"هدنة" تمترس هش على خشبة المسرح

أيام قليلة مضت على إسدال ستائر مسرح الحمراء بدمشق، حيث اختتمت عروضه بمسرحية “هدنة” لمخرجها مأمون الخطيب وكاتبها عدنان الأزروني، ولعله بات لزاما علينا تقييم كل نشاط أو عمل فني يقدّم في سوريا من الناحية الإنسانية قبل الناحية الفنية. تحديدا وأن مخرج العرض يتبنى مقولة إن مهمة الفن هي أن يكرس نقاط الوفاق والالتقاء بين البشر، لا أن يكرس الخلاف والشقاق.
الجمعة 2015/06/05
الجوع إلى الحوار لا يستوي أمام لقمة العيش

بطل عرض مسرحية “هدنة” لمأمون الخطيب جندي من جيش النظام يحمل بندقيته ويقف خلف متراسه، يعيش هدنة مؤقتة يستحضر خلالها حياته العائلية وأحلامه ببناء بيت وهو المهندس المدني، وبالزواج من الفتاة التي يحبها والتي يقف عمها عائقا أمام زواجه منها، وما إلى ذلك من تفاصيل حياة أي شاب في أي مجتمع.

ومن بديهيات الأمور أن كلمة “هدنة” تحيلنا مباشرة إلى حالة الحرب، والهدنة تكون بين طرفين متحاربين لا بد من وجودهما سواء في الحياة أو على خشبة المسرح ليكتمل معناها، لكننا لا نتعرف خلال كامل العرض على الطرف المقابل للجندي النظامي إلاّ من خلال أزيز الرصاص الذي يطلقه الآخر، وبالتالي يتبين لنا أن مخرج العرض أصر على الرؤية بعين واحدة، مما يعطي انطباع الانحياز لطرف واحد بشكل صريح وواضح لا لبس فيه.

استعان المخرج بالعديد من الستائر البيضاء كبوابة تجتازها الشخصيات من عالمها، عالم مخيلة هذا الجندي وذاكرته إلى عالمه الواقعي -الآن هنا- على خشبة المسرح خلف متراس الحرب، وقد كان بإمكان المخرج أن يوفر ثمن هذا القماش الأبيض الناصع إلى حدّ الصدمة، وبدل أن يكلف نفسه جهد استحضار عالم الذاكرة وشخوصه بأمانيهم وأحلامهم، كان يكفي أن يفتح عينه الأخرى على المنزل أو العالم المقابل الذي يصوّب هذا الجندي سلاحه إليه.

العالم الآخر الذي يعتبره أقصى حلمه هو أن يبقى على قيد الحياة، لا أن يفكر في الحب والزواج، وأن يجد مكانا لدفن حبيبته التي قتلها هو أو رفيق له، لا أن يبني منزلا، عالم آخر جل حلمه أن يجد رغيف خبز يابسا يسكت به صراخ الأمعاء الخاوية لأطفاله.

لا بد من تذكير المخرج بأن من يرى من وجهة نظر واحدة لا يحق له أن يوصف فكيف له أن يوثق

قال مخرج العرض في أحد لقاءاته حول هذه المسرحية “الهدنة الأساس لديّ في العرض ليست هدنة السلاح، بل الهدنة مع الذات”، ويحق للمشاهد بدوره أن يقول إن الهدنة مع الذات لا تتطلب لباسا عسكريا وسلاحا ومتراسا للنظام الحاكم في سوريا.

الهدنة مع الذات جائزة لأي سوري في أية جغرافيا على أرض وطنه -في حال سمحت البراميل القاتلة الساقطة من السماء التي يحتلها طيران الأسد- بهذه الرفاهية، ومن حقه أن يتساءل ما نفع الهدنة مع الذات إن بقيت في قوقعتك المغلقة؟

مأمون الخطيب يعتبر أن الفن الحقيقي يولد خلال الأزمات السياسية الكبرى، ومن هذا المنطلق فهو ملتزم بالعمل على هم المواطن وكيف يفقد الشباب السوري أحلامه بسبب الحرب، -حسب تعبيره-، ويؤكد على أن المسرح مرآة المجتمع وعليه أن يلعب دورا توثيقيا وليس توصيفيا فقط.

لا بدّ من تذكيره بأن من يرى من وجهة نظر واحدة لا يحق له أن يوصّف فكيف له أن يوثّق؟ ومن لم يطرح في عرضه على خشبة المسرح سوريا إلاّ من خلف متراس النظام، بل واختصر أحلام وطن في حلم جندي ببناء بيت والزواج من حبيبته، عليه أن يعيد حساباته ويفتح زاوية رؤيته قليلا ليرى الجانب الآخر الذي تفنن النظام في قتله وتشريده واعتقاله وتجويعه لأكثر من أربع سنوات.

وقد أتت وسائل الإعلام التي قامت بتغطية العرض المسرحي “هدنة” ومعظمها وسائل إعلام النظام أو موالية له، أتت على التركيز بأن العمل مهدى إلى روح المسرحي سعدالله ونوس في ذكرى وفاته.

مأمون الخطيب يعتبر أن الفن الحقيقي يولد خلال الأزمات السياسية الكبرى، ومن هذا المنطلق فهو ملتزم بالعمل على هم المواطن

وأكد مخرج العرض خلال لقاءاته الكثيرة على كلام ونوس بأننا “محكومون بالأمل” وعلى عبارته “الجوع إلى الحوار”. أيّ أمل وأزيز الرصاص لا يهدأ وهدير الطائرات المحملة ببراميل الموت يصمّ الآذان؟ أيّ أمل وقد دمرت الحرب نصف منازل سوريا إن لم يكن أكثرها؟ ومن يحاور أحدنا إن كان لا يرى إلاّ ذاته؟ من يحاور ونصف الشعب السوري لاجئ ونازح؟ أيّ جوع إلى الحوار إزاء الجوع إلى اللقمة، أو الحاجة إلى حبة دواء وعلبة حليب أطفال دأب النظام على منعها عن المناطق الثائرة ضده منذ بداية انطلاق الثورة السورية؟

في لحظة مقحمة يأتي العرض على مواجهة بين بطل العرض الممثل يامن سليمان “هادي” -بكل ما أصبح لهذا الاسم من دلالة ومرجعية لدى المجتمع السوري- وبين عمّ الفتاة التي يحبها -والذي يصوره العرض كمانع للحياة وعائق للحب-.

اللحظة الوحيدة التي نرى فيها طرفا آخر، يكون هو هذا العم حاملا “إم 16” البندقية الأميركية في وجه غريمه “هادي” حامل الكلاشنيكوف الروسية، لحظة جاءت كاريكاتورية هزيلة لجهة توصيف الاقتتال بين أبناء البلد الواحد.

عمار (أسامة التيناوي) صديق هادي ابن مدينة دمشق وعاشق حاراتها القديمة الذي قُتل بسبب قذيفة مجهولة المصدر -حسب العرض- هو الشخصية الوحيدة الغريبة عن مرجعية عائلة الجندي وعائلة حبيبته.

ولا ضير، لو لم يكن وجوده ضمن العرض بنية لا أعتقد أنها نقية، فهو الصديق المقرب لجندي النظام وربما في هذا دلالة على ما يتحدث به جميع الموالين للنظام بأن أهل دمشق معه وضد هذا الحراك، بل ظهر عمار كالناطق باسم أهل دمشق/الشام من خلال مناشدته “للمهاجرين والفارين من سوريا” أن ارجعوا وحافظوا على بلدكم، وعمار يقف كغيره من الممثلين في نهاية العرض خلف متراس النظام.

17