هدى جمال عبدالناصر عضو مجلس الشيوخ المصري وعقدة عباءات الراحلين

تجربة هدى عبدالناصر في حرب الدولة ضد ما يسمى بـ"الفاشية الدينية" تجربة غنية حيث خاض والدها معركة شرسة ضد الإسلاميين وتحديدا جماعة الإخوان.
الثلاثاء 2020/11/24
هدى عبدالناصر واحدة من بين رموز الحقبة الناصرية

لم يكن مفاجئا اختيار الأكاديمية هدى جمال عبدالناصر، ابنة الرئيس المصري الراحل، ضمن قائمة الأسماء التي جرى تعيينها في مجلس الشيوخ، وهو الغرفة الثانية للبرلمان بمصر، في ظل حرص النظام على استحضار بعض من سياسات وأفكار وتوجهات عبدالناصر، والشغف بزوايا في تجربته الشائكة، لاسيما مواجهة التحديات الإقليمية والدولية والتصدي لتيار الإسلام السياسي.

هي واحدة من بين رموز الحقبة الناصرية التي ترى في الرئيس الحالي عبدالفتاح السيسي نسخة قريبة من والدها، لذلك لا تتردد في دعمه سياسيا، والدفاع عن قراراته، وتقدم أدلة عديدة لصحة رؤيتها، وتعتبر كل ما يعيد التذكير بوالدها يستوجب الدعم، وهي لم تفعل ذلك مع أي من الرئيسين السابقين، أنور السادات وحسني مبارك، لأن سياساتهما جاءت على النقيض من توجهات عبدالناصر.

خاضت من أجل الدفاع عن السيسي معارك ضارية ضد معارضين لبعض قراراته، إلى درجة أن شريحة من التيار الناصري والمحسوبين على قوة سياسية تؤيد تصورات والدها، اتهموها بتشويه صورته لإرضاء السيسي، ويكفي الهجوم الشرس الذي تعرضت له بشأن موقفها من جزيرتي تيران وصنافير. وخرجت في ذلك الوقت مظاهرات في شوارع وميادين بالقاهرة رفضت تسليم الحكومة المصرية الجزيرتين للسعودية، وتصاعدت وتيرة الاستقطاب السياسي والإعلامي، وهناك من اتهم السلطة بأنها باعت جزءا من تراب الوطن. قالت عبدالناصر، إن الجزيرتين مصريتان، وبعد أقل من أسبوع، تراجعت وأكدت أنهما سعوديتان، وأيدت كلامها بعرض وثائق تاريخية بتوقيع والدها.

البعض يفهم اختيارها لتكون عضوا بمجلس الشيوخ على أنه قرار مباشر من السيسي، كنوع من رد الجميل لها على مواقفها من الحكومة، وتقديرا لعبدالناصر كرئيس خاض معارك ضارية مع قوى إقليمية ودولية في مرحلة صعبة

بصرف النظر عن التجاذبات التي حدثت على وقع الخلاف حول هوية الجزيرتين، لم تنس الحكومة موقفها، ورأت فيها شخصية وطنية بحكم أن الدولة كانت في حاجة ماسة لشخصية موثوق بها تمتلك أدلة ومن نظام كانت له جماهيرية، ومستعدة لخسارة جزء من شعبيتها وسط الرأي العام لتحسين صورة الحكومة أمام اتهامات تخوين طالتها، وحينها أسهمت وثائق الدكتورة هدى في تهدئة خواطر شريحة من المواطنين.

ظلت عبدالناصر تظهر إلى الرأي العام خلال المناسبات الوطنية المرتبطة بذكرى ثورة 23 يوليو التي قادها والدها، أو ذكرى رحيله، لكن منذ وصول السيسي للحكم وتطرقه بإيجابية للحقبة الناصرية، بدأت تداوم على الظهور وتقديم نفسها كمدافعة عن الحكومة، وبدت في بعض المواقف كأنها تتحدث عن حكومة شكلها والدها.

خاطبت الرأي العام أحيانا بطريقة أقرب إلى السلطة، في اللقاءات التلفزيونية أو كتابة المقالات في بعض الصحف، وقارنت بين ما يحدث الآن بما جرى في السابق، وتحدث عن إنجازات سياسية ومعارك أمنية ضد الإرهاب، وفضحت مآرب الإخوان والتركيز على بناء الدولة القوية، في محاولة لتثبيت العلاقة مع نظام بادر بالثناء على فترة حكم والدها أمام حملات التشويه المتعمدة.

