هذا الجدل حول تشرشل

الأفلام لا يتم تقييمها حسب مزاجنا الشخصي، ولا طبقا للتيار الفكري الذي ننتمي إليه، بل يتم تقييمها وتقويمها من داخلها.
الأربعاء 2018/04/04
تشرشل "شخصية لا نحبها"

منذ عرض فيلم “أحلك الساعات” Darkest Hours والجدل لا يتوقف: هل هو فيلم جيد أو رديء، ممتع أو ممل، فيلم تمثيل أم فيلم تمثيل وإخراج، هل يستحق بطله الممثل البريطاني الموهوب غاري أولدمان جائزة الأوسكار التي فاز بها، أم كان الأولى أن تذهب إلى غيره؟ وكلها تساؤلات طبيعية يمكن الخلاف حولها.

إلاّ أن أبعد ما لم يكن متوقعا أن يصبح الحكم على الفيلم ومستواه الفني مرتبطا بشخصية تشرشل نفسه، فقد أخذ البعض يتساءل: كيف يمكن الاحتفاء بفيلم يصوّر شخصية “إمبريالية” لزعيم غزا وقتل وجوّع واضطهد الكثيرين في بلدان مختلفة قبل وبعد الحرب العالمية الثانية، بل وهناك دوره المباشر في قصف مدينة درسدن الألمانية بالقنابل الحارقة، ممّا أدى إلى مقتل نحو 90 ألفا معظمهم من الشيوخ والنساء والأطفال.

نعم كان تشرشل زعيما استعماريا، ولم يكن رحيما على سكان المستعمرات، لكنه كان في الوقت نفسه زعيما تاريخيا لبلاده، جاء بانتخابات ديمقراطية حرة، وقاد بلاده للنصر في الحرب العالمية الثانية بحكمته وبعد نظره وقيادته الحكيمة، هذا ما يراه الشعب البريطاني في غالبيته العظمى جيلا بعد جيل، رغم وجود بعض الأصوات التي ترى أن تشرشل تسبّب بتحالفه مع الأميركيين في ضياع الإمبراطورية البريطانية، وأن الرئيس الأميركي روزفلت ضحك عليه، ونجح في جعل بلاده ترث المستعمرات البريطانية.

كل هذا قد يكون صحيحا، لكن لا أحد يدين عملا فنيا لمجرد أنه يتناول شخصية لا نحبها نحن أو نراها شخصية استعمارية، فهذا المنهج في التعامل مع الأفلام أصبح اليوم متهافتا، بل ومثيرا للسخرية، فالحكم على الفيلم يجب أن يستند أساسا، إلى مستواه الفني وليس إلى اتفاقنا أو اختلافنا مع نهجه الأيديولوجي، فقد يترحّم فيلم ما على عصر الأرستقراطية ويُدين الثورة الفرنسية مثلا، كما فعل المخرج الفرنسي الراحل إريك روميرفي في فيلم “السيدة والدوق”، أو حسب عنوانه الفرنسي “الإنكليزية والدوق” (2001).

وعلى الجانب الآخر قد يتناول الفيلم إيجابا، ويعلي من شأن شخصية “تقدمية” نجلها جميعا، لكنه لا يرقى إلى مستوى الأعمال الفنية المرموقة في تاريخ السينما.

تشرشل بالطبع ليس هو الفيلم، كما أن الفيلم ليس هو تشرشل، فالفيلم هو عمل خيالي، يرصد ويتأمّل لحظة ما من التاريخ، تاريخ الشخص وتاريخ بلده، بل وتاريخ أوروبا والعالم.

كيف عاد تشرشل إلى رئاسة الحكومة بعد أن كان قد أقصي من زعامة حزب المحافظين؟ وماذا كان شعوره؟ وهل كان شخصية صلبة لا تعرف القلق أو الاضطراب، أي شخصية حديدية كالشخصيات التي اعتدنا عليها في الأفلام التي أنتجت في الاتحاد السوفييتي في زمن ستالين بدعوى الالتزام بما سمي “الواقعية الاشتراكية”، أي واقعية جدانوف، نسبة إلى أندريه جدانوف عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي؟

كيف واجه تشرشل خصومه السياسيين من داخل حزبه؟ وكيف كانت علاقته مع زوجته في تلك الفترة؟ وهل كان مدمنا على الخمر؟ وكيف كان يتعامل مع أعضاء وزارة الحرب التي شكّلها؟ وكيف تمكن في النهاية من إقناع مجلس العموم الذي كان معاديا له بأفكاره وسياسته التي تقضي بمواجهة هتلر وليس احتوائه؟

هذا ما كان يشغل صناع الفيلم، وليس دور تشرشل في ما بعد في إدارة الإمبراطورية، أو مقاومة التغيير الحتمي الذي كان ينتظرها بعد “إفلاس” بريطانيا بسبب الحرب واعتمادها على الدعم الأميركي، ربما حتى يومنا هذا.

لكن من الخطأ مهاجمة الفيلم لمجرّد أنه يتناول شخصية لا نحبها، فالأفلام لا يتم تقييمها حسب مزاجنا الشخصي، ولا طبقا للتيار الفكري الذي ننتمي إليه، بل يتم تقييمها وتقويمها من داخلها، أي من خلال فحص وتحليل عناصر الفيلم الفنية وكيفية التعبير عن الفكرة التي يتناولها لا عن الأفكار التي تشغلنا نحن، فليس من الطبيعي أن نُهيل التراب على عمل يصوّر بإعجاب عالم الأثرياء بدعوى أنه تجاهل ظلم الأثرياء للفقراء.

16