هدير فتاة مصرية تكشف المستور في قضية الأم العزباء

الأحد 2017/01/22
أم عزباء تحافظ على ابنها بدل إلقائه في القمامة

“السنغل مازر” أو “الأم العزباء”، هي الأم التي تربي أطفالها دون وجود زوج معها، وهو مصطلح ربما يكون جديدا على مجتمعاتنا العربية، ومع ذلك فهو معروف ومنتشر في العالم الافتراضي وفي كثير من مواقع التواصل الاجتماعي منذ سنوات، حيث نجد مجموعة كبيرة من الأمهات المطلقات والمعيلات -اللاتي لا أزواج لهن- يتبادلن الخبرات والتجارب الحياتية معا، وفي مصر وحدها ما يقرب من 5 ملايين امرأة، يعلن أطفالهن بمفردهن دون وجود رجال.

ومن بين هؤلاء النساء اللاتي يحملن صفة الأم العزباء تلك المرأة التي أنجبت أطفالا بالتخصيب، أو بطريقة غير شرعية “سِفاحًا”، دون زواج رسمي، وهو وإن كان معروفا في الغرب، ومعترفا به اجتماعيا، إلا أنه في مصر وبعض الدول العربية، يعد من الأمور المرفوضة والمنهيّ عنها.

هدير مكاوي، شابة مصرية، أضفت على مصطلح “السينغل مازر”، مفهوما جديدا، صادما للمجتمع المصري، الذي انقسم حول قصتها ما بين مهاجم ومؤيد، حيث اختارت أن تُعلن ما حدث معها، بعد زواج عرفي جمعها بشاب لمدة ثلاثة أشهر، بمدينة نويبع بمحافظة جنوب سيناء، المطلة على البحر الأحمر، إذ حملت وأنجبت طفلا سمته آدم.

وأمام رفض الأب الاعتراف بالمولود، وبالزيجة كلها من الأساس، أعلنت مكاوي، عبر حسابها الشخصي على فيسبوك أنها “سنغل مازر”، وطلبت من المجتمع المصري دعمها والوقوف معها، لأنها قررت عدم قتل طفلها، واختارت له الحياة بحسب وصفها، وأنها في طريقها لإثبات نسبه.

مكاوي، قرّرت بجرأة شديدة، أن تختلف عن أخريات كثيرات فضلن عدم الإعلان عمّا يسميه المجتمع بالفضيحة، وإزاحة الغطاء عن قضيتها، واختارت أن تضع قصتها مع زوجها العرفي، الذي يرفض الاعتراف بها أو بابنه منها، تحت الأضواء، ونشرت اسمه الثلاثي وصوره على الملأ.

بين مؤيد ومعارض

كما هو متوقع، تندّر بها الكثيرون من مستخدمي السوشيال ميديا، وبلغ الأمر بمهاجميها حد السباب والشتائم الفجة لها ولفعلتها الشنيعة، ونشروا صورها -التي حصلوا عليها من صفحتها الشخصية على الفيسبوك- حيث ظهرت في أكثر من صورة بملابس عارية، ومع هذا انقسم الرأي العام حول قضيتها، فمنهم من وبّخها، ومنهم من تعاطف معها.

المجموعات النسائية، التي اتخذت لنفسها صفحات خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي، تحت مسميات عدة دارت حول مصطلح الأم العزباء، وهاجمن جرأة هدير في كشف مستورها، باعتبارها متزوجة عرفيا، من وراء ظهر أهلها، أي بدون وليّ، في حين أنهن كن متزوجات رسميا، وبشكل شرعي، شهد عليه المجتمع، وأنجبن أطفالهن من زواج مُبارك وحلال.

وقالت منى مصطفى، إحدى العضوات في غروب (مجموعة) “سنغل مازر”، إنها لا تتعاطف مع رواية هدير بالمرة، وتراها فجة، ولا تمت لتقاليد المجتمع الشرقي، وأنها تحاول يائسة أن تكسب تعاطف الناس معها، لكنها فشلت في ذلك، ولفتت إلى أن هدير ربما نجحت فقط، في جذب الأضواء الكثيفة إليها.

وأكدت مصطفى لـ”العرب” أن مكاوي تلك الفتاة التي ذكرت أنها عانت مرارة كبيرة مع أهلها -كما قالت هدير عبر صفحتها- ربما فعلت ذلك، كنوع من الكيد لزواجها العرفي، ورأت مصطفى في هدير، مجرد “فتاة غير مسؤولة بالمرّة”، واعتبرت أن ما تفعله هو مجرد لعبة، وأنها لا تعلم أنها بذلك وضعت صغيرها المسكين، الذي لا ذنب له، داخل دائرة من الفضيحة، ستظل تحاصره طيلة عمره، “لأننا في مجتمع لا يرحم”، على حد وصفها.

