هذا العالم ما ضميره؟..

الأحد 2014/03/02

في فيلم ” طائرة الرئيس Air Force One) ” 1997)، يقوم الممثل الأميركي هاريسون فورد بتمثيل دور الرئيس الأميركي الذي يذهب إلى موسكو لحضور حفل تكريم له بمناسبة القضاء على نظام الحكم الشيوعي المستبد في كازاخستان، والقبض على رئيس النظام ” راديك ” وزجه في السجن تمهيداً لمحاكمته بجرائم ضد الإنسانية، وهو الذي قضى على أكثر من مئتي ألف من السكان، من النساء والأطفال والشيوخ في معظمهم، خلال سنة واحدة من البطش وسفك الدماء.

صعد الرئيس إلى منصة الخطابة لإلقاء كلمته المعدة سلفاً من قبل المختصين في مكتبه ومستشاريه بطبيعة الحال، كأي رئيس أو حاكم في هذا العالم، ولم يكن متوقعاً أن تكون هناك أيّة مفاجآت في الخطاب، مجرد مجاملات وحديث عام عن الصداقة الروسية الأميركية، والتحالف في الحرب ضد الإرهاب والاستبداد، وشجب امتهان حقوق الإنسان ومبادئ الحق والعدالة، وغيرها من مبادئ سامية في جوهرها ولكنها لا تتجاوز الورق الذي كُتبت عليه في نهاية المطاف، كأي خطاب لرئيس أميركي أو غير أميركي، وليس من الضروري أن يعكس السياسة الفعلية للدولة، بل مجرد كلمات للاستهلاك العام.

ولكن فريق الرئيس يفاجأ بالرئيس وهو يتحدث عن شيء مختلف تماماً عما هو متفق عليه، وبنبرة وجدانية عالية أثارت حماسة وعاطفة ضيوف الحفل فصفقوا له طويلاً، إلا أن فريق عمل الرئيس أُصيب بالحرج لمضمون خطاب لم يكن لهم يد في إعداده أو الوعود التي تضمنها، ولا يتوافق مع ما هو مرسوم من سياسة فعلية يعتقدون أنها تخدم المصلحة القومية الأميركية .

قال الرئيس ” هاريسون فورد” في خطابه أن مجزرة نظام الطغيان في كازاخستان كانت تحدث أمام العالم لأكثر من عام، دون أن يُحرّك هذا العالم ساكناً، وخاصة الولايات المتحدة بصفتها القوة العظمى في العالم، والقادرة لوحدها دون بقية العالم على التدخل لإنقاذ حيوات أكثر من مئتي ألف إنسان بريء قضوا على يد النظام، فيما كان الجميع، وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأميركية، تختبئ وراء الدبلوماسية الناعمة والمنمقة، غير عابئة بما يجري من سفك لدماء الأبرياء”، ولم تتحرك إلا عندما أيقنت أن أمنها القومي أصبح مهدداً بما يجري في كازاخستان، وإلا لبقيت ساكنة دون حراك، متابعة من على مقاعد المتفرجين، ولتذهب الأرواح البريئة إلى الجحيم، فكيف نجرؤ على ذلك؟”، يتساءل الرئيس.

ويواصل الرئيس “هاريسون فورد” خطابه بالقول إن الموتى لا ينسون، والسلام الحقيقي لا يعني غياب الصراع وانتهاء الحروب فقط، بل إن جوهره هو تحقيق العدل واحترام حقوق الإنسان. ولذلك، يواصل “الرئيس”، فإن سياسة الولايات المتحدة سوف تتغير من الآن وصاعداً لتكون ركيزتها هي الأخلاق وحقوق الإنسان، وليس مجرد المصلحة القومية للولايات المتحدة.

كلام في غاية الجمال، ولكنه يتوقف عند هذا الحد، ثم يتواصل فيلم “الأكشن” هذا لتصوير الجبروت الأميركي في التعامل مع الإرهاب الذي تمثل في اختطاف طائرة الرئيس من قبل مؤيدين لطاغية كازاخستان في محاولة لتحريره من سجنه، وتصوير الرئيس الأميركي بصورة “السوبرمان” الذي لا يقهر، ومحاولته إنقاذ عائلته ومرافقيه وأميركا والعالم قبل التفكير بنفسه، دفاعاً عن الحق والعدل والحرية، حسب التصور الأميركي، أو Truth, Justice and the American Way، وهو ذات الشعار الذي كان يزين مجلة “سوبرمان”، تلك المجلة التي كنا نقرأها صغاراً، مستمتعين بمغامرات الرجل الجبار، وقواه الخارقة التي تمكنه دائماً من الانتصار على ” الأشرار” في النهاية، الذين هم الخارجون على العدالة، والمعادون للقيم السامية من حرية وحق، وفق الأسلوب الأميركي في العيش بطبيعة الحال.