وقد تحللت نسبيا من مهمة المتوافقة مع خطاب الحكومة، وقررت ارتداء ثوب والدها للحديث عن إنجازات الحقبة الناصرية، وزيادة تحسين صورته في نظر شريحة ما زالت ناقمة على فترة حكمه. فبدأت منذ سنوات خطة ممنهجة لجمع كل خطبه في مجلدات لتقديمها للمواطنين، نشرتها على منصة مكتبة الإسكندرية، وقامت بكل ذلك دون ضجيج.

الناصرية في مرمى النيران

أزمتها أنها فهمت مدح الرئيس السيسي لفترة حكم والدها وكأنه شيك على بياض، ولم تدرك أن شغف النظام الحالي بالناصرية له سقف
أزمتها أنها فهمت مدح الرئيس السيسي لفترة حكم والدها وكأنه شيك على بياض، ولم تدرك أن شغف النظام الحالي بالناصرية له سقف

أزمة عبدالناصر، أنها فهمت مدح الرئيس السيسي لفترة حكم والدها والثناء عليه في بعض قراراته، على أنه شيك على بياض من النظام الحالي، واعتقدت أنها وجدت ضالتها في رئيس يعيد الاعتبار الكبير لأبيها، الذي طالته ألسنة وكتابات ناقدة وناقمة، وصلت حد التجريح بسبب سياسات وتوجهات ثبت في ما بعد أنها كانت خاطئة، ولم تدرك أن شغف النظام الراهن بالناصرية له سقف. فقد انتقد السيسي بشكل مبطن، دخول الجيش المصري في حرب اليمن، وقال إن القرار جانبه الصواب، وتسبب في إهدار الاحتياطي النقدي لمصر بعد أن كان الأعلى عالميا خلال تلك الفترة، وأحدثت التصريحات صدمة لدى الناصريين، وأربكت حسابات ابنة الرئيس الذي تحول إلى رمز عربي.

اضطرت للخروج والرد على كلام السيسي لكن دون الإشارة إليه بشكل مباشر، ودافعت عن والدها بأنه إبان حرب اليمن شكّل مجلسا مصغرا وفوّضه باتخاذ القرار المناسب، وكانت التوصية بتدخل الجيش المصري، أيّ أنه لم يكن يمتلك قرار الرفض أو القبول، بل اضطر لتنفيذ توصية المجلس “الديمقراطية”، بالتالي فهو لا يتحمل المسؤولية.

فهم البعض اختيارها لتكون عضوا بمجلس الشيوخ على أنه قرار مباشر من السيسي، كنوع من رد الجميل لها على مواقفها مع الحكومة، وتقديرا لعبدالناصر كرئيس خاض معارك ضارية مع قوى إقليمية ودولية في مرحلة صعبة، لكن الأمر لا يخلو من شعور بعض دوائر الحكم بأهمية وجود شخصية مثلها في المشهد السياسي العام، لتقوم بدور ينوب عن الأحزاب الناصرية المشتتة، وترمز لمرحلة حافلة بالأحداث.

على مدار سنوات طويلة، حاول التيار الناصري في مصر تشكيل حزب قوي يعبر عن أفكار الرئيس عبدالناصر، لكن الأمر انتهى إلى الفشل، ولم ينجح أيّ من المنتسبين للناصرية في أن يترك بصمة سياسية بسبب الخلافات والتجاذبات، وبدت ابنته هدى الوحيدة القادرة على الحفاظ على ميراث هذه الحقبة التاريخية.

تركة الأب

السيسي يسعى إلى الظهور على مسافة واحدة من عائلتي عبدالناصر والسادات، ولم يمنعه استحضار بعض سياسات وتوجهات الأول من استدعاء أرملة الثاني في أغلب المناسبات الوطنية
السيسي يسعى إلى الظهور على مسافة واحدة من عائلتي عبدالناصر والسادات، ولم يمنعه استحضار بعض سياسات وتوجهات الأول من استدعاء أرملة الثاني في أغلب المناسبات الوطنية

يكتشف المتابع لها، أنها تحاول فعليا تقديم نفسها على أنها ممثلة ضمنية للناصريين في المشهد السياسي المصري، فهي باحثة مخضرمة في تحليل علاقات مصر بالقوى الدولية، وحصلت على الدكتوراه من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة في العلاقات المصرية البريطانية، وتؤمن بجدوى الانتماء العربي وترفض التبعية.

عايشت فترة سياسية بالغة الصعوبة، تكاد تكون قريبة من تلك التي تشهدها مصر في الوقت الراهن، وتدرك حجم المخاطر والمكائد، وكيف يمكن مجابهتها. وعملت في مكتب الرئيس عبدالناصر لشؤون المعلومات، واقتربت من مطبخ الحكم، واطلعت على كثير مما يرتبط بالأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية والدبلوماسية، بصورة وفرت لها خبرات متراكمة.

