هدايا الكشكول كاريكاتير من دفتر أحوال مصر

الأحد 2016/07/10
"الكشكول" الصحيفة الساخرة ولكن المنحازة للحكومة أولا

يعيد كتاب “الكشكول.. حكايات من دفتر أحوال مصر” لفنان الكاريكاتير والكاتب الصحافي أحمد عبدالنعيم قراءة التاريخ في الفترة من 1921 وحتى 1932 من خلال عرض وتحليل أهم الأحداث السياسية والفنية والاجتماعية التي تضمنتها رسومات مجلة الكشكول المصورة الكاريكاتيرية التي تعد الأشهر في تلك الفترة الزمنية ليؤكد كيف لعب الكاريكاتير دورا مؤثرا في الحراك السياسي المصري في فترة حرجة من تاريخها. أصدر “الكشكول” سليمان فوزي الذي كان وكيلا لشؤون الخديوي في 24 مايو 1921 محددا أهدافها “جريدة مصورة اجتماعية انتقادية تصدر يوم الجمعة من كل أسبوع”.

واتخذ سليمان للمجلة مقرا بشارع القاصد نمرة 20 بمصر “تليفون نمرة 3831” وجعل الاشتراكات عن سنة كاملة “100 قرش” ـ جنيها ـ و”60 قرشا” عن نصف السنة وللخارج 150 قرشا ـ جنيها ونصف الجنيه” وكانت المخابرة بشأن الاعلانات شركة النشر المصرية بشارع مظلوم باشا نمرة 14، وقد صدرت في بدايتها بعدد صفحات من 8 إلى 12 صفحة، وزاد العدد إلى 16 صفحة حتى وصلت إلى 32 صفحة في بداية ثلاثينات القرن العشرين، وتغير حجمها من القطع الكبير عند بداية الصدور ثم إلى حجم أصغر مع زيادة الصفحات.

تميزت المجلة وفقا للفنان أحمد عبدالنعيم بالأسلوب النقدي الساخر الذي وصل إلى حد التجريح لبعض الشخصيات، وكان للموقف الذي اتخذته عند صدورها هو الانحياز التام للحكومة وانتقاد حزب الوفد الذي اعتبرها جريدة حكومية وليست مجلة خاصة، واعتمد صاحبها سليمان فوزي هذا النهج في التحرير دون أيّ حيادية، وكان حزب الأحرار الدستوريين يساهم في تمويلها بدفع مبلغ قيمة عدد من النسخ يبلغ 1000 نسخة أسبوعيا إلى سليمان، واشترك في تحريرها إمام الساخرين في ذلك الوقت عبدالعزيز البشري، وظلت لا تحمل اسما في ترويستها بجانب اسم صاحب المجلة حتى تولّي حسين عثمان منصب رئيس التحرير ليتصدر اسمه الترويسة الرئيسية.

ويضيف عبدالنعيم “استمرت المجلة في سياستها النقدية لحزب الوفد وزعيمه سعد باشا زغلول ولم تخرج عن هذا السياق إلا مرة واحدة عندما تعرض سعد باشا لمحاولة اغتيال في يوليو 1924 ليتصدر مقال بعنوان “الاعتداء الفظيع” وفي نفس العدد تهنئه بالعيد المبارك والدعاء لسعد باشا بالشفاء وكتبت المجلة في 18/7/1924.

سليمان فوزي صاحب الكشكول

ويلفت عبدالنعيم إلى قلة المعلومات عن تاريخ وشخصية صاحب الكشكول في معظم الدوريات، ويقول “تكثر مشاكله ومعاركه اليومية على صفحات المجلات فهو دائم المشاكل بأسلوبه النقدي الجارح الذي يصل إلى حد التطاول والتجريح في الشخصية، وتنتقل إلى الأمور الشخصية، فهو لا يستخدم الأسلوب النقدي للشخصية العامة سياسيا، ولعل اعترافه المنشور بمجلة ‘الصرخة’ العدد 15 في 25 نوفمبر 1930 بتلقيه أموالا سرية من الحكومة لتبنّي وجهة نظرها والتعرض بالنقد الصارخ للمعارضة، مفتاح للتعرف عليه عن قرب. لكن يظل مع ذلك لغزاً محيرا.

