هدى بركات تفاجئ قارئها بـ"بريد الليل" الذي لا يصل إلى أحد

رواية تؤكد على أن الإنسان في زمن الشتات والمنافي والقهر والأقبية والهروب الدائم، لا ملجأ له إلا الارتماء في حضن العائلة التي توازي الوطن.
الأحد 2019/01/20
لوحة الفنان وليد نظامي

تأتي رواية هدى بركات “بريد الليل” الصادرة عن دار الآداب/ بيروت، والتي وصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية لدورة 2019، لتؤكد على أن الإنسان في زمن الشتات والمنافي والقهر والأقبية والهروب الدائم، لا ملجأ له إلا الارتماء في حضن العائلة التي توازي الوطن. فالجميع في روايتها يتوقون إلى الارتماء في أحضان ذويهم، طلبا للمغفرة والعفو.

الرواية تستعيد فنّا عربيّا أصيلا، ولكنه اندثر، ألا وهو فن الرسائل، المفارقة- هنا- أن الرسائل لا تصل إلى مستقبليها الحقيقيين، في تأكيد لحالة الانقطاع التي يعيشها إنسان هذا العصر مع من حوله. الحكايات الموجودة في الرسائل الخمس أشبه بشكاوى أو فضفضة بوح لهؤلاء المعذبين والمشردين والمنفيين والمهجرين، لا يجدون مَن يسمعهم؛ فكتبوا هذه الرسائل وهم على يقين بأنها لا تصل، لكن تبدو عبثية هذا العالم، في أنها تصل إلى بعضهم البعض. فيقرأون أوجاع المراسلين، التي لا تختلف عن أوجاعهم، وكأنهم يأتنسون بشكوى الآخرين للتسرية عن همومهم وأشجانهم. وفي أحيان كانت المحرّض لهم على خوض تجربة الاعترافات.

خمسة أصوات

تتوزَّع الرواية القصيرة نسبيّا مقارنة بروايتها السابقة “ملكوت هذي الأرض“، على ثلاثة أقسام؛ القسم الأوّل بعنوان «خلف النافذة» وهو الأكبر من حيث المساحة، يشغل الرّسائل الخمس. والقسم الثاني عنونته بـ”في المطار”. أما الفصل الثالث “موت البوسطجي” فهو أشبه بخاتمة، وهو بمثابة إقرار بمكانة مفقودة للبوسطجي، وكونه صاحبَ فضل على الأحبّة والمغتربين والمسافرين بما تحمله بشائره من فرح وسرور لمن ينتظرون صافرة دراجته أثناء مروره.

خمسة أصوات مختلفة تبثُّ شكواها إلى طرف غير موجود، ولا مُصرَّح باسمه. الرسالة الأولى من زوج إلى حبيبته، يستهلها بعزيزتي في استعارة لطقس كتابي مُهْدر. يعترف فيها بأن هذه هي أول مرة يكتب فيها رسالة، وهي الرسالة الوحيدة أيضا التي يكتبها. يحكي للطرف الآخر حكايته منذ أن وضعته أمه في القطار، لكن يسترسل فيها ويتوحّد مع ذاته ليكشف عن شعور بوحدانية منذ طفولته بعد فقدانه الصلة بأهله حيث نشأ بلا أهل، ثم عيشه بمفرده في غرفة بائسة، ووضع مادي مزرٍ، لكن أشدّ ما يؤرقه ويفجعه، هو إحساس بأنه مراقب من شخص يسكن أمامه، ثم عمله عند عسكري انقلابي فتح جريدة “ليعلّم الخليقة أصول الديمقراطية”.

الرابط المشترك بين أصحاب هذه الرسالات، إلى جانب المنافي والإكراهات التي فرّوا منها، هو الاعترافات، التي تأتي كنوع من الخلاص أو التطهر. ومن ثم فأصحاب الرسائل يهدفون من رسائلهم، إلى الحصول على صك الغفران من ذويهم. فالرجل صاحب الرسالة الثانية القاتل يرغب في لقاء أمه والحصول على غفرانها، وبالمثل صاحبة الرسالة الرابعة ترغب في أن تسمعها أمها وتغفر لها. والابن في الرسالة الأخيرة، منذ أن علم بمرض أبيه يتمنى أن يحضنه.