الفيلم، كمعظم الأفلام الأميركية من هذا الصنف، هو نوع من ” البروبغاندا ” الأميركية التي كانت تخلب ألباب المشاهدين في الشرق والغرب بحديثها عن “الحلم الأميركي “، وكان لها دور كبير في التسلل إلى وعي الكثير من شعوب الكتلة الشرقية السابقة، الذين هبوا في ثورات جماعية أسقطت المعسكر الاشتراكي السابق، لظروف متعددة وليس بسبب البروبغاندا الأميركية حصراً.

ولكنها لم تعد بذاك التأثير اليوم، بل يكاد هذا التأثير شبه معدوم، بعد أن ” تأمرك ” العالم حقيقة في أسلوب معيشته من نواح كثيرة، بالرغم من انتشار كراهية أميركا في أرجاء كثيرة من عالم اليوم، وبعد تعدد وسائل الاتصال الحديثة التي أصبحت كفيلة بنقل الحقيقة عارية دون رتوش أو تزويق، والأهم من ذلك كله، بعد أن تكشف للعالم زيف كثير من هذه المبادئ التي تروج لها الولايات المتحدة، لا لعيب في تلك المبادئ السامية من حرية وعدالة ومساواة، ولكن لعيب في السياسة الأميركية التي تختفي وراء هذه المبادئ لتحقيق المصلحة القومية الأميركية فقط، وذلك بالطبع كما يتصورها القابعون وراء المكاتب المغلقة في البيت الأبيض والكابيتول هيل ولانغلي.

الفيلم خيالي بطبيعة الحال، وإن لم يكن خيالياً تماماً، فالحديث عن كازاخستان و” راديك ” الطاغية هو أقرب إلى الحقيقة منه إلى الخيال لو نظرنا إلى كثير من أحداث وواقع الكثير من دول العالم اليوم، ولكن الرئيس الفعلي للولايات المتحدة لا يُحرك ساكناً، فينتفض غضباً وأسى باسم عذابات ومعاناة البشرية في ظل الأنظمة الدموية، كما انتفض الرئيس الخيالي ” هاريسون فورد” في موسكو، للمجازر الحقيقية التي تجري في العالم، بل هو قابع في مدرجات المتفرجين متابعاً، وكأنه يتابع مباراة شيقة في كرة القدم الأميركية على “السوبر بول “.

فمثلاً، دخلت القوات الأميركية إلى العراق وأسقطت النظام الدموي للرئيس العراقي صدام حسين، وباسم الحرية والتحرير ونشر الديمقراطية التي تقوم على المساواة بين مواطني البلد الواحد، فماذا حدث بعد ذلك؟

لقد انسحبت من العراق وهو في أمس الحاجة إليها، وتركته لقمة سائغة للطائفية والفساد والهيمنة الإيرانية، وربما كان ذلك مقصوداً بعيداً عن مبررات الغزو. لقد دخلت أميركا إلى العراق بدافع من “المصلحة القومية“، وحفاظاً على ”الأمن القومي” الأميركي، وخرجت لذات الأسباب والدوافع.

أما ما يجري بعد ذلك للإنسان العراقي، فهو غير ذي بال طالما كانت النتيجة هي الأمن الأميركي، حتى لو أدى ذلك إلى التحالف مع إيران الملاّلي، وتقديم التنازلات لها، كما هو حاصل اليوم، أو كانت الطائفية هي المتحكمة في السياسة والمجتمع العراقيين، أو كان الفساد المستشري هو عنوان الدولة العراقية.

