هدم كهوف التخلف

الأحد 2015/02/01
لا بد من تحرير الأفكار

لم تختف المقولات النسوية لكنها فترت، وأحيانا استبدلت، لم تعد المسألة الحقوقية أمراً مطروحاً بإلحاح كالسابق أو بالشكل ذاته، على اعتبار أن المنجزات القائمة كافية، لكن الواقع يقول إنه، رغم كل ما تحقق، ظهر نكوص لا يستهان به، التهاون والتعاون مع فكر ما وضعنا لاحقا أمام غول «الإسلام السياسي»، علما أن الكتابة لن تحرك أيّ شيء إن لم تجد صداها في مشاريع البلاد، وتلقّي الناس لها، سواء بدعم حكومي، أو بجهود فردية ثريّة، صادقة، لا تبحث عن وجاهة.

كما أن الكتابة، أيضاً، تحفظ التاريخ خاصة المسكوت عنه، من ذلك أستذكر واقعة «حرق العباءة» في الكويت إعلانا لـ”حالة تمرد”، “رفض”، من قبل جيل الخمسينات في القرن الماضي، وذلك مع العصيان الذي أعلنته فتيات ثانوية الشويخ اللاتي كن من عائلات القمة، أدى تطور فكرهن ووعيهن إلى ارتكاب «الحرق»-«التصدي»، لزيّ هو موروث يخشى المجتمع المساس به، ومع ذلك تحدّين المجتمع، الذي كان أيضا قد تغذى على التعليم والاطلاع، لكن مَن مِن الجيل الحالي يدرك أهمية ذلك الفعل ومكتسباته اللاحقة؟

ما نراه حاليا أن الطّمر المستمر لتاريخ مسكوت عنه، يجعلنا لا ندرك الحادثة ولا مبرراتها ولا حتى حدوثها، وإن تصدت، أيضاً، القلّة لتناول “المخفيّ في المجتمع”، كمثقفات وكاتبات أبرزهن «ليلى العثمان»، لكننا نحتاج لكتابات لا تتوقف عن استخراج ما يحيط بـ”الإنسان” وما حوله من حلقات تُشكله، عن مجتمع بطرفيه، الرجل والمرأة، فرغم ما تحقق لكليهما، أحدثه منذ سنوات قليلة، متمثلا «بالحق السياسي للمرأة»، يجب الإيغال أكثر في الكتابة الكاشفة، في عمق النص، وليس في شكله الإبداعي فحسب، وكذلك في الكتابة الفكرية وغيرها من أنواع التعبير، وهذا يجعلنا أكثر فهماً لما كنّا عليه وما صرنا إليه، خاصة أننا في عالم «متعولم» بالاتصال والتكنولوجيا، نُمسّ جميعا بالتغييرات، بالثورات.

تخطيط: ساي سرحان

ولا مجال للنظر إلى الآخر بـ«تعالٍ» أو من وراء أفكار بالية وأحادية النظرة يمارسها العربي تجاه غيره، حتى مع العربي الآخر. فتأمّل المشهد المتحرك في فوضاه وتلاحق أحداثه، وصولا إلى نتائج رسَّخت سلطة «الإسلام السياسي» لا بد أن يعتبر أحد أهم أسبابه هو تهميش دور المثقف من قبل السلطة، والعمل على “عزله..”.

لذا فإن أغلب ما تمت كتابته، سواء من كاتبة أو كاتب، حتى الآن، لا يستبصر المستقبل أو يحلله، بقدر ما هو يقف متفرجا يرصد ما حدث، موثّقا ما وصلنا إليه دون تفكيكه في العمق، وإن ظهرت جرأة أكبر في تناول الشأن السياسي.

كما لا يخلو الأمر من نموذج ظاهر من الكاتبات إحداهن «نوال السعداوي» التي كانت ومازالت إحدى أبرز الشخصيات التي حاولت طرح أفكارها من دون مهادنة، رغم اختلافي مع بعض ما تعتنق، لكنها تواصل نقدها للمجتمع، للإنسان، للعالم، هي التي رأت، مثلا، أن «جورج بوش الابن وأسامة بن لادن توأمان ساهما معاً في تصاعد التيارات المتطرفة»، ففي جلّ كتاباتها تضع يدها على المفارقات، وعلى القبضات التي تنهال على المرأة والرجل عند محاولة التملص من السلطة أيّا كانت، «السعداوي» التي ترى أن «التعليم لدينا مبني على اليقين لا الشك»، وأن الثورة تحتاج إلى ثورات بلا نهاية، ليتحقق الوعي الاجتماعي والثقافي، تجبرنا في تحليلاتها على موافقها.

إن «الوعي الخلاق» هو ما نحتاجه، فعلا، ودائما في نصوص تبحث عن منطقتها ومنطقها، في عالم مشغول بتناقضاته، ما بين تطرف التعري، كما هو في حركة «فيمين»، والتي تراها حتى بعض النسويات الغربيات بأنها تسلّع جسد المرأة، حين تحصر القضايا بمقاييس ذكورية تتصل بكيان المرأة الجسدي فقط، أو الكتابات الإباحية التي تقدم الجسد في شكله الإغوائي، أو الخيالات الذكورية التي انفجرت في الروايات العربية أكثر فأكثر، وبابتذال لا يسعى إلى طرح قضية أو فكرة، بل سعيا لترويج أدب باهت، ورفع معدّلات البيع، وما بين تطرّف أفكار تمسخ وجود المرأة عبر تغطيتها التامة، كما نرى ذلك في أقصى تطرفه متمثلا في «البوركا» غطاء المرأة الأفغانية، والذي لم يمنع أفغانستان من اعتلاء قائمة أعلى الدول في التحرش الجنسي.

المطلوب كتابات يمكنها أن تزرع الألغام والأسئلة دون أن تنزلق في التكرار أو التطرف، كتابات تتساءل، تؤسس لعلاقات إنسانية ومجتمعية جديدة، ترفض ذكورية الأفكار، تهدم الكثير من كهوف التخلف وتصر على مساءلة السلطات أيّا كانت.


قاصة من الكويت

15