بنية الرواية قائمة على التفكيك والتركيب، فالرسائل يُعاد بناؤها من جديد عبر الشخصيات المُستلِمة، فتخضع لعملية قراءة من جديد، ويكتسب أصحابها تعاطفا من نوع ما. كما أن الرسالات الخمس تشرح الإكراهات الاجتماعيّة والدينيّة والسياسيّة التي أسهمت إلى حدّ كبير في إخراج هذا الجيل المشوّه، ومن ثمّ كانت هذه النتائج الكارثية في تدمير الآخر، بل كان الانحلال ثمرته المرّة الطبيعية. فكل ما حلّ بهذه الشخصيات يعود إلى الظروف الاجتماعية والتنشئة الخاطئة كما تقول النظرية الاجتماعيّة.

تبني المؤلفة مرويتها على خاصية سردية، تتمثل في التراسل بين الحكايات. فثمة توهم بأن الرسائل لم تصل إلى متلقيها الحقيقي، لكن في الحقيقة أنها تصل إلى أحد أطراف الحكاية عن طريق الصدفة

 فالابنان في الرسالة الثالثة والخامسة، وكذلك البنت في الرسالة الرابعة، جميعهم يكشفون عن خلل في التربية. فالأول يحكي عن قهر الأب له، وقهر الوسط الاجتماعي الذي نشأ فيه، خاصة النادي. والأهم قهر السلطة التي أخذته من البيت عنوة دون أن يعرف السبب، وأذاقته أشكالا من الهوان، كادت أن تصل به إلى حد الجنون بعد أن اغتصبوه.

قادت الإكراهات الاجتماعية صاحبة الرسالة الرابعة “قتيلة الأم وضحية مخدومتها” إلى الانحلال، فالأم كانت السبب في زواجها التعس، وهي ابنة الرابعة عشرة، وعندما حدث الطلاق لم تغفر لها ورفضتها، وهو ما قادها للهجرة إلى هذا البلد (المجهول) لتعمل خادمة في “بيوت الناس وفي تنظيف وسخ بشر لا تعرفهم”.

 وفي ظل هذه الضغوط قررت “أن تشتغل مومسا” فكما تقول وحده المال الذي سيرفعني قليلا عن “روائح وأوساخ الحضيض”. والابن في الرسالة الأخيرة ضحية رفضه أن يكون مثل أبيه الذي صرف عمره يدافع عن قضاياه، وعندما فشل الابن وصفه بأنه “خنثى”. ثم رفض الأب لإرادته في أن يختار جنسه الذي يحبه ووجد جسده ينمو عليه، وقد اعتبره الأب مرضا. وحيال هذا الرفض المُستمر اضطر الابن لأن يهرب “ليَلحَقَ بالغراب الذي أحبّه”.

تقدّم الرسائل الخمس إلى مُرْسل إليه كالتالي: الحبيبة، الحبيب، الأم، الأخ، الأب، وحضور هذه الشخصيات لما تحمله من دلالة على المستوى الوجودي للإنسان، فدون هذه الشخصيات في حياتنا لا يتحقق وجودنا. وهو ما يكشف عن حالة الحنين والشعور بالافتقاد للعائلة وأواصرها رغم أنها كانت السبب الرئيسي للطرد والحرمان من الجنة (الأوطان) والإلقاء في أتون النار (المنافي).

يأتي القسم الثاني “في المطار”، وهو قصير نسبيّا ليكون بمثابة الإضاءة لهذه الرسالات، وهو يماثل لحظة التنوير في الدراما حيث تنكشف الخيوط. فتحضر الشخصيات المُرْسلَة إليها الرسائل، وتشرح هي الأخرى مآلها، فتكشف الحبيبة عن ذهابها إلى المطار علّها تجده هناك. وكذلك الحبيب المُنتظر الذي كانت تنتظره الفتاة في الفندق. ثمّ الألباني صديق الشاب الذي قتل المرأة التي أوته وسرق نقودها. ثمّ الأخ الذي يُقرِّر البحث عن أخته من جديد كي ينتقم منها، بما ألصقته به من عار. “ويسوي كافة الأوضاع على الأرض”. الغريب أن العودة جاءت للانتقام كما في حالة حبيبة صاحب الرسالة الأولى والأخ صاحب الرسالة الرابعة.

وفي المُقابل تستعرض الرواية بطريق غير مباشر أزمة الاستغلال بين الطرفين؛ المهاجرون الذين راحوا يبحثون عن زواجات من نساء أرامل أو شابات من أجل العثور على أوراق إقامة أو تجنيس كما حدث مع صاحب الرسالة الأولى، بعدما تعنتت معه سفارة بلاده، ورفضت تجديد جوازه. وأيضا من جانب الغرب، فيما مارسته من مساومات وابتذاذ على المهاجرين أو المنفيين أو المعارضين، وتعددت أشكال المساومة على صورة المال كما في حالة المافيا أو في صورة المساومة على الجسد كما في حالة الملاكم. وقد وصلت في حالته إلى الاستعباد، حيث راحت تتحكم في تصرفاته.