لكن على الجانب الآخر، هناك من يدعمون مكاوي، ودشنوا حملة على مواقع التواصل الاجتماعي للدفاع عنها، وانتشرت هاشتاغات تضامنية معها، تحت عناوين مختلفة منها، “ادعموا_ هدير”، و”متضامن مع _هدير”، و”ارحموا_ طفل_ هدير”، وبرروا دعمهم لها بأنه، يكفى أنها لم تلق بابنها في الشارع، أو تقتله وهو مازال في رحمها، وشددوا على أنهم لا يجدون عيبا في ما فعلته، إذ أثبتت أنها أمّ تخاف على ابنها أولا، ولم تلتفت إلى ما سيقوله المجتمع عنها.

ورأت العديدات من هؤلاء، أن مكاوي آثرت أن تلقي الضوء على المسكوت عنه، من أن ثمة عشرات الآلاف من الأطفال، الذين يولدون سِفاحًا، ويلقى بهم في حاويات القمامة، ليكبروا بلا آباء ولا أمهات، فيعانون مصيرا مظلما، ومن ثم سيدفع المجتمع كله في ما بعد الثمن غاليا، ومع ذلك مازالت مجتمعاتنا العربية تصر على دفن الرؤوس في الرمال.

وقالت متعاطفات، إن الوقت حان لنستيقظ، فنبدأ في علاج تلك القضية وغيرها من جذورها، بعيدا عن النفاق المجتمعي، والتعلل بأفكار قديمة بالية لن تجدي شيئا، وإلا فستظل مشاكلنا المخفية تكبر وتتضخم، وتنخر في عظام المجتمع العربي كالسوس.

الكثير من المتابعين لحالة هدير مكاوي، ذهبوا إلى أن ما أقدمت عليه ليس إلا إلقاء حجر في بحر هائج من المشاكل التي تعاني منها المرأة العربية

خطورة التدوينات

قضية هدير مكاوي، دقّت ناقوس خطر آخر، هو المدى الذي بلغه تأثير مواقع التواصل الاجتماعي والتدوينات على عقول الشباب والفتيات العربيات، وكيف أن الكبار، مازالوا مصرين على اعتبارها مجرد “لعب عيال”، رغم تأثيرها المتصاعد على عقول الصغار، ما يزيد الهوة بين الأجيال، لنصحو ذات يوم، وكأننا مجتمعان منقسمان في صورة مجتمع واحد مزعوم، هش ومفكك.

وبينما أعلنت حقوقيات كثيرات، يعملن بمنظمات نسوية، تضامنهن مع مكاوي، فإن حقوقيات أخريات، رأين أن ما فعلته، هو عمل شائن، ولا يليق بالمجتمع المصري.

نهاد أبوالقمصان، حقوقية ورئيسة المركز المصري للمرأة، حللت بعمق شديد قضية مكاوي، والتي وصفها مؤيدوها، بأول “سنغل مازر” في مصر، قائلة “إنها فتاة لا تعرف حقوقها القانونية، وتم النصب عليها من شاب، قرأ ‘رُبع′ كتاب عن الحرية والاستقلالية، وضحك عليها، واستطاع إبهارها مستغلا الظروف الأسرية الصعبة لها، ورأت أنها في النهاية، فتاة عادية ترغب في الزواج من شاب تسند ظهرها عليه، ومع ذلك فهناك فتيات أخريات، مثقفات وواعيات، لا يستطيع أحد جرّهن إلى الفخ الذي وقعت فيه مكاوي”.

وأكدت أبوالقمصان لـ”العرب” أن قضية مكاوي هي قضية إثبات نسب عادية، لكنها أخذت أكثر من حجمها، كما حدث من قبل، في قضية الفنانة زينة والفنان أحمد عز، اللذين ملأت حكايتهما الصحف والمواقع الإلكترونية، ومازالا حتى اليوم، يلقيان هجوما شنيعا من المجتمع.

ولفتت رئيسة المركز المصري للمرأة إلى أن ما فعلته مكاوي سيجعل أسرا كثيرة تخاف من إعطاء الحرية لفتياتهن، سواء للسفر للعمل، أو للتعليم بالخارج، وطالبت الحقوقية المصرية، بعدم التخلي عن مكاوي، والوقوف بجوارها قانونيا، مع الأخذ في الاعتبار ضرورة التوعية القانونية لمثل تلك الحالات.

ومع أن حكاية مكاوي تعتبر من الحالات الفردية التي تتكرر بين فينة وأخرى، إلا أن تأثيرها القويّ على المجتمع، والاهتمام غير العادي بتلك القضية، وظهور مصطلح “السنغل مازر” بشكل جليّ وواضح، جعل الأمر لا يمرّ مرور الكرام، ويؤكد بشكل كبير أن هناك فجوة ثقافية وأوراقا مختلطة لدى قطاع كبير من الشباب والفتيات، الذين ربما يجدون في مكاوي بطلة، ويحاولون تقليدها، بدعوى الحرية والاستقلالية، غير عابئين بتقاليد المجتمع المنبثقة من تعاليم الأديان السماوية.