وفي سوريا، وعلى سبيل المثل لا الحصر أيضاً، فإن هناك مجزرة دموية يومية تُرتكب بحق شعب ليس له من جريمة سوى أنه يبحث عن حياة إنسانية لائقة بأدنى درجاتها، في ظل نظام استبدادي دموي شرس قيمة الإنسان لديه أضأل من القطمير. في فيلم ” طائرة الرئيس “، كان تأنيب الضمير لدى الرئيس الأميركي المفترض في أقصى حالاته، لأن أكثر من مئتي ألف إنسان قتلوا بدم بارد خلال سنة واحدة في ظل نظام “راديك “، والسوريون اليوم يعانون للسنة الثالثة من مجازر يومية تجاوز ضحاياها من القتلى المئتي ألف وربما أكثر من ذلك بكثير، ناهيك عن المهجرين والأرامل والثكالى والأيتام والمبتورة أطرافهم، والذين يصلون إلى الملايين من البشر، فماذا فعلت أميركا؟ بل وماذا فعل العالم؟

بكل بساطة لا شيء، وكأن من يُقتلون أو يُعانون هم مجرد فصيلة من الحشرات لا تثريب على العالم لو تركهم لمصيرهم الدموي المحتوم. في البداية، فردت أميركا عضلاتها وشجبت واستنكرت وهددت، فإذا الأيام تمر ولا شيء يبدو في الأفق. وبعد كارثة الكيميائي، هددت وتوعدت ثم تريثت ” لتقصي الحقائق “، وبعد أن تبينت الحقائق، دخل الجميع في دهاليز الدبلوماسية، وتحولت القضية الرئيسة إلى قضية سلاح كيميائي وكيف يمكن تدميره، ولن يُدمر في النهاية، وإمكانية حل القضية سلمياً بالاتفاق وأساليب الحوار الهادئ، والانتقال من جنيف واحد إلى جنيف اثنين، رغم أن المسألة واضحة وضوح شمس صحارى العرب الحارقة: نظام لا يقبل المساومة على سلطانه المطلق، وشعب يُباد إبادة الذباب، ويجزر جزر النعاج في يوم عيد. وإن كانت الولايات المتحدة ملامة هنا، فإن كل العالم ملام أيضاً، وخاصة ” علية القوم ” في هذا العالم.

روسيا ملامة وكذلك الصين والاتحاد الأوروبي، أما أكثر البقية من هذا العالم فلا حول لهم ولا قوة إن كانوا من المشفقين، أو أنهم مشغولون بالحفاظ على أنفسهم وأنظمتهم تجاه مستقبل قد لا يعد بالخير، أو أنهم مثل “علية القوم ” يرون أن أمنهم القومي ومصلحتهم القومية تستوجب بقاء الحال كما هو، فالتغيير قد لا يجلب إلا الشرور لهم، وليذهب الإنسان المعذب إلى مصيره المحتوم، أو قدره المحتوم، ففي النهاية لا راد لقضاء الله، وهي كلمة حق أُريد بها باطل، وهو دائماً عذر من لا عذر له.

وعودة إلى الفيلم، وبعيداً عن ”الأكشن” واستعراض العضلات الأميركية، فإنه يطرح سؤالاً مؤرقاً حقيقة عن مصير هذا العالم، بل عن مصير إنسان هذا العالم، في ظل تحكم المصالح الضيقة للأمم، وخاصة الأمم العظمى اليوم، بالسياسة القومية الضيقة لكل دولة.

هناك رسالة أخلاقية يتضمنها هذا الفيلم، بقصد أو بغير قصد، مفادها أن العالم إذا بقي أسير مصالحه القومية الضيقة فقط، وكما تتصورها قلة من البيروقراطيين راسمي هذه السياسة، فإنه في النهاية إلى الجحيم يسير، أو إنه إلى الجحيم يُقاد. فنعم، المصلحة القومية لأي بلد، بعيداً عن جدل ماهية هذه المصلحة ومن يُحددها، هي حجر الرحى الذي تتركز حوله سياسة الدول في عصرنا الراهن، وهي روح القوانين، إن صح التعبير، الذي منه تنبثق قواعد اللعبة الدولية، وحجر الأساس الذي عليه تُبنى بقية الأحجار، ولكن أن يكون هذا هو واقع الحال فلا يعني ذلك أن يكون هو نهاية المآل، إذ لو سلمنا بمثل هذا الأمر، لما كان للإنسان دور ولا تاريخ، ولكننا اليوم نقبع في كهوف الإنسان الأول، ولكن ميزة الإنسان أنه فاعل ومتطلع وحالم، ولأجل ذلك جعله الخالق خليفة له في أرضه.

