هدم الجدار الشعبي لمصر

الاثنين 2017/04/24

لا تزال الدولة المصرية مستهدفة من قبل دوائر كثيرة، وثمة جهات عدة في الداخل والخارج لا تريد لها مبارحة مربع الأزمات الذي تدور في فلكه منذ سنوات، فما إن تغادر أزمة سياسية أو أمنية أو اقتصادية، إلا وتدخل أخرى ربما تفوقها ضراوة. تتحمل المؤسسات الرسمية جانبا كبيرا من استمرار الإخفاقات، لكن هناك جماعات تغذي المسألة، وتسعى عبر أدوات مختلفة إلى عدم مغادرة مصر الخندق الغامض.

القضية لا علاقة لها بمؤامرة محبوكة من قبل جهة بعينها، فالجهات تتعدد ويبقى الهدف واحدا، لكي يظل النظام الحاكم في مربع العاجز الذي لا يستطيع تخطي العقبات، وقد يكون هناك تقدم ملموس على بعض الأصعدة، غير أن الصورة العامة توحي بالارتباك.

عملية الهدم المتعمد للجدار الشعبي، مرت بمراحل متنوعة، تتقدم أو تتأخر مرحلة عن أخرى أو حتى تتضافر معها، لكن في النهاية تبدو متكاملة لتحقيق هدف أصحابها، وهو أن تكون الدولة عاجزة تماما عن القيام بمهامها الطبيعية، ولفهم هذه المعادلة يمكن التوقف عند خمس مراحل تكشف وجود تخطيط منظم يصب في عدم التوقف عن عملية التجريف المعقدة.

المرحلة الأولى، يمكن التأصيل لها بحرق الكثير من المؤسسات الحكومية، خاصة المحاكم، لخلق فتنة بين المواطنين وضياع الحقوق وتصوير القضاة وكأنهم مكبلون بقيود مادية، ولن يتمكن القائمون على مؤسسة القضاء من القيام بدورهم والحكم بالبراءة أو الإدانة، بعد أن فقدوا أوراق الكثير من القضايا، وهو ما يفسر التركيز على تخريب المحاكم واستهداف العاملين فيها.

المرحلة الثانية، ركزت على جهازي الشرطة والجيش، تارة بحرق أقسام الشرطة وتهريب المجرمين والمحكوم عليهم في قضايا إرهاب للانتقام من الدولة، وأخرى بقتل ضباط وجنود الشرطة لإرهاب الآخرين، وإذا كان هؤلاء يتم اصطيادهم فكيف سيتولى هذا الجهاز الكبير حماية المواطنين؟

الحال يبدو متقاربا مع الجيش، فالتركيز على المقرات والمدرعات العسكرية في سيناء، ينطوي على رسالة مزدوجة، إحداهما الفتّ في جسم هذه المؤسسة العريقة، والأخرى غرس بذور الكراهية في صفوفها، وتأليب الناس عليها، وفي هذا السياق بدأت حملة منظمة لتصوير رجال الجيش بأنهم “جلادون بلا رحمة ويقتلون بلا وازع من ضمير”، مع ذلك لم تتحقق هذه النتيجة في الواقع، ولا تزال اللحمة باقية بين أبناء هذه المؤسسة الوطنية وقطاع كبير من المواطنين.

المرحلة الثالثة تتعلق بإيجاد أرضية مناسبة للفتنة الطائفية بين المسلمين والأقباط، بدأت معالمها مع فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة التابعين لجماعة الإخوان المسلمين في 14 أغسطس 2013، بعدها ظهر سيناريو حرق نحو 60 كنيسة في صعيد مصر، وتصاعدت العمليات المنظمة لقتل الأقباط بغرض فض تحالفهم مع النظام الحاكم وتنحية أهم ظهير شعبي له.

