هدنة روسية مترددة في الغوطة لإحراج المعارضة

واشنطن ترى أن موسكو تلعب دور مشعل الحريق ورجل الإطفاء في الآن ذاته، وباريس ترحب بالهدنة ولندن تلوح بتوجيه ضربة لدمشق.
الأربعاء 2018/02/28
محاولة لمجاراة النسق الروسي

دمشق - دخلت الهدنة الإنسانية القصيرة التي أعلنتها روسيا في الغوطة الشرقية الثلاثاء حيز التنفيذ وسط استمرار الانتهاكات من قبل النظام السوري، وعدم تسجيل خروج أي من المدنيين.

وتواصل قصف الطائرات الحربية السورية لمنطقة الغوطة، فيما اتهمت دمشق وموسكو مقاتلي المعارضة باستهداف مسار آمن للخروج من المنطقة.

والهدنة التي أعلنت عنها موسكو الاثنين والتي لا تتجاوز الخمس ساعات يوميا هي بمثابة انقلاب على القرار الأممي الذي تم التوصل إليه مساء السبت الماضي بعد مماطلات روسية، ويقضي بوقف كامل لإطلاق النار في سوريا لمدة ثلاثين يوما.

ويقول مراقبون إن الهدنة الروسية التي ترمي أساسا إلى إخراج المدنيين بهدف تخفيف الضغوط الدولية على نظام الرئيس بشار الأسد المتهم بارتكاب مجازر في المنطقة خلال الأيام الماضية وإحراج فصائل المعارضة، تعكس إصرار موسكو على المضي قدما في العملية العسكرية التي بدأت منذ 18 فبراير الجاري وأدت إلى مقتل أكثر من 560 مدنيا بينهم العشرات من الأطفال.

وقدم قائد القوات المركزية الأميركية جزيف فوتيل تشبيها يعكس واقع الحال ومفاده أن روسيا تلعب دور “مشعل الحريق ورجل الإطفاء في نفس الوقت”.

 

يستمر قصف النظام لمنطقة الغوطة الشرقية، رغم الهدنة التي أعلنتها موسكو والتي ينظر إليها على أنها مناورة الهدف منها ربح الوقت وأيضا تخفيف الضغوط الدولية على نظام الرئيس بشار الأسد، ولئن أبدت فرنسا تأييدا حذرا للهدنة بيد أن باقي القوى الدولية لا تزال تراقب الوضع دون إبداء موقف واضح.

وتعتبر الغوطة الواقعة على تخوم العاصمة دمشق أحد آخر معاقل المعارضة، وتشكل للطرفين المتنازعين أهمية كبرى: فالنظام السوري وحلفاؤه يرون فيها ثغرة أمنية كبرى تهدد العاصمة وتعطي انطباعا للداخل والخارج بأن نظام الأسد عاجز عن توفير الحماية للمركز وبالتالي وجب إنهاؤها، فيما ترى فصائل المعارضة أن فقدان هذه الرقعة الجغرافية سيعني خسارة ورقة ضغط مهمة جدا الأمر الذي من شأنه إضعاف موقفها التفاوضي.

ويسيطر جيش الإسلام المشارك في مباحثات أستانة وجنيف على أجزاء كبيرة من الغوطة وبدرجة أقل فيلق الرحمان وحركة أحرار الشام المحسوبان على قطر وتركيا، فيما جبهة فتح الشام (النصرة سابقا) والتي تتذرع موسكو بها لاستهداف المنطقة لا يتجاوز عدد عناصرها بضع مئات.

وفي محاول من الفصائل لقطع الطريق على “الهدنة الروسية” التي هي في واقع الأمر مناورة ذات أهداف مزدوجة، أعلنت فصائل جيش الإسلام وفيلق الرحمان وحركة أحرار الشام “الالتزام التام بإخراج مسلحي تنظيم هيئة تحرير الشام وجبهة النصرة والقاعدة وكل من ينتمي لهم وذويهم من الغوطة الشرقية لمدينة دمشق خلال 15 يوما من بدء دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ الفعلي”.

واقترحت الفصائل في بيان أن يتم ذلك “وفق آلية يتم الاتفاق عليها خلال الفترة نفسها وبالتعاون مع مكتب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا”.

