هدى حمد: الرواية العربية محتقنة ويندس فيها كل شيء

باتت الرواية الحديثة أكثر التصاقا بهواجس الإنسان المعاصر اليومية والصغيرة، تلك التي أغفلتها من قبل الروايات المنشغلة بالقضايا والأفكار الكبرى، ما أهمل الكثير من التفاصيل الإنسانية المهمة، التي من الممكن أن يخلق من خلالها نص أدبي حي. وفيما يلي حوار مع الروائية والقاصة العمانية هدى حمد.
الثلاثاء 2016/09/27
عبارة الناشطة النسوية مضجرة حقا

مسقط - تكشف كتابات القاصة والروائية العمانية هدى حمد عن إدانةٍ للمجتمع الذكوري، وهو ما يتجلى منذ مجموعتها القصصية الأولى “نميمة مالحة”، لكنها تؤكد أنها لا تستطيع النظر إلى المرأة باعتبارها ضحية والرجل باعتباره جلادا، لأنّ هذا “غير منصف”.

وتضيف “من تجربتي الشخصية، كان الرجل ابتداء من أبي وأخوتي وزملاء الكتابة، وليس انتهاء بزوجي، عوناً لي ودافعاً إيجابياً في الغالب”.

حياة موازية

توضح هدى حمد أنها عندما تكتبُ عملا أدبيا، تفكر غالبا في صدق الشخصيات والإدهاش والإمتاع وإيجاد المفارقات والألاعيب السردية، أكثر مما قد تفكر في الانتصار للقضايا ومعالجتها، لأنها تركت هذا الهامش لمقالاتها الصحافية. وهي تعتقد أنّ مهمة الكاتب الأسمى هي أن يبقى في “منطقة الإبداع”، لأن “تلوّثه” بالقضايا الكبيرة “سيُنتج خطاباً مُؤدلجاً شبيهاً بكل شيء عدا الإبداع”.

وتستشهد بما جاء في كتاب “رسائل إلى روائي شاب” الذي كتبه فارغاس يوسا وترجمه إلى العربية صالح علماني، ففيه إشارة إلى أنّ الطريقة التي تتجسّد بها القصة، هي التي تجعلها أصيلة أو مبتذلة، عميقة أو سطحية، مُعقدة أو بسيطة، وهي التي تمنح الشخصيات الكثافة، والغموض، والاحتمالي، أو تحوّلها إلى كاريكاتيرات بلا حياة، أو دُمى يحرّكها مدبّر العرائس. فالموضوعات بحد ذاتها لا تفترض مُسبقاً أي شيء، لأنّها ستكون جيدة أو سيئة، جذابة أو مُملة، والأمر يعتمد على كيفية استخدام الروائي لها، عندما يحوّلها إلى واقع من كلام مُنظم وفق ترتيب معيّن”.

وتعليقاً على رأي عدد من النقاد بأن كتاباتها تتسم بالجرأة رغم أنها تعيش في مجتمع محافظ إلى حدّ كبير، تقول هدى حمد “ربما حدث ذلك حقاً، ولكنني لم أكن أقصد الجرأة لذاتها. ليست هي تماماً ما أنشد. ثم إن الكتابة ليست وسيطي للوصول إلى القضايا الأخلاقية والتابوهات المغلقة، وكسر العادات والتقاليد، بقدر ما هي بحث دؤوب عن الجانب المخبوء والمجهول من الشخصيات التي تحاول أن تُقدم جوهرها كما قد يفعل كائن حقيقي من لحم ودم”.

"التي تعدّ السلالم" رواية تاريخية

وهي ترى أن الكتابة طريق كلما توغلنا فيه أكثر أوشكنا على إدراك مقصدنا منها، فلئن كنا في البدايات ننجرف وراء الجرأة والمواضيع المسكوت عنها للفت الانتباه، فإننا لاحقا -كما تقول الكاتبة- ننتبه لضرورة أن نُدرب إمكانياتنا وأدواتنا وألاعيبنا السردية، لأنّنا نُدرك أنّ امتياز الكاتب يكمن في الأسلوب أكثر مما يكمن في المواضيع المطروحة على قارعة الطريق”.

وهذا الوعي بحسب الكاتبة، “لا يعني بالضرورة أن يتحول المجتمع إلى شرطي يقمعُ ما نفكر فيه، لمجرد خوفنا من ردة فعله، وإنما يستدعي أن نفكر جديا هل نذهب للجرأة لأجل الإثارة المجانية، أم لأنّ لدينا ما نمرره ونقوله. وتؤكد في هذا السياق أنها ليست ضد الجرأة، خصوصاً عندما تمتلكُ مبرراتها ومنطقها الفني؛ فالكتابة هي “الحياة الموازية”، وكل ما في الحياة وفي رؤوسنا أيضاً يمكن أن يمر عبر الكتابة، كما ترى، بعيداً عن أي تشنج أو ترصد أخلاقي هزيل، رغم إقرارها بأن الكاتب في المجتمعات العربية عليه أن يتوقع “كلفة باهظة” قد يدفعها جراء ردات الفعل المختلفة.

