هذا الساحر كم هو مبهر

اليوم قد يكون هازارد "عريس" روسيا الجديد، قد يكون المتوج الجديد، فما قدّمه إلى حد الآن يجيز له أن يحلم بكل ثقة في أن يحقّق حلم 16 سنة من الانتظار.
الأحد 2018/07/08
هازارد سحب البساط من نيمار ومن الجميع

ربما يمكن لعام 2002 أن يبقى عالقا في أذهان صنّاع الكرة وروادها في بلجيكا، ففي ذلك العام شارك منتخب “الشياطين الحمر” في منافسات كأس العالم بكوريا الجنوبية واليابان، تمكن من تجاوز الدور الأول قبل أن يصطدم في الدور الثاني بمنتخب برازيلي قوي و”شرس” أنهى تلك المواجهة لفائدته على حساب منتخب بلجيكي افتقد مقومات المنافسة القوية.

في تلك السنة التي شهدت إخفاقا منتظرا في المونديال، بدأت الصحافة المحلية تبحث مع القائمين على تطوير الكرة البلجيكية عن السبل الكفيلة كي تصبح بلجيكا ضمن مصاف النخبة يوما ما، ومن المصادفة أن بعض الصحف بدأت تتحدث عن ظهور جيل جديد من اللاعبين الصغار الموهوبين.

لقد نبهت هذه الصحف إلى ضرورة العناية بهم وتسهيل الدرب أمامهم كي يحترفوا ويطوروا قدراتهم علّهم يقدرون مستقبلا على إعلاء راية منتخب “الشياطين”، لقد أفردت صحيفة بلجيكية ذات مرة في ذلك العام عددا كاملا للحديث عن بعض اللاعبين الذين لم تتجاوز أعمارهم 12 سنة، قالت هذه الصحيفة إن هؤلاء اللاعبين يحملون “جينات” النبوغ والموهبة الفذة، وتكهنت بقدرتهم على البروز بشكل رائع في المستقبل.

لقد صدقت هذه التكهنات، فبعد أن تم التخطيط لكل شيء وتم إيلاء العناية اللازمة بهؤلاء اللاعبين الصغار، الذين أصبحوا اليوم لاعبين كبارا، بل باتوا في المراكز الأولى ضمن صفوة نجوم الكرة العالمية.

هل تعلمون من كان منذ 16 سنة ضمن قائمة اللاعبين الواعدين الذين تحدثت عنهم الصحيفة البلجيكية؟ كان هناك روميلو لوكاكو وديرييس ميرتينس وكيفين دي بروين وفانسون كومباني وكذلك إيدين هازارد.

لقد صحت التوقعات، وبات هؤلاء الأطفال لاعبين رائعين يشار إليهم بالبنان، لقد نجحت التجربة البلجيكية في تكوين المواهب والناشئين، فحق لها اليوم أن “تثأر” من “كتيبة” البرازيل، فعبثت بها و”بعثتها” (أرسلتها) في أقرب طائرة متوجهة من روسيا إلى البرازيل.

لكم أن تتصوروا أن هذا المنتخب البلجيكي الذي لم يحقّق في السابق أي نتائج تاريخية ضمن منافسات كاس العالم سوى الوصول إلى نصف النهائي في دورة المكسيك سنة 1986، بات اليوم أقرب من أي وقت مضى لتسجيل اسمه ضمن قائمة المتوجين باللقب العالمي الأغلى، والفضل في ذلك يعود إلى جيل ذهبي ورائع بأتم معنى الكلمة سيخلده التاريخ الكروي لهذا البلد.

هذا الجيل يضم لاعبا ساحرا ومميزا للغاية، هو نجم علا إلى أبعد نقطة في السماء فأضاء بنوره في سماء مدينة قازان الذي احتضنت معركة بلجيكا والبرازيل في قمة لقاءات الدور ثمن النهائي لهذا المونديال الروسي.

إنه بلا شك ذلك الأنيق صاحب القميص رقم عشرة مع منتخب “الشياطين الحمر” إيدين هازارد، لقد فعل كل شيء، رقص وتراقص لعب وتلاعب، تمتع وأمتع، وقدّم واحدة من أفضل العروض الكروية في هذا المونديال، حقّ له أن ينافس على لقب جائزة اللاعب الأفضل والأكمل.

هذا الساحر كم هو مبهر، لقد انتزع النجومية من الجميع، ربما ساد الاعتقاد أن نيمار سيكون صاحب الكلمة الفصل ويحقّق أماني كل البرازيليين ويقود منتخب بلاده إلى تخطي نكسة المونديال الماضي، ويساهم في حصوله على اللقب العالمي الذي غاب عن منتخب “السامبا” منذ دورة 2002، لكن كان لهازارد رأي آخر.

لقد سحب البساط من نيمار ومن الجميع، كان النجم في تلك الليلة، كان فارس ملحمة قازان، قدّم أفضل ما لديه وساهم بشكل كبير للغاية في ذلك الفوز التاريخي، لقد أراد أن يؤكد أن هذا المونديال هو موندياله، أراد أن يؤكد للعالم بأسره أن النجومية لم تعد بعد اليوم حكرا على رونالدو وميسي ونيمار، ففي البحر الكثير من اللآلئ وفي أفق السماء الممتدة مكان رحب يتسع لكل النجوم.

ما يحصل لهازارد في المونديال بدا وكأنه سيناريو مكرر لما حصل مع إينييستا في مونديال جنوب أفريقيا سنة 2010، ففي تلك البطولة كان “الرسام” الإسباني نجما “خرافيا” ومبدعا إلى درجة الكمال، ساهم بفضل إبداعاته ولمساته الساحرة في قيادة المنتخب الإسباني إلى الحصول على اللقب العالمي لأول مرة في تاريخه.

لقد كان الأفضل في البطولة رغم وجود ميسي ورونالدو وبقية نجوم الصف الأول، لكنه استأثر لنفسه بكل التألق واستحوذ على لقب “الملك” في تلك البطولة.

اليوم قد يكون هازارد “عريس” روسيا الجديد، قد يكون المتوج الجديد، فما قدّمه إلى حد الآن يجيز له أن يحلم بكل ثقة في أن يحقّق حلم 16 سنة من الانتظار، ما قدّمه يشفع له أن يكون الأفضل، عروضه المبهرة الساحرة ستقوده بلا شك إلى التقدّم أكثر في هذه البطولة.

قطعا ليس من السهل على أي منتخب أن يحقّق العلامة الكاملة في الدور الأول ويفوز في كل مبارياته، من الصعب أيضا أن يعود من بعيد ويحقّق “ريمونتادا” تاريخية في مباراة إقصائية ضمن الدور ثمن النهائي ضد منتخب ياباني قوي ومتحمس للغاية، ومن شبه المستحيل التغلب على منتخب برازيلي يضم “ترسانة” من اللاعبين المميزين.

لكن من يملك هازارد يملك الميدان ويستحوذ على المكان، هكذا يبدو حال المنتخب البلجيكي الذي آمن القائمون عليه أن تشييد بنيان مرصوص ينطلق حتما من القاعدة، كسروا كل شيء ومنحوا الثقة لهذا الجيل المتقد حماسا بقيادة نجم ساحر اقترب من كسر احتكار ميسي ورونالدو لجائزة الأفضل في العالم، إنه ذلك الساحر هازارد.. كم هو مبهر.

23