تمتلك تجربة حية لحرب الدولة ضد ما يسمى بـ”الفاشية الدينية”، حيث خاض والدها معركة شرسة ضد الإسلاميين، تحديدا جماعة الإخوان، وهي نفس المعركة تقريبا، التي يخوضها النظام المصري منذ ثورة 30 يونيو 2013، والتي تحتاج إلى مخضرمين وأصحاب تجارب للمشاركة في حسم الجولة الأخيرة لصالحها.

الفارق بين صراع هدى وجيهان حول التقارب مع الحكومة والشارع، أن الأولى تلعب بورقة الحنين إلى الماضي أمام ارتفاع معدلات الفقر والغلاء وتحجيم مجانية التعليم، أما الثانية، فتلعب بورقة انتصار أكتوبر 1973 واستعادة سيناء

وجود شخصية مثلها بالقرب من مطبخ الحكم، ولو من خلال عضوية مجلس الشيوخ، يحمل منفعة متبادلة للطرفين، فهي ستجد المنبر الرسمي الذي تطل من خلاله، وتسعى جاهدة، ولو بأثر رجعي لدحض حجج خصوم والدها، كما يستفيد النظام من خبرتها في التعامل مع أزمات كأنه يُعاد تكرارها حاليا.

أما هي فتكاد تكون مشكلتها الأبرز، في إيمانها بأن عبدالناصر كان حاكما ملائكيا وليس بشرا يخطئ ويصيب، ولا تعترف بمعنى أن يكون هناك رئيس دولة مختلف عن فترة حكمه، لذلك تبدو حادة عندما يتعلق الأمر بالمساس بالصورة الإيجابية، حتى ليشعر من يسمعها وكأن الزعيم عبدالناصر يتحدث، وليس ابنته التي تعلمت أصول وقواعد المؤسسية، والتي لا تعترف بكثير من الشخصيات الناصرية، وترى غالبيتهم يريدون أن يرتدوا جلباب والدها والتمسح به فقط.

استقالت عام 2002 من الإشراف على وحدة دراسات الثورة المصرية الملحقة بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بمؤسسة الأهرام الحكومية، اعتراضا على صياغة عناوين تقرير صحافي تناول ملخصا لأحد محاضر جلسات الاتحاد الاشتراكي العربي، وكانت تكتب هذه الموضوعات بنفسها، ضمن خزائن أسرار والدها.

ترتب على دفاعها المستميت عن والدها وارتداء عباءته السياسية طوال الوقت، انطباعات سلبية عنه، لأنها تتمسك بتبرئته من كل الأخطاء، وتصر على تحميل أطراف أخرى محلية وإقليمية ودولية كل الانتكاسات أو الإخفاقات التي جرت في عهده، حتى بدا ناصر أمام البعض كأنه لم يكن يملك زمام أمور كثيرة، أو غير قادر على تحمل المسؤولية.

وجود شخصية مثلها بالقرب من مطبخ الحكم، ولو من خلال عضوية مجلس الشيوخ، يحمل منفعة متبادلة للطرفين
وجود شخصية مثلها بالقرب من مطبخ الحكم، ولو من خلال عضوية مجلس الشيوخ، يحمل منفعة متبادلة للطرفين

كان الرئيس عبدالناصر لا يعترف بالهدوء والرصانة أمام طوفان النيل الشخصي منه أو الاعتراض على سياساته، وقد استلهمت ابنته نفس النبرة الحادة والهجوم الشرس دون هوادة، بذريعة التعاطف مع كونه أباها وكونها مطلعة على أسرار حكمه، لكن هذا السلوك قادها في إحدى المرات إلى منصة القضاء عندما اتهمت الرئيس الراحل أنور السادات بأنه المسؤول عن قتل عبدالناصر من خلال دس السم له.

استندت في اتهامها إلى أن السادات كان الوحيد الذي لازم والدها عقب انتهاء مؤتمر القمة العربية بالقاهرة في سبتمبر 1970، وأقاما معا في الفندق، وقالت إن السادات كان “عميلا” للمخابرات الأميركية التي كلفته بعملية القتل، ما دفع رقية، ابنة الرئيس السادات، إلى رفع دعوى قضائية ضدها، وصدر الحكم بتغريمها مبلغا ماليا قيمته حوالي 25 ألف دولار.