الحرية الشخصية موضع اتهام

أشارت سامية خضر، أستاذة علم الاجتماع، لـ”العرب”، إلى جزئية هامة في تلك القضية، حيث لفتت الانتباه إلى أن الشريحة التي تؤيد مكاوي وتدافع عنها، تنحصر أعمارها في سن صغيرة، وتتشبث بما تسميه الحرية الشخصية، ضاربة بالقيم الدينية والمجتمعية والنفسية عرض الحائط، غير واعية بأن تلك الأفكار تجرّها إلى المجهول، وغير عابئة بتقاليد المجتمع، التي تحميها من الانزلاق في فخ الحرام.

وقالت خضر إن تلك الفتاة وغيرها ممّن ينشرن فضائحهن على الملأ، تنطبق عليهن مقولة “الذين اختشوا ماتوا”، حيث أن نشر الفضيحة، ليس نوعا من أنواع البطولة، كما تدعى مكاوي، بل هو ميل نحو أفكار الغرب الذي لا يستعير شبابنا منه سوى الخبيث فقط.

ونوهت خضر إلى أن مجتمعنا الشرقي لا يزال يحتفظ بتدينه، ويحافظ على التقاليد والأعراف التي تربينا عليها.

وشددت خضر على أن الأفكار الشاذة دائما ما تتم مهاجمتها، وسرعان ما يلفظها الناس في المجتمعات العربية، وحذرت من خطورة أن الشباب الصغار، هم الأكثر عرضة للتأثر بتلك الأفكار، ولذلك فإن على الجهات المعنية في الدولة توعيتهم.

جانب آخر من القضية، هو دور الدين في مجتمعاتنا عموما، وفي قضايا الشباب بصفة خاصة، وهنا يطالب قطاع عريض من المثقفين، بضرورة تحديث الخطاب الديني، وصعود أصحاب العقول المستنيرة إلى منابر الخطابة لأن ذلك لم يعد أمرا عارضا، بل بات أمرا ملحّا على المجتمع المصري والعربي، الذي أصبح من الضروري جدا أن يقاوم بشراسة تلك الأفكار الغريبة، التي أصبح الإفصاح عنها من قبل مقترفيها، أمرا كاشفا للخلل الحاصل.

وقالت إلهام شاهين، أستاذة العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر، لـ”العرب”، “إن خير الخطائين التوابون، وإن تلك الفتاة للأسف، لا تشعر بالندم أو الأسف، وهذا هو الأسوأ في تلك القضية المجتمعية، والتي لا تدل سوى عن الانحلال الأخلاقي، ونشره وإعلانه والتباهي بفعله، متناسين وجوب الستر عند البلاء”.

وأضافت شاهين أن الشباب يتقبل الأفكار الشاذة، في محاولة منه لتقليد الغرب، رغم أن الغربيين أنفسهم، يقدسون الحياة الزوجية ويكنون لها كل احترام، ويعلنون مراسم الزواج ويباركونها، كما أن الأطفال الشرعيين يبجلون والديهم، الذين أنجبوهم بطريقة شرعية، إضافة إلى أن عذرية الفتاة أصبح لها احترامها لديهم عن ذي قبل.

وتجد شاهين أن الحل في حماية المجتمع من تلك الأفكار الشاذة غير الأخلاقية، يكمن في سن القوانين التي تردع هؤلاء المجاهرين بالمعاصي، مثل تلك الفتاة وغيرها، خاصة هؤلاء الذين يجاهرون بإلحادهم بالله عز وجل، ويدشنون صفحات على السوشيال ميديا يعلنون فيها ذلك، ويجذبون إليهم شبابا صغيرا ضعيف الإيمان، للانضمام لصفوفهم، ولا ترى في ما فعلته مكاوي، إلا نوعا من نشر الفاحشة، وللأسف فهي ستكون لها معجباتها، اللاتي قد يسعين لتقليدها بشكل أعمى، وشددت على أنه يجب التصدي لذلك بقوة.

الكثير من المتابعين لحالة هدير مكاوي، ذهبوا إلى أن ما أقدمت عليه مكاوي، ليس إلا إلقاء حجر في بحر هائج من المشاكل التي تعاني منها المرأة العربية، وسواء وجدت مكاوي من يتعاطف معها، أو ينتقدها، فإن قضية الأم العزباء، باتت تبحث عن حلول واقعية، لأن السكوت لم يعد ممكنا، في ظل تفاقم المآسي المترتبة على بقائها واستفحالها.

كاتبة مصرية

20