هدنة الجنوب طريق متعرج لتفاهمات أميركية روسية للحل في سوريا

بين طرف متشكك وآخر متفائل استقبل العالم خبر الاتفاق الذي توصل إليه الرئيسي الأميركي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين بشأن ترتيب الأوضاع في جنوب سوريا بما يحصر إيران ويمنعها من الاقتراب من الحدود السورية مع الأردن، ومن تشكيل أي تهديد لحدود سوريا مع إسرائيل عبر الجولان. وتلتقي موسكو مع طهران في دعم نظام الأسد، وسبق أن وقعتا في مايو الماضي، ومعهما أنقرة، التي تدعم فصائل معارضة، اتفاقا يقضي بإقامة أربع مناطق لخفض التصعيد وإعلان هدنة دائمة فيها. وبينما يرى المتفائلون أن الاتفاق الأميركي الروسي يمكن أن يحقق غايته في ما يتعلق بوقف التمدد الإيراني، إلى جانب التعاون ضد تنظيم الدولة الإسلامية، يشكك آخرون في إمكانية نجاحه، فيما تنتقده جهات ثالثة لاعتبار أنه اتفاق يخص المصالح الأميركية الروسية والإسرائيلية ويتعلق بالحرب ضد إيران وتنظيم الدولة الإسلامية أكثر من تركيزه على حل الأزمة في سوريا.
السبت 2017/07/15
الإصبع يشير إلى إيران

لندن - اتفقت الولايات المتحدة وروسيا والأردن على وقف لإطلاق النار و”خفض التصعيد” في جنوب غرب سوريا اعتبارا من الأحد 9 يوليو 2017 خلال اللقاء الذي جمع بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين على هامش قمة مجموعة العشرين في مدينة هامبورغ الألمانية.

يدعو هذا الاتفاق، حسب الإعلام الأميركي، إلى منع الميليشيات التي تدعمها إيران من التوسع الاستراتيجي في الأراضي السورية وتحديدا بمحاذاة حدود إسرائيل والأردن.

فائدة لأطراف عديدة

ذكرت مجلة فوررين بوليسي أن مذكرة التفاهم الموقعة حول مناطق تخفيف التوتر في جنوب سوريا، تؤسس لوقف إطلاق النار بين القوات السورية الحكومية وفصائل المعارضة المسلحة.

وتنص على تحويل مناطق جنوبي القنيطرة والسويداء إلى شريط مغلق أمام المقاتلين من أصول غير سورية، بمن فيهم العسكريون الإيرانيون وأنصارهم والمقاتلون المرتبطون بتنظيم القاعدة وتنظيم داعش.

ورأى المتابعون في اتفاق الهدنة خطوة إيجابية واستيعابا لفكرة أن لا مجال لأي تغيير أو حل في سوريا بعيدا عن تعاون بين واشنطن وموسكو.

واعتبروا أن الولايات المتحدة الطرف الرابح فيه، لأنه من جهة سيمنع الميليشيات التي تدعمها إيران من التوسع الاستراتيجي في الأراضي السورية وتحديدا بمحاذاة حدود إسرائيل والأردن، ومن جهة أخرى يجعل الأميركيين في نفس الصف، ولو نسبيا، مع الروس الذين يتمسكون إلى حد الآن بالأوراق الرابحة في الملف السوري، وإن كانت محصورة بالدور الإيراني.

أحمد عجاج: واشنطن تملك القدرة على الضغط لإبعاد طهران في حال لم تتجاوب موسكو

ويعتقد الكاتب والخبير في العلاقات الدولية أحمد عجاج أن التفكير الأميركي الحالي يتأسس على إيجاد مناطق عازلة تخفف من النفوذ الإيراني في سوريا. ويقول عجاج لـ”العرب”، “واشنطن تدرك أن إيران تغلغلت في سوريا إبان عهد أوباما، وأنه من الصعب إخراجها، لكن بالمقدور قطع تواصلها البري مع النظام السوري؛ وكذلك إبعادها عن حدود الأردن وإسرائيل”.

وبالمثل يخدم الاتفاق الروس لأنه يعزز أوراقهم في سوريا والمنطقة، حيث يلقى الاتفاق ترحيب الأردن وإسرائيل ويضعف النفوذ الإيراني في سوريا لصالحهم، كما هو وسيلة لفتح باب للتعاون بين واشنطن وموسكو في خضم علاقة معقدة زادت من تعقيدها تداعيات الاتهامات بتدخل روسيا في الانتخابات الأميركية.

وتعبّر عن أهمية هذا الاتفاق بالنسبة إلى روسيا آنا بورشفسكايا الباحثة في الشأن الروسي في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، بقولها “هذه الهدنة هي بالضبط ما يحتاج إليه بوتين لتأمين نظامه”.