التراسل بين الحكايات

رسائل تستجدي المغفرة
رسائل تستجدي المغفرة

تبني المؤلفة مرويتها على خاصية سردية، تتمثل في التراسل بين الحكايات. فثمة توهم بأن الرسائل لم تصل إلى متلقيها الحقيقي، لكن في الحقيقة أنها تصل إلى أحد أطراف الحكاية عن طريق الصدفة، وتتم قراءتها، بل ثمة إيهام آخر بأنه هو الطرف الثاني/المرسل إليه. فالرسالة الثانية حيث صاحبتها تنزل في غرفة فندق في انتظار حبيب طال انتظاره، إثر موعد مضروب بينهما، وبينما هي في الغرفة تعثر على رسالة كتبها شاب في غرفة مفروشة رخيصة الإيجار في شارع شعبي. بالطبع ما في الرسالة ومواصفات الشاب، تذهب بنا إلى صاحب الرسالة الأولى الرجل إلى حبيبته.

لا يتأتى التفاعل مع الرسالة عبر العثور عليها أو قراءتها، وهو في حد ذاته هدف مهم، وإنما التفاعل الحقيقي، يتحقق في أن الشخصية الثانية التي تنتظر في الفندق؛ كي تملأ انتظارها كما ذكرت لهذا الحبيب المنتظر، تنشغل بأمر هذه الرسالة، وتأخذ في البحث عن نهايات لصاحبها الذي تركها مفتوحة.

فتسير وفق نظرية الاحتمالات، وتفترض أن رجل المخابرات الذي كان معنيّا بمراقبة الرجل، هو من وضعها وخبّأها في غرفة الفندق، ثم تاه عنها. بل إنها لا تتعاطف مع هذه المرأة وتتمنى أن تأخذه بين ذراعيها. بل لو التقتها ذات مرة “فسأعاتبها بقسوة” بل يذهب خيالها إلى اتهامها بأنها “من سرق الرسالة وخبأها هنا، بل هي من قتل كاتبها”.

نفس الشيء تفعله السيدة صاحبة الرسالة الثانية، فتدخل في حوار مع هذا الحبيب المنتظر، وتبادله الأسئلة، ورأيه إن أتيحت لهما الفرصة للنوم في مثل هذه الغرفة، ماذا سيفعل. وإن دخل الحمام هل سيعتمد في غسل رأسه شامبو له مواصفات العينة الصغيرة هذه. أم تراك صرت أصلع أو أقرع؟ بل تخبره بتفاصيل ما ستفعله عند قدومه، بأن تبقى جالسة على السرير أو على الكرسي.

الغريب أنها لا تعول على حضوره، فهو لم يرسل لها إيميلا قبل ركوب الطائرة. فوجوده مرتبطٌ بصاحب الرسالة التي وجدتها، فقد أوحى شيء فيها له بأنه سيعود، وربما تعثر عليه في باريس؛ في أحد المقاهي التي تجمع الشبان التائهين، الهاربين من شيء ما.

تكشف حيلة الكاتبة من هذا التراسل بين أصحاب الرسائل الخمس، في ما تقدمه لنا عن مأسوية ما نحياه. وهو ما وصل إلى ذروته بدخولنا عصر التكنولوجيا، فافتقدنا لوجودنا المستمد من وجود الآخرين، وصار تكيّفنا مع أصدقاء افتراضيين، بمثابة الحل الأسهل والبديل لتعويض ما نفتقده على مستوى الواقع من علاقات اجتماعية حميمة.

وفي الرسالة الثانية التي ترسلها سيدة إلى الحبيب من غرفة في فندق، نكتشف أنها وهي تتخيل الحوار الذي سيدور بينهما في الفندق، وفيما يتحدثان تقوم في ذات الوقت بمراجعة ذاتها، ومن ثم تكثر التساؤلات التي تلقيها لتخلص ذاتها من عبء الانتظار الذي كرهته عند الطبيب ومن قبل في الفندق، فتبدأ مراجعة ماضيها معه بالتساؤلات “ما الذي كان بيننا؟ ما الذي بقي مما كان بيننا؟ ولماذا قد تأتي، ومدفوعا بأيّ شوق لتلك الأيام القليلة؟”.

الرواية باستعادة تقنية الرسائل، وحميمية البوسطجي، ولهفة الانتظار، ترثى ما فعلته التكنولوجيا التي قتلت في داخلنا شغف الانتظار ولهفة الترقب.

12