هدى عبدالناصر عايشت فترة سياسية بالغة الصعوبة، تكاد تكون قريبة من تلك التي تشهدها مصر في الوقت الراهن، وتدرك حجم المخاطر والمكائد، وكيف يمكن مجابهتها

ومع ذلك بقيت شخصية عنيدة على استعداد للتضحية بأي شيء من أجل الدفاع عن كبرياء والدها، حتى أن بعض الوسطاء مثل، سامي شرف الذي كان مديرا لمكتب عبدالناصر، ومحمد فائق وزير إعلام نظامه، تدخلا لإقناعها بالاعتذار عن اتهام السادات بقتل والدها، مقابل التصالح في القضية، ورفضت واختارت دفع الغرامة التي أقرتها المحكمة وفضلت القطيعة مع أبناء السادات.

اعتقدت أن إسدال الستار على قضية مقتل والدها سيقتصر على خصومتها مع أبناء السادات فحسب، لكنها أصبحت عدوة لأغلب أنصاره، وهو المعروف لدى محبيه بأنه “بطل الحرب والسلام”، وهناك شريحة من مؤيديه في خصومة سياسية معها. وعوّلت على تقديم نفسها للشارع باعتبارها الأمينة على تراث عبدالناصر، لكن ذلك لم يكن كافيا لتصديها لمن يصرون على التقليل من إنجازاته، أو يحاولون النبش وراء خفايا قراراته، ولم تفض القدسية التي تحاول إحاطته بها سوى إلى مزيد من الناقمين على فترة حكمه.

صراع هدى وجيهان

عبدالناصر تحاول دوما تقديم نفسها على أنها ممثلة ضمنية للناصريين في المشهد السياسي المصري، منطلقة من موقعها كباحثة مخضرمة في تحليل علاقات مصر بالقوى الدولية، تؤمن بجدوى الانتماء العربي وترفض التبعية
عبدالناصر تحاول دوما تقديم نفسها على أنها ممثلة ضمنية للناصريين في المشهد السياسي المصري، منطلقة من موقعها كباحثة مخضرمة في تحليل علاقات مصر بالقوى الدولية

من يدقق في ظهور عبدالناصر في المناسبات القومية، قد يخيّل إليه أنها تسعى لمنافسة جيهان السادات، أرملة الرئيس الراحل، التي تصر على أهمية زوجها، وترى أنه لم يحصل على حقه كاملا، وتصب الكاريزما والحضور والثبات والقبول الجماهيري في صالح جيهان، التي غالبا ما تتحدث بالسلب عن الناصريين.

الفارق بين صراع هدى وجيهان حول التقارب مع الحكومة والشارع، أن الأولى تلعب بورقة الحنين إلى الماضي أمام ارتفاع معدلات الفقر والغلاء وتحجيم مجانية التعليم، حيث كان والدها يهتم بالنواحي الاجتماعية للبسطاء، وهي تستهدف شريحة ممتعضة من تعاظم الرأسمالية لتحسين الصورة الناصرية.

 لم تدرك بعد، أن المجتمعات عندما تستحضر الزعماء السابقين أن ذلك يرتبط بوصول البؤس ومرارات الواقع إلى مستوى قياسي، ولا يعني ذلك أن شعبية عبدالناصر ما زالت طاغية، أو أن فترة حكمه تستحق التفاخر الأبدي. أما الثانية فتلعب بورقة الانتصار في حرب أكتوبر 1973 واستعادة سيناء وطرد الاحتلال من الأراضي المصرية، وإجبار إسرائيل على القبول بمعاهدة السلام، أيّ أنها تستهدف شريحة من المجتمع تميل إلى كل ما هو وطني، للتأكيد على أن السادات يستحق مزيدا من التكريم، وليس النقد والتهميش.

خاضت من أجل الدفاع عن السيسي معارك ضارية ضد معارضين لبعض قراراته، إلى درجة أن شريحة من التيار الناصري والمحسوبين على قوة سياسية تؤيد تصورات والدها، اتهموها بتشويه صورته لإرضاء السيسي

يسعى السيسي إلى الظهور بأنه على مسافة واحدة من عائلتي عبدالناصر والسادات، ولم يمنعه استحضار بعض سياسات وتوجهات الأول من استدعاء أرملة الثاني في أغلب المناسبات الوطنية، وهي رسالة يبدو أن هدى لم تستوعبها جيدا، وباتت مطالبة بمزيد من الحنكة والحكمة لتجلس في الصفوف الأولى مع قادة وكبار رجال الدولة.

وما يزال يغيب عن هدى عبدالناصر، أنها لم تصنع لنفسها مكانة لدى مؤسسات الحكم لتصبح شخصية لها قبول شعبي قوي يصعب تهميشها، لا صانعة معارك وخصومات مع أطراف عدّة، لا مجرّد وريثة لأبيها..

13