هذا الموت العبثي

الأربعاء 2016/01/06

أتوقف طويلا أمام تلك المصائر العبثية التي تعرض لها عدد من ألمع وأشهر السينمائيين في العالم، وأتساءل: هل هو قدر مكتوب على هؤلاء أن يلقوا نهايات شبيهة بنهايات أفلامهم؟ وهل يختار البعض منهم وضع نهاية لحياته كما لو كان يخرج مشهدا سينمائيا يتصور أنه سيترك آثاره محفورة في ذاكرة التاريخ.. تاريخ السينما؟ وكيف يتلاقى القدر مع القرار الإنساني أحيانا ليصنع نهايات تراجيدية حزينة لشخصيات سينمائية مرموقة كانت تملأ الحياة بهجة وتألقا وتتيح لنا الفرصة للتأمل وبلوغ لحظات من النشوة الخاصة التي تنبع من روحانية الصورة وما تشع به من دلالات وصور وأفكار؟

قبل خمس سنوات، ألقى المخرج الإيطالي الكبير ماريو مونتشيللي بنفسه من شرفة غرفته في مستشفى سان جيوفاني بروما، حيث كان يعالج من سرطان البروستاتا. كان مونتشيللي، الذي يعرف بـ”ملك الكوميديا” في السينما الإيطالية، في الخامسة والتسعين من عمره، ولم يكن لديه أدنى أمل في أن يمتدّ به العمر أكثر من ذلك، وكان يرغب في وضع نهاية لآلامه الجسدية بالموت.

ومع ذلك كان من الغريب أن يلجأ إلى هذه الطريقة القاسية في الموت، وهو الذي عرف بروحه المرحة وقدرته على السخرية والتفلسف من خلال ما كان يصوغه من مواقف كوميدية في أفلامه الشهيرة ومنها “أصدقائي” (1967) الذي تقاسم بطولته أوغو تونيازي وفيليب نواريه، وحقق نجاحا لم يحققه فيلم إيطالي من قبله.

لا شك أن حياة مونتشيللي الطويلة (95 سنة) مع إصابته بالمرض اللعين في أواخر أيامه، جعلته يقدم على تلك النهاية التي صنعها بيده، وكأنه يختم فيلما من أفلامه، ساخرا من الموت نفسه، الذي كان ينتظر أن يزوره وهو على فراش المرض، فشاء هو أن يسبقه ويقفز من النافذة إلى نهايته.

وكان المخرج البريطاني توني سكوت في الثامنة والستين من عمره، عندما ألقى بنفسه من فوق جسر فنسنت توماس الشهير بجسر الانتحار في لوس أنجليس في 19 أغسطس 2012، رغم أنه كان في قمة نشاطه، وكان يخطط لإخراج ثلاثة أفلام جديدة منها فيلم كان قد ذهب لتفقد أماكن تصويره مع النجم توم كروز قبل يومين من إقدامه على إنهاء حياته بتلك الطريقة الدرامية العنيفة.

ورغم أن المخرج الأميركي الشهير ستانلي كوبريك توفي في فراشه في 7 مارس 1999 جراء نوبة قلبية وكان في السبعين من عمره، إلاّ أن البعض يعتقد أن وفاته لم تكن طبيعية بل بفعل فاعل، بعد أن تجرأ وكشف في فيلمه الأخير “عيون مغلقة تماما”، بعض أسرار العالم السري للجماعة الغامضة المكونة من رجال المال والأعمال وتجار السلاح، التي تسيطر على العالم وتعتنق طقوسا خاصة، وقيل أيضا إنه كشف في أفلامه الإشارات السرية التي يتبادلها أعضاء تلك الجماعة مع سكان كواكب أخرى.

وفي 24 يناير 2012، كان المخرج اليوناني ثيو أنجلوبولوس، الذي وضع سينما الفن في اليونان على خارطة السينما في العالم، يقوم بتصوير مشاهد من فيلمه الأخير في وسط العاصمة أثينا، وأثناء عبوره الطريق، صدمته دراجة نارية، فنقل إلى المستشفى، حيث توفي متأثرا بجراحه قبل أن يكمل فيلمه الجديد “البحر الآخر في أثينا”، وكان أنجلوبولوس في السادسة والسبعين من عمره.

أتوقف أمام ذلك الموت العبثي وأتساءل أيضا عن العلاقة بين السينما والموت، وعن اختفاء الكثير من النجوم في ظروف غامضة مثل مارلين مونرو وناتالي وود وجيمس دين، وأتساءل عن تلك النهايات التي تبدو وقد كتبت بمهارة عالية في “السيناريو الأخير”.

ناقد سينمائي من مصر مقيم في لندن

16