مع أن هذه العلميات فشلت ثم اختفت، إلا أنها عادت إلى الضوء مرة أخرى بعد أن بدأ التململ يظهر على وجه قطاع كبير من المسيحيين حيال النظام المصري، والامتعاض من بعض سياساته، فجرى تفجير كنيسة البطرسية بوسط القاهرة في ديسمبر الماضي، ثم تفجير كنيستي مار جرجس في طنطا والمرقسية في الإسكندرية في شمال مصر في 9 أبريل الجاري، ولم تؤدّ التفجيرات المتتالية إلى فتنة حقيقية بين المسلمين والأقباط.

المرحلة الرابعة، يمكن وصفها بمرحلة الشائعات، ولم تتوقف لحظة، وتكاد تكون العنصر المشترك الرئيس بين المراحل المختلفة، لكن حدتها تتزايد كلما خلت الساحة من البلبلة أو نجحت الحكومة المصرية في تحقيق إنجاز ملموس يلتف حوله المواطنون، كأن يتم تكرار الحديث عن المشروعات القومية باعتبارها “وهمية”، أو التضخيم من أضرار زيادة تحرير سعر الصرف، وعدم قدرة الحكومة على رد ودائع المواطنين في البنوك، وغير ذلك من المحاولات التي تندرج تحت بند الشائعات والتي طالت التشكيك في الاكتشافات الغازية في البحر المتوسط.

المرحلة الخامسة، تكمن في تعمد زيادة الغضب الشعبي، عبر إخفاء السلع الغذائية الأساسية أو بيعها بأسعار تفوق طاقة الغالبية من المواطنين، لحضهم على النقمة على الحكومة، التي تتحمل في نظرهم وزر عدم قدرتها على تلبية الاحتياجات، أملا في أن يخرج الغضب المكتوم في شكل احتجاجات وتظاهرات، ويخرق جدار الصمت، وتمت تجربة هذه الوصفة في مرات كثيرة، لكنها لم تحقق الهدف الكامل لأصحابها لأن عمليات الغضب من الحكومة لم تبتعد عن السيطرة.

يتكون القائمون بالانتقام والراغبون في الارتباك من جهات عدة، منها دول تريد تصفية الحسابات مع النظام الحاكم الذي أفشل جانبا من المخططات الإقليمية، ومنها دول من الخصوم يعتبرون الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي عقبة في الطريق، ويمكن أن يتحول نجاحه في مواجهة العواصف العاتية إلى سابقة إقليمية، ويتم اعتماده كبطل قومي، ويسعى إلى تمدد طموحاته السياسية لما يفوق الأمنيات المحلية.

وهناك جماعة الإخوان وحلفاؤها داخل التيار الإسلامي الواسع، الذين يريدون الانتقام من النظام المصري، والعمل على إسقاط رموزه، تحت وهم أو ذريعة العودة لاسترداد السلطة، وهؤلاء لعبوا دورا محوريا في جميع مراحل الترويج للغضب، خاصة أنهم أصبحوا على يقين من صعوبة الإقدام على مصالحة ضمن أطياف المجتمع الذي لفظهم وزاد غضبه عليهم بعد تكرار جرائمهم.

تتعاون مع هذا الفريق (بشكل غير مباشر) فئة من الفاسدين، سياسيا واقتصاديا وأمنيا، يريدون أن تطول حالة الارتباك، لكي لا تفيق الحكومة من كبوتها فتتجه إلى محاسبتهم وتطبيق سيف القانون على من تجاوزا وسرقوا خلال السنوات الماضية، لذلك فاستمرار التخبط وعدم توقف معاول الهدم من العوامل التي تضمن عدم الالتفات إليهم.

الفشل الذي صاحب الفرق المختلفة خلال السنوات الماضية، لا يعود إلى قوة مؤسسات الدولة أو ما يسمى بـ”الدولة العميقة” في محاربتهم فقط، لكن لأن من يقفون خلف رهانات الفرق المتعددة لم يستوعبوا الدرس، وتناسوا أن الغالبية العظمى من المواطنين يمكن أن تغضب من الحكومة ومن النظام، غير أنهم لن يعملوا من أجل إسقاط هياكل الدولة وهدم الجدار الشعبي الضامن للاستمرار.

كاتب مصري

9