هذا الاختراع الجديد المدعو بـ"الأمن الفكري"

الخميس 2013/11/28

مرارا وتكرارا يقوم أهل السلطة ببلداننا باختراع تقليعة جديدة للاستهلاك الشعبي ويقدمونها لنا بجرعات محسوبة بدقة. ففي الثمانينات من القرن الماضي اخترع هؤلاء تقليعة "الغزو الثقافي" الأجنبي لبلداننا، وبخصوص ذلك وباسم شعار جبهة الرفض والتصدي لآفة هذا الغزو المرفوع انعقدت مئات الندوات والأيام الدراسية، سميت مرَة بالندوات الوطنية ومرة بالدولية وصرفت عليها مبالغ خيالية اقتطعت من أموال مواطنينا المفقَّرين لحد البشاعة.

بمجرد انتهاء هذه الجرعة تم اختلاق بعبع آخر سمي بالشركات متعددة الجنسيات الرأسمالية، وطلب منا أن نؤمن إيمان العجائز أنها الشيطان الغربي الأكبر الذي سيقلب الطاولة على الخيار الاشتراكي في قرانا، وأنه الخنَاس الذي سيوسوس في صدور مدننا ويدمّر هوياتنا. لكي يصدق مواطنونا هذه "الماركة" أطلق المنفذون في دواليب السلطة ببلداننا العنان لوسائل الإعلام لتعلن صباحا ومساء وبدون توقف عن خطر "عفريت" الشركات العابرة للنسل الوطني، وأوهمتنا كثيرا وحتى ملَت جلودنا أن مقاومة هذا العفريت هي المنقذ من ضلال التبعية للمراكز الغربية.

وها نحن نجد الجهة ذاتها تقول لنا بأن عفريت الاشتراكية هو عدونا الاستراتيجي. وفي السنوات الأخيرة قد تم تفريخ سلسلة من الاختراعات الأخرى من بينها ما دعي بــ "سونامي" العولمة، أو اللقاح اللغوي الأجنبي الكافر للأمن اللغوي المؤمن، وها نحن الآن نسمع عن ابتكار جديد سجله حكامنا في ذمة البنك الدولي المكلف بحافظ أختام حقوق تأليف الابتكارات ولقد سموا هذا الابتكار بـ" الأمن الفكري". إن هذا الاختراع الجديد يسوَق له الآن إعلاميا وأكاديميا.

إنه يبدو أيضا أن هذا المولود الجديد سوف تصرف على الندوات والمهرجانات التي تخصص له ملايين الدولارات التي ستبتلعها تذاكر الطائرات التي ترسل إلى المحاضرين والمنشطين، وعلى فنادق الشيراتون والمرديان التي تأوي هؤلاء النابهين وجهابذة عصرهم. ها نحن نرى الآن وفي وضح النهار انقلابا كليا على شعار المساواة في الماء والكلأ والنار الذي رفع سابقا في عهد الاشتراكية فوق المباني والمآذن. وفي الوقت ذاته صرنا نسمع حتى في المساجد خطبا تمدح السلوك الحميد للرأسمالية ويصلى لها في أيام الجمعة وتبشر بدخول الجنة مع المؤمنين والمؤمنات.

في هذا المناخ العجيب حوَلت الشركات متعددة "الأعراق" إلى نوادي الغفران من ذنوب ارتكاب المعصية الكبيرة التي ارتكبها اليسار الماركسي. في هذا المناخ أمر حكامنا بتذكير المواطنين الغفل بأنهم رأوا في الرؤيا أن سفينة نوح الرأسمالية سترسو بنا على جبل "أرارات" الحداثة بعيدا عن طوفان التخلف المحدق بنا.

ولكي تتحقق معجزة التنمية الثقافية وتحديث العقول وحمايتها من آفة الذهول سمحت السلطات التي لا تنطق عن الهوى للهوائيات المقعرة لتنصب بالملايين وخاصة على شرفات البنايات الحكومية، وفي مقدمتها وزارات الشؤون الدينية ومديريات الأوقاف لتيسّر للأمة التمتع بمباهج مسلسلات وأفلام الخلاعة لكي يساهموا ولو بمثقال ذرة يحسب لهم في يوم القامة، في جبر الخصور لجعلها أشبه بخصور الزرافات التي لا يلحقها الجمود و الهمود.

إنه يبدو واضحا أنَ المقصود بهذا " الأمن الفكري" المخترع هو الشروع في إعداد سياسات تمنع التفكير إلا في ما تراه السلطة " نافعا" للأمة حتى لا يحصل الوقوع بالأبرياء في شرك تأويل العامة له وهو ما نهى عنه يوما المغفور له ابن رشد في كتابه " فصل المقال في ما بين الحكمة و الشريعة" حين نصح بعدم السماح إلا لأهل التأويل من خاصة الخاصة، وبهذا الشأن أفتى حكامنا أن الواجب الشرعي لمهمة العامة وعامة العامة تتلخص في الانصياع لتأويل خاصة الخاصة التي قيل عنها بأنها الفئة القليلة التي تغلب إلى الأبد فئة الشعب الكبيرة وأن كل ما يخالف فتواها باطل وقبض الريح.

14