وهذا ما تؤكده كتابات حمد، حيث تنتصر في روايتها الأخيرة “سندريلات مسقط” للحكي. ولكن بخصوص التساؤل عما إذا كان يكفي الحكي لكتابة النص الأدبي، أو هل يمكن أن نكتب نصاً أدبياً مكتملاً في غياب الحكي؟ تردّ الكاتبة قائلة “لقد تقصدتُ وبإرادة تامة ووعي ألا تكون هنالك قضية شائكة في هذا العمل. ربما لأني لستُ مُطمئنة كثيرا لانشغال الرواية العربية -بشكل عام- بالمواضيع الشائكة والقضايا ثقيلة العيار والتابوهات المغلقة، على حساب الاشتغال على إنضاج الحكاية والتعمق في رسم الشخصيات وفهمها والتوقف عن التعامل معها كأدوات تخدم فكرة ما في رأس الكاتب، فالشخصيات تحتاج إلى مخاض طبيعي لتعيش وتنمو، ومن ثم تحتاج إلى فهم ما يمكن تسميته ‘الواقعية النفسية‘ لتصبح أفعالها مُبررة ضمن منطق الرواية الخاص”.

النسوية مضجرة

ولا تتردد الكاتبة في القول إن الرواية العربية “مُحتقنة” ويندسّ فيها كل شيء، ويُمرَّر عبرها كل ما لا يقال في السياقات الطبيعية الأخرى -كالمقال والتحقيق الصحافي والإذاعة والتلفاز والمسرح.. إلخ-، فعندما لا يفسح المجال لهذه القنوات ويجلدها الرقيب بـ”مقصاته الكبيرة”، تغدو الرواية فجأة هي المتنفس الذي يحتمل إمكانية التمرير والمراوغة والتحايل، ولذا “قلما نجد رواية عربية تمتع القارئ وتثير تأملاته، فضلا عن كون موضوعها عميقا وأصيلا”، كما تقول الكاتبة.

الكتابة هي الحياة الموازية، والكاتب في المجتمعات العربية عليه أن يتوقع إمكانية أن يدفع كلفة باهظة

وتوضح أن روايتها تستعير حكاية “السندريلا” الشعبية، لتؤثث عالماً روائياً جديداً تقعُ أحداثه في مطعم صغير مُطل على البحر في مسقط. غير أنّ “سندريلات مسقط” الثماني لم يخرجن بغرض البحث عن أمير، وإنما لمتع أخرى، حيث “تُدخلنا الرواية إلى أجواء فنتازية غير متوقعة، ولكن ما إن تبدأ بتفتيت حكايات الشخصيات، حتى نجد أنفسنا نصطدم بواقعية تُشبه اليومي والبسيط المعتاد من حياة النساء”.

هدى حمد كتبت أيضا ما يمكن وسمه بالرواية التاريخية، ففي روايتها “التي تعدّ السلالم” جمعت بين الشخصيات التاريخية والراهنة، لتقدم من خلالها مقاطع من تاريخ عُمان القديم والحديث، وعلاقة العُمانيين بأفريقيا، ولتقدم أيضاً قراءات نفسية/ اجتماعية للمجتمع، والعلاقات بين الناس فيه.

وبخصوص ما إذا كانت تخشى أن يضعها هذا المنحى في خانة “الناشطة النسوية/ الاجتماعية” على حساب الأبعاد الفنية والإبداعية في الكتابة الأدبية كما أشارت إلى ذلك رؤية نقدية تناولت الرواية، تقول الكاتبة “لقد خرج العمل من يديّ، لقد مِتُّ حقاً ككاتبة، ولستُ بصدد الدفاع عنه، ولكن عبارة ‘الناشطة النسوية‘ مُضجرة حقاً، وأجد الكثير من المتحفزين وأغلب النقاد خصوصا، ليس لديهم ما يرشقون به الكاتبة قدر وضعها في كبسولة النسوية، رغم أننا ندرك أنّ الكتابة النسوية لا تعتمد على الجندر، وأن أي كاتب يمكن أن يكون نسوياً أيضاً”.

وترفض هدى النظر إلى “النسوية” على أنها تهمة، ولكنها توضح في المقابل أن “النسوية” ليست مشروعها حتى وإن كانت غالبية بطلاتها من النساء.

وتلفت حمدي إلى أن المرء يكتشف ما يُسمَّى “صوته الخاص” في سياق عملية تبسيطه لنفسه، وأن ما تحاول إنجازه في كتاباتها ليس التحرر من جماليات اللغة، وإنما اكتشاف اللغة والقبض عليها بحيث تكون جوهر الكتابة، لا مجرد زخرف أو أداة ووسيط.

فالكاتب، حسب رأيها، ليس الحكاية المدهشة، لأنّ الكثير من العامة يملكون حكايات مدهشة. الكثيرون يملكون لغة ويستعملونها لتمضية الحياة، لكن الكاتب يتعاطى معها بشكل خاص جدا.

ولهدى حمد رأيٌ في الجوائز، فهي التي فازت روايتها الأولى “الأشياء ليست في أماكنها” بالمركز الأول في مسابقة جائزة الشارقة للإبداع العربي (الإصدار الأول) في عام 2008، وبجائزة جمعية الكتاب والأدباء العمانيين كأفضل إصدار في العام نفسه؛ إذ تعتقد أن الجوائز “لا تخلو من حسابات كثيرة، والبعض منها ربما لا علاقة له من قريب أو من بعيد بالنزاهة”، وإن كانت تقرّ بأن أفضل ما قد تقدمه الجوائز للكاتب إلى جوار المبالغ المالية، هو التسويق الجيد ولفت أنظار النقاد والقراء إلى الكتاب.

15