يصف نفسه في مقالاته بالأديب الصحافي ويختلق المشاكل والقضايا وتبنى وجهة نظر وحيدة. ولم يذكره التاريخ بأيّ إنجاز صحافي سوى مطبوعة الكشكول المصورة، حتى صوره المتداولة عادة ما تكون كاريكاتيرا منشورا على صفحات ‘الصرخة’ مع مقال عن تلقيه المصروفات السرية، كما جاء بالمقال أو خبر الاعتداء عليه وعلى إدارة الكشكول بعد سلسلة المقالات التي نشرت في شخص قامة وطنية بحجم ووطنية سعد زغلول لصالح خصومه، وقد صدر عليه العديد من الأحكام والقضايا، وكان أشهرها قضيته مع أحمد زكي باشا الذي تناوله بالنقد والتجريح الصريح والمباشر، وخرج عن الإطار العام للنقد البناء، وقد حكم عليه بغرامه 30 جنيها ولكنه تقدم بالنقض نظرا لوفاة جدّته في منوف، وباعتباره الوحيد المتبقي من العائلة فقد رأت المحكمة قبول النقض فقط، وقد أورد حكم محكمة النقض بالكشكول بالعدد الصادر في 20 فبراير 1925.
"الكشكول" صدرت ولها أهدافها السياسة وانتهجت سياسة تحريرية واضحة في الهجوم المستمر والدائم على حزب الوفد والانحياز غير المبرر والدائم للحكومة حتى ليمكن في كثير من الأحيان وصفها بأنها الجريدة الرسمية للدولة

الأهداف سياسية

ويشير عبدالنعيم إلى أن “الكشكول” صدرت ولها أهدافها السياسة وانتهجت سياسة تحريرية واضحة في الهجوم المستمر والدائم على حزب الوفد والانحياز غير المبرر والدائم للحكومة حتى ليمكن في كثير من الأحيان وصفها بأنها الجريدة الرسمية للدولة، وتأكيدا لذلك لم يكن الخط النقدي في الجانب السياسي فقط ولكن في مختلف أبوابها التي شملت السياسة والاجتماع والفن والرياضة، فلم يسلم أيّ مجال من الأسلوب النقدي الساخر.

يبدأ العدد الأول من المجلة بغلاف ملون بريشة الأسباني سانتيس وبطن غلاف بإعلان كامل لتياترو برونتانيا الجديد، إدارة الحاج مصطفى حنفي، وقد استمر الإعلان يصدر على صفحة كاملة حتى افتتاح التياترو في 17 ديسمبر 1923 بمسرحية البرنسيسة تمثيل نجيب الريحاني وبديعة مصابني وأمين عطية وأبريز أستاني، وفي آخر الإعلان وبخط واضح كتب نظام جديد لتشريفات العائلات المصرية وبعد انتهاء فترة الإعلان ـ انتهاء عرض المسرحية ـ استغلت إدارة المجلة الصفحة بالكامل لمجموعة من الإعلانات لـ “بنك مصر ـ مكتب تجارب الأصبغة الكيماوية ـ سينما أمبير ـ الشربة الأمير كانية ـ إكسير فينوس”، واستغل الجوانب يمين الصفحة لتنبيه من إدارة المجلة بمندوبي المجلة في القطر المصري، كذلك الإعلان عن افتتاح القسم التجاري لمطابع الكشكول في يوليو 1926.

ومنذ افتتاح المجلة وحتى آخر عدد لم يختلف الغلاف ولا بطن الغلاف عما سبق، الكاريكاتير والإعلان أو مجموعة الإعلانات.. أما افتتاحية العدد والتي حملت عنوان باب ثابت “على مسرح السياسة” فلم يتغير توجهها إلا مرتين الأولى مقال يوم 14 أغسطس 1925 باسم “حديث مع جلالة فيصل الأول ملك العراق”، والثانية مقال بمناسبة الاحتفال بالسنة العاشرة لصدورها في 30 مايو 1930 ولم يكتف بإعلان التهنئة للقراء بل هاجم حزب الوفد، فهو لم يكن يترك مناسبة إلا وهاجم فيها حزب الوفد وهنا هاجم سعد باشا زغلول وكذا مصطفى باشا النحاس، بل ذكّر القراء بعدد القضايا التي تعرض لها ووصلت إلى 49 بلاغا في عام واحد.