ويبدو الموقف الدولي من الهدنة المعلنة ضبابيا، فلئن أبدت باريس التي تقود حراكا دبلوماسيا لافتا خلال الأيام الأخيرة ترحيبها بالهدنة، بيد أن الولايات المتحدة وباقي الدول الغربية التزمت حتى الساعة الصمت، باستثناء تلويح بريطانيا بإمكانية توجيه ضربة للنظام وربطت ذلك بثبوت استخدامه للأسلحة الكيميائية.

ودعا وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان الثلاثاء من موسكو النظام السوري إلى “القبول” بالهدنة التي أعلنتها روسيا، معتبرا أنها تشكل فرصة “لاستئناف الحوار”.

وإذ رأى أن الهدنة الإنسانية التي أعلنها الرئيس فلاديمير بوتين تشكل “تقدما فعليا”، تدارك قائلا إنها ليست سوى “مرحلة”. وأضاف “ينبغي المضي أبعد” وخصوصا “لإفساح المجال أمام عمليات الإجلاء الطبية للحالات الأكثر حرجا”.

وتأتي زيارة لودريان إلى موسكو بعد يوم من اتصال هاتفي أجراه الرئيس إيمانويل ماكرون مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، وطالبه فيه بالضغط على نظام الأسد للقبول بوقف إطلاق النار.

ويقول مراقبون إن الحراك الفرنسي يعكس رغبة باريس في إعادة تفعيل دورها في سوريا عبر تبني مسار جديد يبدو أكثرة مرونة وانفتاحا على روسيا.

وحول صمت معظم القوى الغربية وخاصة الولايات المتحدة بشأن الهدنة يرى هؤلاء أن ذلك يمكن قراءته في سياق العجز عن وقف الاندفاعة الروسية، وسبق وأن ترجم هذا العجز في عدة محطات لعل من بينها حلب التي تعيش الغوطة اليوم نفس السيناريو الذي واجهته وإن كان بنسخة أكثر تطورا.

بوريس جونسون: ندعم توجيه ضربات إذا ظهر دليل على استخدام دمشق سلاحا كيميائيا
بوريس جونسون: ندعم توجيه ضربات إذا ظهر دليل على استخدام دمشق سلاحا كيميائيا

في مقابل هذا الرأي لا يستبعد البعض أن يكون هناك نقاش خلف الكواليس بين القوى المناهضة لدمشق وللدور الروسي وخاصة الإيراني حول الخيارات المطروحة ومن بينها خيار شن ضربات عسكرية، خاصة في حال ثبت استخدام نظام الأسد للأسلحة الكيميائية مجددا، وأن الصمت اليوم هو أشبه ما يكون بـ”الهدوء الذي يسبق العاصفة”.

وقال وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون الثلاثاء إن بلاده ستبحث المشاركة في ضربات عسكرية أميركية ضد الحكومة السورية إذا ظهر دليل يثبت استخدام أسلحة كيميائية ضد المدنيين.

جاء ذلك بالتزامن مع تسريبات عن بدء منظمة حظر الأسلحة الكيميائية تحقيقا الأحد في هجمات وقعت في الآونة الأخيرة بالغوطة الشرقية المحاصرة لتحديد ما إذا كانت ذخائر محظورة قد استخدمت.

وأعرب جونسون عن أمله في ألا تقف بريطانيا ودول غربية أخرى دون حراك في حالة شن هجوم كيميائي، مبديا دعمه لضربات محدودة إذا ظهر “دليل لا جدال فيه” على ضلوع الحكومة السورية.

ومع هذا، لفت إلى أنه ليست هناك نية دولية تُذكر لاتخاذ إجراء عسكري متواصل ضد الحكومة السورية. وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت قبل أيام أن توجيه ضربات لنظام الأسد من بين الخيارات المطروحة، في حال تم التحقق من قصفه للمدنيين بأسلحة كيميائية.

ويرى متابعون أن موقف الغرب صعب فتوجيه ضربات لدمشق محفوف بالمخاطر وقد يؤدي إلى تفجير كامل للمنطقة، بيد أن التزام الصمت والاكتفاء بالضغط السياسي سيعني حسم الصراع لفائدة الأسد وتعزيز موقع روسيا في الشرق الأوسط، ولربما الأكثر خطورة بالنسبة لواشنطن هو تثبيت النفوذ الإيراني في المنطقة.

2