيه باتجاه أوروبا، ويجد البعض في خليفة حفتر المقومات اللازمة التي تمكنه من التعاون في مجال مكافحة الإرهاب ووأد طوفان الهجرة وقراءة المعطيات الدولية بطريقة تمكنه من عدم الصدام مع مصالح قوى كبرى، تنتظر أن تسد ليبيا النقص المتوقع من النفط في السوق العالمية، جراء تصاعد المواجهة مع إيران والتمسك بفرض عقوبات صارمة عليها.

7