هذا المترجم السينمائي البديع

الأربعاء 2015/10/07

كتبت من قبل عن محنة ترجمة الكتاب السينمائي وتوقفت أمام المترجمين الذين يقدمون على ترجمة هذا النوع من الكتب، دون معرفة أو دراية حقيقية بفن السينما ومصطلحاته وأفلامه وأعلامه، مما يوقعهم في الكثير من الأخطاء الكارثية والمضحكة.

اليوم أتوقف أمام نموذج آخر مغاير، يتميز بالدقة والمعرفة والبراعة والأسلـوب الـرشيق البديـع الـذي يجعـلك تريـد أن تلتهم ما يتـرجمه التهـاما.

أكتب اليوم عن الشاعر والأديب وكاتب السيناريو والمترجم البحريني أمين صالح، الذي أثرى المكتبة العربية ببعض أهم ما صدر من كتب سينمائية، كما ترجم وأعدّ عشرات المقالات والدراسات عن أعمال ومساهمات عدد من أهم السينمائيين في العالم، وبوجه خاص من نطلق عليهم “المبدعين” السينمائيين، أي أولئك الذين يتعاملون مع الفيلم كرؤية فلسفية إبداعية، وليس كسلعة للتسلية.

ترجم أمين صالح “النحت في الزمن” الذي ضم كتابات المخرج الروسي الراحل المرموق أندريه تاركوفسكي، وهو كتاب لا تسهل ترجمته بسبب إحالاته الكثيرة إلى الشعر والأدب الروسي، وتأملات كاتبه الفلسفية والفكرية، ونظريته الخاصة في السينما التي لا تشبه أيا مما طرحه سابقوه.

وترجم أمين صالح أيضا أحد أهم الكتب السينمائية على الإطلاق، وهو كتاب آموس فوغل “السينما التدميرية”، الذي يسلط الأضواء على سينما الفن والتجريب التي تألقت في ستينات القرن الماضي.

ويعتبر كتابه “الوجه والظل في التمثيل السينمائي” موسوعة شاملة لا غنى عنها لكل من يفكر في العمل بالتمثيل في السينما، ولا يتميز الكتاب فقط بما بذله مؤلفه من جهد في العثور على المادة من بين آلاف المقابلات الشاملة المنشورة مع عدد من أشهر الممثلين في العالم، بل بأسلوبه السلس الممتع الذي يعكس فهما دقيقا للموضوع.

أعد أمين صالح وترجم أيضا كتاب “براءة التحديقة الأولى: عالم أنغلوبولوس السينمائي” عن أعمال المخرج اليوناني الراحل الكبير الذي يعتبره صالح عن حق “صوتا فريدا في عالم السينما، وواحدا من رموز السينما “الفنية” الحديثة، ومن أكثر السينمائيين أهمية وتميزا، وإثارة للجدل أيضا، في السينما العالمية المعاصرة”.

ولصالح أيضا كتاب شامل وشديد الأهمية عن السينمائي الإيراني الأشهر عباس كياروستمي، ويعتبر الكتاب الذي ترجمـه ويحمل عنوان “سينما فرنر هيـرزوغ: ذهـاب إلى التخوم الأبعـد” (سبق أن قدمنا له في “العرب”) مفتاحا أساسيا لفهم تجربة المخرج الألماني الشهير، كما أصدر كتاب “حوار مع فيدريكو فيلليني” الذي يضم حوارا مطوّلا أجراه -في بداية الثمانينات من القرن الماضي- الناقد السينمائي الإيطالي جيوفاني غرازيني مع فلليني، الذي يعد أحد أكثر المخرجين شهرة وتأثيرا في السينما العالمية.

يترجم أمين صالح حديثا المحاضرة التي ألقاها المخرج الألماني فيم فيندرز بعنوان “دفاعا عن المكان في السينما”. وفيها نقرأ باستمتاع “لم تعد الأمكنة شخصيات رئيسية في الأفلام، بالطبع هناك القليل من الأمثلة المتألقة والرائعة التي تهتم بالأماكن، لكن ليس ثمة قوانين بلا استثناءات.. في ما يتعلق بي، أرى أن فقدان المكان خاصية مفقودة في الأفلام، إنـه يأتي مع فقدان الواقع، فقـدان الهوية”.

ولعل من أجمل مزايا أمين صالح الذي يثري حياتنا السينمائية بهذا المستوى الرفيع من الترجمات التي لا تبدو مترجمة، بل مكتوبة من القلب، شدة تواضعه، فهو يميل إلى الابتعاد عن الأضواء، ولا يظهر في المهرجانات السينمائية العربية، بل يفضل أن ينكب على العمل ليفاجئنا بكتاب جديد ممتع، وفي قراءة ما يترجمه أمين متعة لا تعادلها متعة.

ناقد وكاتب سينمائي من مصر

16