ويرى المراقبون أن الاتفاق الأميركي الروسي يلبي رغبة الأردن في عدم من تواجد ميليشيات قد تسعى إلى زعزعة الأمن على حدودها ونفس الحال ينطبق على إسرائيل. يعتبر المحلل السياسي الأردني عامر السبايلة أن الاتفاق يتناسب مع رؤية الأردن بأن تكون رأس حربة في مواجهة الإرهاب واجتثاث تنظيم الدولة الإسلامية وفلوله لكن دون إغفال ضرورة عدم اقتراب أي تشكيل مسلح تابع لإيران نحو الحدود الأردنية.

ويقول السبايلة لـ“العرب”، إن “هذا التفاهم ضروري للجميع ويشكل نقطة مهمة يمكن البناء عليها مستقبلا كنموذج قابل للتطبيق في مناطق أخرى. الأردن بهذه الطريقة يضمن مصالحه ويعمل على تركيز جهوده نحو مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود وعملية إعادة الاستقرار للمناطق الجنوبية”.

ويرى الخبير العسكري السوري إبراهيم الجباوي أن هذا الاتفاق يخدم إسرائيل بالدرجة الأولى وهو السبب الذي جعل الرئيسين يتفقان إذا ما صحت التسريبات بأن الشرط المترافق مع وقف إطلاق النار هو إبعاد الميليشيات الإيرانية العراقية اللبنانية إلى مسافة أمان في الداخل السوري انطلاقا من حدود الجولان المحتل غربا ومثلها من ناحية الحدود الأردنية. ويعتبر الجباوي أن التفاهمات الأميركية الروسية مهمة جدا.

الدوما يصادق على تكثيف العمليات الجوية الروسية في سوريا
روسيا تضمن بقاء قواتها في سوريا حتى 2066
موسكو - صادق مجلس النواب الروسي (الدوما)، الجمعة 14 يوليو 2017، على البروتوكول الملحق بالاتفاقية المبرمة بين موسكو ونظام بشار الأسد حول نشر القوات الجوية الروسية في سوريا، بحسب ما ذكرته وسائل إعلام روسية.

وقال رئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس النواب، ليونيد سلوتسكي، في تصريحات صحافية، إن البروتوكول يحدد فترة مهمة القوات الجوية الروسية في سوريا لمدة 49 عاماً، مع إمكانية تمديدها 25 عاماً إضافياً.

وكانت لجنة مجلس الدوما للشؤون الخارجية أوصت، الإثنين الماضي، بالتصديق على البروتوكول الملحق بالاتفاقية الروسية-السورية حول نشر مجموعة القوات الجوية الروسية في سوريا.

ونقلت قناة روسيا اليوم عن نائب وزير الدفاع الروسي، نيقولاي بانكوف، قوله إن “إبرام هذه الوثيقة سوف يتيح لسلاح الجو الروسي إجراء عملياته في سوريا بصورة أكمل”.

وأضاف أن “دمشق أبلغت موسكو استكمال جميع الإجراءات التمهيدية المطلوبة لدخول البروتوكول حيز التنفيذ”.

وذكر بانكوف أن “التكلفة المقررة لتطبيق البروتوكول الذي تم التوقيع عليه بدمشق في يناير الماضي تبلغ 20 مليون روبل (336 ألف دولار) سنويا”.

قال ترامب في مقابلة مع قناة شبكة “سي بي إن” إنه يعتبر إقامة الهدنة في سوريا “مثالا هاما للنجاح”، الذي قد حققه في التعاون مع روسيا. وأضاف “أعتقد أن كان لدينا اجتماع رائع. شيء واحد قمنا به، لقد اتفقنا على هدنة في جزء مهم من سوريا، حيث كانت فوضى رهيبة وكان قتلا مروعا”.

ويرى الكاتب السعودي غازي الحارثي أن هناك جنوحا أميركيا وروسيا كبيرا لتعزيز وقف إطلاق النار والتركيز أكثر على القضاء على تنظيم داعش والتوجه في ما بعد للعملية التفاوضية. ويقول لـ“العرب”، “هذا قد يكون تعويضا وتسريعا للجهد الذي بذله الروس-المُنهكين- في أستانة وفشل في استراتيجية المفاوضات المؤدية لوقف إطلاق النار، ليسارعون الآن إلى استراتيجية وقف النار بالتعاون مع الجانب الأميركي بشكل يؤدي إلى المفاوضات. وكلا الطرفين يطمح من وراء ذلك تركيز جهوده ليضمن لنفسه الدور الأكبر في القضاء على داعش”.

ومرت أيام منذ إعلان الاتفاق، الذي لم يعلم المسؤولون في البنتاغون شيئا عن تفاصيله، رغم أن وزارة الدفاع ستكون المسؤولة على مراقبة تنفيذه إلى جانب الروس والأردنيين، و“الهدنة ثابتة”، حسب تعبير الرئيس الأميركي. لكن كثيرين لا يشاركون ترامب تفاؤله؛ فهناك شكوك تحوم حول مدى قدرة روسيا على الالتزام بهذا الاتفاق وإذا كان لها رغبة حقيقية في إنجاحه.

