هدر القيم الإنسانية خلاف أم اختلاف

الفضاء البرلماني ليس وحده الفضاء الذي يجب أن يضطلع بمهام تثقيفية وتربوية علاوة على مهماته التشريعية الأساسية، فجلّ ما تبثه وسائل الإعلام لا يخلو من مشاهد تحيد عن المسار التربوي للناشئة.
الأحد 2018/04/08
وسائل الإعلام يجب أن تضطلع بمهام تثقيفية وتربوية

من الأسئلة الحارقة التي تؤرق أولياء الأمور في العائلات والمجتمعات على اختلاف روافدها الفكرية والثقافية والحضارية، ما تتعلق بكيفية تجذير مختلف القيم الإنسانية النبيلة في معناها الشامل، ومن ذلك مثلا قيم الديمقراطية والحرية والتعايش السلمي والمواطنة وغيرها.

ما دفعني إلى التفكير في طرق هذا الموضوع ما يدور في المشهد السياسي والاجتماعي في تونس وينضح عن صراعات -وهي طبيعية إذا بقيت في إطار الاختلاف والاحترام المتبادل، والمثل على ذلك أحداث جدّت مؤخرا تحت قبة باردو، وهي الفضاء التشريعي للبرلمان التونسي (مجلس نواب الشعب)، والذي من المفروض أن تنبثق عنه ومنه جميع ما يهمّنا ويهمّ منظورينا من الأطفال والشباب، من قيم إنسانية.

الخلاف بين النوّاب جدّ حول موضوع تجديد عمل إحدى الهيئات وهي “هيئة الحقيقة والكرامة” والتي تعنى بمسار العدالة الانتقالية ما بعد الثورة، وقد أشعل فتيل حوارات حادّة تطورت في نسق تصاعدي، بدءا من التلاسن وإحداث الفوضى ووصولا إلى التشابك بالأيدي، فقد حضر العنف بصنفيه اللفظي والمادي.

صحيح أن مثل هذه المشاهد تتعاود باستمرار في أرجاء البرلمانات العالمية وربما في أكثرها تجذّرا وعراقة، ولكنها في نهاية المطاف ليست إلا وجها من وجوه مسرحية سيئة الإخراج ولا تمثل الاستثناء.

 فوسائل الإعلام العمومي والخاص على حدّ السواء، من واجبها أن تعاضد المجهود الأسري في ما يتعلق بالمناحي التي تمسّ مجال التربية والتثقيف، بل أضحت وسائط فاعلة في التعلّم. وبناء عليه فقد ساهمت في تخلخل أسس هذه التربية وأصولها بعرض حوادث العنف في الفضاء البرلماني والذي من المفترض أن يحتضن “نخبة” مهمتها إعلاء القانون بما يدعم القيم الإنسانية كحقوق الإنسان والديمقراطية والحرية ولعل كل هذه المبادئ تفقد جدارتها في ظل سوء إدارة الحوار خارج أطر الاحترام والنظام.

الفضاء البرلماني ليس وحده الفضاء الذي يجب أن يضطلع بمهام تثقيفية وتربوية علاوة على مهماته التشريعية الأساسية، فجلّ ما تبثه وسائل الإعلام لا يخلو من مشاهد تحيد عن المسار التربوي للناشئة، ففي البرامج الحوارية والتي تتناول أساسا المواضيع التي تثير جدلا واختلافا للرؤى بين مؤيّد ومعارض ومعدّل، يتصاعد توتّر المتحاورين ونرى في الكثير من الأحيان تدنيّا لمستوى الخطاب الذي يصل إلى حدّ السبّ والشتم والثلب والسخرية والاستهزاء.

كيف لنا أن نطلب من شبابنا أن يساهموا مساهمة فعّالة في بناء المستقبل ولا نعلّمهم كيفية التحاور وأدبياته؟

إن الأسرة ليست مصدر التربية والتثقيف الوحيد بل لا بدّ من معاضدة مجهوداتها من مختلف الهياكل والمؤسسات والفضاءات بأبعادها الاجتماعية والتعليمية والتشريعية والإدارية والاقتصادية والدينية وغيرها. فالانفتاح الذي أحدثته وسائل الإعلام التقليدية كالصحيفة والراديو والتلفزيون، وكذلك وسائط التواصل الاجتماعي ومواقعه ومنصاته المختلفة، جعل من عملية التثقيف في مستواه القيمي والأخلاقي عملية جماعية شديدة التعقيد وأي خلل تحدثه جهة ما تكون انعكاساته وخيمة إلى درجة يصبح معها المجهود الجماعي غير مجدٍ.

الدوائر الرقابية -وفق القوانين والتشريعات وليس من منطلق التسلّط وكتم الأصوات- فقدت جانبا مهمّا من نجاعة تدخلاتها من منطلق أن الجدال والحوار والسّجال من الأمور التي تقتضيها الممارسة الديمقراطية التي تستند أساسا إلى مبدأ الحرية، وهو أمر جيّد في إطار ترسيخ ثقافة الاختلاف، ولكن الاختلاف إذا ما وصل إلى مرحلة التصادم العنيف يصبح استهتارا وانزياحا كبيرا عن مفهوم الحرية نفسه، والشعار القديم المتجدّد “تقف حريّتك عندما تبدأ حرية الآخرين” يبقى ساري المفعول في كل الأزمنة والأوقات.

إذا كان أيّ مرفق عام لا يقوم بواجبه التربوي فلأنه انحاز إلى جهة أو موقف أو رؤية ما، ودوافع الانحياز كثيرة لعلنا نختزلها في أربعة مسارات؛ أولها الولاءات الحزبية غير المشروطة والتي تقود إلى التعصّب وهو سمة يتّسم بها من يسعون إلى ممارسة الإقصاء بكل أشكاله ومظاهره. وثانيها عدم المعرفة المتعمّقة لحيثيات المواضيع المطروحة على طاولة النقاش الذي ينمي لدى المحاجج صفات التشنج والغضب، فتغيب الحجة الدامغة، وينقلب حواره تهجّما واستنقاصا للطرف المقابل.

أما ثالثها فيتمثل في النرجسية التي تنتاب بعض المتحاورين، فلا مجال لديهم للاعتراف بالهزيمة أو القبول بالرأي المخالف ووجاهته وموضوعيته. وأخيرا رابعها وهو مسار يتّصل بتركيبة العقل وبنيته التي ترفض التشارك، وأصحاب هذا المسار يؤمنون بالهيمنة الأحادية وبالقيادة الواحدة ويرفضون منطق التكامل أو منطق التداول.

حادثة البرلمان يجب أن تفتح العيون على أمرين شديدي الأهمية؛ أولا على النخبة أن تزن خطابها في حواراتها وتأخذ بعين الاعتبار أن الشريحة الأكثر عددا والمكلّفة لاحقا -أخلاقيا وعمليا- بالتخطيط والتنفيذ للمسارات التنموية في جميع المجالات تتعلّم ويجب ألا نرسّخ لديها الممارسات العنيفة. وثانيا أن تساهم وسائل الإعلام على اختلافها في الدور التعليمي والتثقيفي بإيجابية فاعلة.

21