فالكل يتحدث عن السلام مثلاً، ولكن السلام في ظل “المصلحة القومية ” فقط، وهي مصلحة لا ترى إلا بعين واحدة، ومن خلال ثقب إبرة فقط، هو سلام قائم على التوازن المؤقت دائماً: توازن القوى، توازن الرعب، توازن الهيمنة، وهو توازن هش وضعيف وقصير مهما طال مداه. فتوازن القوى لم يفد أوروبا القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين كثيراً، إذ لم يلبث أن انهار وقامت حرب عالمية حصدت أرواح الملايين من البشر، ثم تلتها حرب أخرى حصدت أرواح عشرات الملايين من البشر، غير ذاكرين هنا كل تلك الخسائر المادية التي لو سخر بعض منها لغايات غير الصراع لكانت أجدى في تحقيق السلام وقيم إنسانية أخرى.

وتوازن الرعب والحرب الباردة بين اتحاد السوفيت والولايات المتحدة، وسباق التسلح المحموم الذي ساد أيام الصراع على النفوذ والموارد بين ” ديكيْ ” العالم المسلحين بشفرات نووية، كل ذلك لم يؤد إلى سلام دائم، فانهار الاتحاد السوفيتي، ودخلت أميركا في مغامرات عسكرية، وعانت في داخلها من ضربات قاتلة لأول مرة في تاريخها منذ الهجوم الياباني على ” بيرل هاربر ” في أوائل الأربعينات الميلادية وبدايات الحرب العالمية الثانية، وأدخلت غيرها في مجابهات دموية، للحفاظ على مركزها بصفتها القوة الأوحد في عالم ما بعد انهيار السوفيت.

الكل يتحدث عن السلم والسلام، والكل يتمنى أن يستظل الجميع بأغصان شجرة السلام، ولكن المشكلة أن الكل يُريد أن تكون هذه الشجرة له انطلاقاً من مبدأ المصلحة القومية والأمن القومي القاتل. الكل يتحدث عن المُثل والمبادئ وحقوق الإنسان، ولكن الكل يسلك مسلكاً مدمرا لمثل تلك المبادئ.

فهل مبادئ السياسة ” الواقعية ” حتم لا بد من السير في ركابه، أو قضاء لا بد من الاستسلام لخطاه؟ الجواب أنه ليس بالضرورة، ففي النهاية، إن كان قد بقي لهذا العالم عقل أو ضمير، فإن المصلحة القومية والأمن القومي لهذا العالم ودوله وكافة مؤسساته وأفراده، لن يتحقق إن بقي صراع المصالح القومية الضيق على حساب المصلحة الإنسانية الكبرى، التي هي ضمانة السلام الدائم، بل وكل القيم السامية المزروعة في أعماق الإنسان منذ الأزل، رغم وحشية هذا الإنسان على مدى تاريخه ” الحضاري ” الطويل.

يقول مفكر الجزيرة المتمرد عبدالله القصيمي، شمله الله بواسع رحمته التي وسعت كل شيء، في كتابه ” هذا الكون ما ضميره “، والذي استوحينا منه عنوان هذه المقالة، يقول: ” إن كل ما في الكون من جمال لا يستطيع أن يكون غفراناً أو اعتذاراً عن أية دمامة يعاني منها أي إنسان، لأن كل الجمال لن يستطيع أن يجعل دميماً واحداً يُشفى من دمامته، أو من شعوره بها، وأن يكون عزاء أو تعويضاً له عنها “.

وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع القصيمي في فكره وأفكاره، فإني أقول مستوحياً هذه الفكرة إن كل ما في هذا العالم من مصالح ومكاسب وهيمنة وسيادة ثمنها الدم وضحيتها الإنسان، لا يمكن أن تكون تبريراً لقطرة دم واحدة تسفك في سبيل أوثان المصالح الذاتية الضيقة، فما بالك بشعوب بأكملها، وأقوام بأسرها عانت وما زالت تعاني بسبب تلك الأوثان.

هل أنا حالم أو طوباوي النزعة حين أقول ذلك؟ ربما.. ولكن كل إنجاز بشري، وكل شيء جميل في هذه الحياة كان حلماً في البداية، وقد تتحطم الأحلام على صخور واقع حاد التضاريس، ولكن الصخور لا تبقى إلى الأبد، بينما يبقى الحلم ما بقي إنسان. فالحلم في النهاية سر الخلود، وجمال الحلم يبقى بعد أن يفنى الوجود.. مع الإعتذار لجبران.. هذا، ولتتحقق لكم الأحلام وتطيب لكم الأيام.

6