تنوع الأبواب الثابتة

تنوعت أبواب المجلة وتعددت وأخذ البعض منها صفة الثبات مثل باب “على مسرح السياسة” وهو سلسلة من الأخبار التي تفتتح بها المجلة العدد بتوقع متفرج، والتي لا تسلم من الهجوم على الوفد أو تصفية الخلافات مع الخصوم والنقد الواضح للزملاء من الصحافيين وأحيانا إدارات الجرائد والمجلات الاخرى المنافسة، أيضا الباب الخاص بالبرلمان “في البرلمان” ويشمل تعليقات على جلسات مجلس الشيوخ والنواب وأحيانا يكون تصورات افتراضية لحوارات دارت داخل الجلسات، ومع تطور الطباعة تطورت بعض الأبواب، وقد رصد المؤلف الأبواب الثابتة التي استمرت لفترات طويلة بعض الشيء، ومنها “سمر الأسبوع”، “للحقيقة والتاريخ”، “تراجم”، “في المسارح والملاهي”، “فكاهات وفدية”، “صحيفة الألعاب الرياضية” وقد أضيفت في السنوات الأخيرة عقب تولى حسين عثمان رئاسة التحرير في ثلاثينات القرن الماضي، “كلام وردّ غطاه”، “في التياترو لمراسلنا الفني”، “النقد المسرحي” وغيرها.

وتوقف عبدالنعيم عند أبرز رسامي المجلة، فكان من بينهم:

أولا: الفنان الأسباني خوان سانتيس الذي شارك في المجلة منذ بدايتها في 1921 واستمر حتى أعدادها الأخيرة، وكان يرسم الغلاف وظهر الغلاف وصفحتين داخل المجلة بالألوان وأحيانا يستعان به في رسم بعض إعلانات المجلة بالأبيض والأسود.

ويعتبر سانتيس أبو الكاريكاتير العربي، عاشت أسرته بفرنسا وجاء إلى مصر بدعوه من الأمير يوسف كمال لتدريس مادة الحفر بمدرسة الفنون الجميلة “كلية الفنون الجميلة” وهو أستاذ متخصص امتازت أعماله في قدرته على الرسم والتصوير ورسم البورتريه “الصورة الشخصية”.

وتميزت ريشة سانتيس بالتزامها التام بما تقتضيه أصول التشكيل من تكوين ومراعاة للتناسب بين عناصر العمل الفني، ومراعاة لتوزيع المساحات اللونية بشكل يؤدي إلى إبراز الفكرة المطروحة بأحلى ما تكون وكانت طباعة الحجر السائدة وقتها تعطي ألوانا ناصعة ونقية بغير تداخل أو امتزاج يفقدها تأثيرها ورونقها وهو ما كان يوافق الذوق المصري وقتئذ. وكما هو متّبع في ذلك الوقت فإن الرسام لا يضع الفكرة، ولكنه عادة صاحب المجلة هو من يضعها أو يضعها مجموعة من المحررين، ويكتفي الفنان بمجرد الرسم حتى وإن لم يكن مقتنعا بها فليس غريبا أن تجد الفنان سانتيس يرسم غلافا يهاجم سعد باشا على صفحات مجلة الكشكول وفي نفس الأسبوع يرسم غلافا يمجد سعد باشا على غلاف مجلة روز اليوسف..

ريشة سانتيس تميزت بالتزامها التام بما تقتضيه أصول التشكيل من تكوين ومراعاة للتناسب بين عناصر العمل الفني، ومراعاة لتوزيع المساحات اللونية

ولكن الأمر قد لا يبدو غريبا، فالفنان ينفذ سياسة المجلة وليست فكرته أو قناعته الشخصية، وقد رسم سانتيس في العديد من الجرائد والمجلات ومنها مجلة روز اليوسف العدد 103 في 27 اكتوبر 1927 وهي نفس الفترة التي كان يرسم فيها في الكشكول رغم اختلاف سياسة كل مجلة تجاه حزب الوفد.. ورغم رسومه الساخرة لكنّها لم تهبط إلى الاسفاف أو الإهانة بل نراه يعلن التزامه بحدود آداب المخاطبة والعرض الجيد للفكرة، وذلك ما جعل سعد باشا يحرص على مطالعة رسومه رغم نقده لشخصه.

