"هذا أنا".. رواية عن عوالم المراهقة ورؤاها

رواية جزائرية عن ثيمة المراهقة تكتبها فتاة مراهقة تفسر فيها عوالمها وأفكارها ورؤاها حول ما عاشته.
الأربعاء 2021/04/07
لكل مرحلة عالمها (لوحة للفنانة سارة شمة)

الجزائر - يرى الناقد والروائي السوري هيثم حسين أن مرحلة المراهقة محمّلة بالتعقيدات بقدر ما توحي به من بساطة أحيانا، فالمراهق الخارج من قوقعة الطفولة يبحث عن اعتراف من قبل من هم أكبر منه سنّا، يشعر بأنّه جدير بالانتساب لمرحلة الشباب أو الرجولة، لكنّه يلقى صدّا غير مقصود، وما يمكن توصيفه من قبله بأنّه إنكار لحضوره، ما يبقيه في حيرة، ويشحن شخصيته بالمزيد من القلق المتجدّد الذي يستقي ديمومته من ممارسات المحيطين به وأفكارهم عنه.

وإن كان الأدب قد قارب ثيمة المراهقة من زوايا مختلفة فإن غالبية من كتبوها كانوا كتابا كبارا يتذكرون، ومن النادر أن نجد من هو مراهق ليكتب عن ذاته وتمثلاته لتلك الفترة الصعبة والمحورية في حياة كل فرد.

وفي هذا الصدد تشتغل الكاتبة الجزائرية الشابة تقوى بلقيس حنشي، في عملها السرديّ الأول الصادر عن دار الألمعية، بعنوان “هذا أنا”، على ثيمة المراهقة التي تُمثّل المرحلة العمرية الأكثر حساسية في حياة الإنسان.

وتحاول هذه الطالبة، على الرغم من صغر سنّها، أن تحفر عميقا في الآثار النفسية والشعورية التي تحفل بها فترة المراهقة، إذ تأخذ بيد القارئ لتسافر به بين ثنايا هذه المرحلة الخطرة، بكثير من المتعة السردية. وتقول “هذا أنا” دون وجل أو خوف من سلطة الرقيب الاجتماعي.

ويؤكد هيثم حسين أنه بعيدا عن التعريفات المدرسية التي تحاول تقييد المراهق وقولبته، فإنّ مرحلة المراهقة تنفتح على عوالم رحبة غاية في الشساعة والاتساع والعمق، وذلك عبر ذاك التداخل الطبيعي بين الطفولة والرجولة بالنسبة للفتى، وبين الطفولة والأنوثة بالنسبة للفتاة، بحيث أن كلا منهما يشعر بأنّه يقدم أوراق انتسابه واعتماده لشريحة طالما شعر بتفوّقها أو تقدّمها عليه، في حين يسكنه حنين لمرحلة يكون على أهبة توديعها والخروج من قيودها، وذلك مع ما يرافق التغيير من اختلافات ومفارقات وصدمات.

الكاتبة تقوى بلقيس حنشي ترصد الكثير من كيمياء المشاعر التي اختلطت في أعماق نفسها.

فلا يخفى أنّ المراهق يعيش قلقا من ناحيتين، ينتابه شعور بالنبذ والتغريب ممّن هم أصغر منه وممّن هم أكبر، يكون حائرا في الانتماء، وباحثا عن صيغة ليبلور بها هويّته وشخصيّته، يمر بمرحلة اكتشاف للجسد، وتعرّف إلى خبايا عوالم الجنس الآخر، وقد يمرّ بمنعطفات خطيرة وينحو باتّجاهات متشدّدة، لأنّه يكون أرضا خصبة لامتصاص الأفكار وتقمّص الشخصيّات التي يعجب بها، أو يجد فيها أمانا آنيّا أو قدوة متوقّعة وهو ما نجده في كتاب “هذا أنا”.

وتسعى الكاتبة الشابة إلى أن تكون روايتها بمنزلة مرفأ للذكرى بالنسبة إلى كلّ البالغين الذين تجاوزوا فترة المراهقة بسلام، كما تسعى، في الوقت نفسه، إلى أن يكون عملها السرديُّ “خارطة طريق” نموذجية بالنسبة إلى كلّ المراهقين الذين يحاولون الخروج من هذه الفترة بأقلّ الخسائر النفسية والشعورية الممكنة.

وترصد الكاتبة الكثير من كيمياء المشاعر التي اختلطت في أعماق نفسها لتُفرز هذا التحوُّل الذي دفعها إلى تأليف كتابها حول المراهقة، وهي لا تتردّد في التعبير عن خيبة أملها في وداع طفولتها، بمزيج غريب من المشاعر، يختلط فيه الشكُّ بعدم الاستقرار الفكري والأخلاقي والاضطرابات النفسيّة.

كما تُعبّر حنشي، في الوقت نفسه، عن تلك الضبابية، وعدم الوضوح الشعوريّ الذي يمسّ هوية المراهق وهي التي لم تنضج بعد، وما تزال خارجة للتوّ من مرحلة مراهقة عاصفة.

وتفتح المؤلفة، بأسلوب مباشر، أمام القرّاء، كلّ أبواب هذه المرحلة بحثاً عن اتّجاهات الخلاص، والطريق الأفضل الذي يجب اتّباعه. ومع ذلك، فهي لا تُنكر أنّها تقف عند مفترق طرق، ولا تعرف أيُّها يُمثّل سبيل النجاة، وكأنّها تقف في منطقة رمادية، تُميّزها الضبابية، كلحظة فارقة، لكنّها المكان الذي يتعيّن على الجميع فيه اختيار خطوات مصيرهم.

وتؤكد حنشي أنّها استلهمت فكرة هذا العمل السرديّ من فترة العزل الصحّي التي قضتها في البيت العائلي، حيث بدأت كتابة فصول هذا العمل، دون أن تقول كلمة لمن حولها، ولا حتى لوالديها، وشيئاً فشيئاً، فاجأت الجميع بإتمام الكتاب قبل أن تقرّر الدفع به إلى المطبعة للنشر.

وتقول في تقديم هذا العمل الأدبي “إذا أردتُ أن أصف الكتاب في جملة، يُمكنني القول إنّها رحلة مراهقين في صحراء قاحلة، وجدوا التل بعد معاناة”.

15