ونقلت فورين بوليسي عن جيرالد فيرستاين، الدبلوماسي الأميركي المخضرم الذي تقاعد العام الماضي 2017ـ تساؤله، “من الذي سيفرض تطبيق ذلك؟ هل ستتحمل روسيا مسؤولية إخبار إيران بما يجب فعله؟ الإيرانيون أقرب بكثير إلى موقف الأسد في سوريا من الروس”. وقد ردت إيران على اتفاق الهدنة من خلال وزير خارجيتها الذي قال إن بلاده “غير ملزمة باتفاق الهدنة الذي أعلنه الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والأميركي دونالد ترمب”.

وأكد المسؤول الإيراني إن بلاده لن تكون ضامنة للاتفاق وستستمر في التشاور مع موسكو بموجب التفاهمات التي تم التوصل إليها في محادثات أستانة الخاصة بالأزمة السورية. وقال إن إيران ستقبل بالهدنة في حال تم تعميمها على سائر الأراضي السورية، وتم دعم التفاهمات التي حصلت في أستانة حول مناطق خفض التوتر. وذلك في محاولة من إيران لانتزاع اعتراف رسمي وشرعية لها في سوريا من الجانب الأميركي مقابل موافقتها على الهدنة في جنوب البلاد. ويعتقد عامر السبايلة أن هناك تحديّا أمام روسيا في أن تكون ضامنة لنقطة منع اقتراب الفصائل والميليشيات الموالية أو التابعة لإيران. ويقول إن “هناك رغبة إسرائيلية في تأمين مناطق في الجولان والقنيطرة حتى لا تتحول إلى قواعد لوجستية لإيران وحزب الله وبالتالي ستمارس إسرائيل ضغوطا على الطرفين الأميركي والروسي لإبعاد إيران”.

عامر السبايلة: الاتفاق يتناسب مع رؤية الأردن بأن تكون الأولوية لمواجهة الإرهاب

فشل الروس من قبل في إقناع الميليشيات المدعومة من إيران أو النظام السوري باحترام “منطقة فك الاشتباك” التي أعلنها القادة الأميركيون بالقرب من نقاط تمركز الجيش الأميركي في جنوب شرق سوريا.

شكوك حول نجاح الاتفاق

على الرغم من أن ضباطا أميركيين أبلغوا نظراءهم الروس حول المنطقة المحيطة بالتنف، إلا أن الميليشيات المدعومة من إيران والطائرات المقاتلة السورية تجاهلت التحذير واتجهت نحو قوات العمليات الخاصة الأميركية وحلفائها السوريين.

لكن، هذه المرة يعتقد السبايلة أن الدوافع والظروف ستجعل روسيا تجتهد أكثر لتلزم إيران خصوصا أن دوائر الضغط الأميركية على طهران بدأت تتسع وتشمل مناطق أوسع وهناك سعي أميركي واضح لتجريد إيران من حلفائها في المنطقة. ويضيف السبايلة “لكن هذا لا يعني أن إيران يمكن أن تستجيب بسهولة للطلب الروسي خصوصا أنها قادرة على المناورة على جبهات أخرى. لكن هذه الضغوط والرغبة لإخراج إيران من سوريا دفعت إيران إلى تبني سيناريو استعراض القوة عبر إطلاق صاروخ موجه من الأراضي الإيرانية إلى سوريا في رسالة تعتبر واضحة”.

ويتوقع السبايلة أن تنجح روسيا في المرحلة الأولى باحتواء إيران؛ بينما يعتقد الجباوي أن إيران لن تلتزم بهذا الاتفاق لأنه لا يخدم مصالحها ومخططاتها الطائفية التوسعية وجرى أن إيران لم تلتزم سابقا بأي هدنة”. ويقول “نحن على يقين بأن روسيا غير قادرة على أن تكون ضامنة لإيران وحزب الله اللبناني حيث كثيرا ما خالفت الميليشيات أي ضمانة روسية سابقة ولا اعتقد أن ذلك بغفلة من روسيا بل بتنسيق معها أو أنه كان يجب على روسيا معاقبة من يخالفها من تلك الميليشيات التي تضمنها وهذا لم يحدث”.

ولتقوم واشنطن وموسكو بضمان تنفيذ الاتفاق عبر مراقبة الوضع الميداني، أعلن وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، أن هناك اتفاقا روسيا أميركيا أردنيا، حول تأسيس مركز في عمان لمراقبة الأوضاع في سوريا. واعتبر وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون أن واشنطن مستعدة للعمل مع موسكو من أجل وضع آليات مشتركة في سوريا مثل مناطق حظر جوي، معتبرا أن روسيا تتحمّل مسؤولية خاصة في التسوية السورية. ويبدو أن دول الخليج العربي مرتاحة لهذا الاتفاق لأنه يبعد إيران عن حدودهم الشمالية أن صح التعبير.

ويقول الكاتب السعودي غازي الحارثي “لا يبدو أن دول الخليج ستعارض أي اتفاق أميركي-روسي من هذا النوع بالرغم من صعوبة تنفيذه لكن قبل ذلك يجب أن يقدّم الروس ضمانات بأن لا يرتكب النظام أو إيران حماقات على حساب فصائل المعارضة المعتدلة”.

6