وقد أصدر مجلة جحا باللغة العربية وبعد فترة من العمل في مصر سافر في خمسينات القرن العشرين وحلّ محله الفنان زهدي وقد انقطعت أخباره ولم نعرف عنه الكثير بعد ذلك.

◄ ثانيا: محمود مختار( 10 مايو 1891 – 28 مارس 1934): لعلها من الجوانب التي لا يلقى عليها الضوء كثيرا في حياة رائد النحت المصري المثّال محمود مختار أنه بدأ عمله كرسام كاريكاتير محترف في بداية اشتغاله بالفن، وإن كانت بوادر التشكيل الساخر قد بدأت عنده في تصوير تمثال ابن البلد وبعض زملائه أثناء الدراسة، ونلمح فيها القدرة على المبالغة والتأثير الساخر للعمل التشكيلي.

رسم مختار الكاريكاتير بمجلة الكشكول في بداية 1922 وهي فتره الإنتاج الكاريكاتيري لمختار “1922 ـ 1928″ ولم يكن يوقّع باسمه بل يكتفي بالتوقيع بالحروف الأولى “م. م”، وكان من الطبيعي أن ينتهج سياسة المجلة في نقدها لسياسة حزب الوفد وانتقاد الوفد في شخص سعد باشا زغلول وتناول شخصيته في باب خاص باسم “زغاليلو” وكثيرا ما كان يستخدم مشتقات الاسم مثل زغاليلو أو الزغلوليات، وكلها صور نقدية لسعد باشا.. وربما تكون رسومه سبب القطيعة بينهما والتي استمرت لفترة حتى حدث اللقاء صدفة في فندق مينا هاوس، وتحدث فيها الزعيم سعد باشا عن تمثال نهضة مصر ومدى إنجازه والمعوقات في سبيل الإنجاز، وبعد هذا اللقاء الودي بينهما كانت زيارة سعد باشا لمرسم مختار حيث شاهد تمثاله الرائع “نهضة مصر” وبعدها حدث التحول في حياة مختار الرسام فلم يستطع الاستمرار في مجلة الكشكول المعادية لسعد باشا وتركها وتحمل الانتقادات على موقفه.

◄ ثالثا: محمد حسن وهو من الرواد الأوائل لمدرسة الفنون الجميلة سافر بعد تخرجه في بعثة إلى لندن وعاد عام 1919 حيث أسس مدرسة الصناعات الزخرفية مع مستر ستيوارس، وقدم بعض الرسوم الكاريكاتيرية لمجلة الكشكول المصورة لفترة ليست بالطويلة، حيث تركها إلى جريدة السياسة، ثم سافر إلى روما لدراسة الفن لمدة 4 سنوات.

◄ رابعا: محمد سعيد زاده، فأثناء البحث في صفحات المجلة وجدنا رسوما تحمل توقيع “زاده” مصاحبة لبعض الأبواب “على مسرح السياسة ـ في المرآة ـ دائرة المعارف الوفدية”، وبعد البحث عن اسم صاحبها وجدنا أنها تحمل اسم محمد سعيد زاده ولكننا لم نعرف أكثر من مجرد الاسم فلا توجد له أيّ رسومات منشورة في تلك الفترة، ونظن أنه قد يكون أحد الهواة ولم يستمر كثيرا مثل إيهاب خلوصي في مجلة “اللطائف المصورة” وخالد في مجلة “الفكاهة” وإن كان أسلوبه يحمل شبه التقليد دون أسلوب خاص متميز ولكن مع الأسف أننا لم نتعرف عليه ولم تكتب عنه الكشكول أيّ معلومات.

◄ خامسا: الفنان أحمد صبري ظهرت ريشته خلال السنة الأولى كرسام لغلاف المجلة وبعد انقضاء العام توقف.. والفنان أحمد صبري من الرعيل الأول لمدرسة الفنون الجميلة، التحق بها عام 1911 وبعد التخرج في عام 1916 التحق بأكاديمية باريس، وتخرج منها في عام 1919 ويعتبر رائد فن البورتريه في مصر، تتلمذ على يده الكثير من الفنانين كان من أشهرهم الفنان بيكار.

كاتب من مصر

14