هذا "النفير العام" من تلك "المعركة المقدسة"

بيان رجال الدين السعوديين الداعي للنفير العام في سوريا ضد التدخل الروسي، كما نداء رجال الدين الأرثوذكس الروس، الذي اعتبر المشاركة الروسية في الصراع في سوريا معركة مقدسة، ولئن كانا موضوع تنديد أممي رسمي صدر منذ يومين إلا أنهما يمثلان معا، باعتبار تشابههما في المنطلقات وفي المآلات التي يمكن أن تسفر عنهما، دليلا على أن الخطاب الديني حين يفقد مقوده الإيماني الحقيقي فإنه يتحول إلى حطب للنيران الموقدة أصلا.
الجمعة 2015/10/16
تحويل الأزمة السورية إلى صراع ديني أسقط زيف القراءات الدينية وأثبت عقمها

نيويورك - الدعوة الأخيرة التي صدرت عن رجال دين في المملكة العربية السعودية للمسلمين السنة ودولهم لدعم الحرب المقدسة ضد المسلمين الشيعة والمسيحيين في سوريا، كانت موضوع إدانة أممية صدرت أول أمس الأربعاء عن مستشارين في منظمة الأمم المتحدة. حيث أعرب المستشار الخاص للأمين العام المعني بالإبادة الجماعية، أداما دينغ، ومستشارة الأمين العام بشأن مسؤولية الحماية، جنيفر ويلش، عن “القلق إزاء خطاب التصعيد العنيف من قبل الزعماء الدينيين فيما يتعلق بالوضع في سوريا”.

جدير بالذكر أن 52 رجل دين سعودي، ينتمون إلى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، أصدروا السبت الماضي بيانا، عُنون بـ”بيان علماء ودعاة سعوديين حول العدوان الروسي على سوريا”. حفل بمصطلحات استحضرت تراث الحروب الدينية، وكانت مفاصله (أو الجهات الموجه إليها): أولا “الروس غلاة أهل الصليب”، ثانيا “أهلنا في الشام”، ثالثا “قادة المجاهدين”، رابعا “الدول العربية والإسلامية”، خامسا “العلماء والمصلحون والمفكرون”. واعتبر البيان أن “التحالف الغربي – الروسي مع الصفويين والنصيرية حرب حقيقية على أهل السنة وبلادهم وهويتهم، لا تستثني منهم أحدا، والمجاهدون في الشام اليوم يدافعون عن الأمة جميعها، فثقوا بهم ومدوا لهم يد العون المعنوي والمادي، العسكري والسياسي”.

تنديد المستشارين الأمميين (دينغ وويلش) ببيان رجال الدين السعوديين من منطلق أنه “يمكن أن يؤدي إلى تفاقم الوضع المتقلب بالفعل في سوريا، عن طريق دفع المقاتلين المتحمسين دينيا للانضمام إلى جميع أطراف النزاع، والذي يؤدي إلى تصعيد مخاطر العنف ضد الطوائف الدينية”، اعتبر كذلك أنه لا ينفصل عن دعوة الكنيسة الأرثوذكسية الروسية التي نظرت للتدخل الروسي العسكري في سوريا على أنه “حرب مقدسة”، وخَلُص موقفه من الدعوة الأرثوذكسية الروسية إلى أنها “تغذي الإرهاب وتزيد من الاستقطاب في المجتمعات”.

مفيد التذكير أيضا بأن بيان رجال الدين السعوديين، موضوع الحديث، لم يُخْف أنه تفاعل مع موقف الكنيسة الروسية بالقول “لقد أعلنها رؤساء كنيستكم الأرثوذكسية حرباً مقدسة صليبية، كما أعلنها بوش الابن من قبل”.

ربط الإدانة الأمميّة للموقفيْن (الديني الأرثوذكسي كما الديني الإسلامي) مع وضوح بيان علماء السعودية في رفضه للـ”شرعية” التي سعت الكنيسة الأرثوذكسية إلى إضفائها على التدخل العسكري الروسي، يجعلنا نتبين أن الموقفين ينهلان من المعين نفسه. أي أنهما يتخذان المنطلقات نفسها وسيؤديان، بالضرورة، إلى المآلات نفسها.

الدعوة إلى الكراهية الدينية عبر التحريض أو تبرير العنف ليست فقط خطأ أخلاقيا، ولكنها أيضا محظورة بموجب القانون الدولي

تحويل الأزمة السياسية السورية المستعرة منذ سنوات، والتي تداخلت أبعادها السياسية والطائفية والعسكرية والإقليمية، إلى صراع ديني بين المسلمين والمسيحيين (الأرثوذكس تحديدا)، من شأنه أن يوفر المزيد من الحطب للنار الموقدة في سوريا والمنطقة. والثابت أن دخول رجال الدين على خط الأزمة، لتطييف الصراع أو لتديينه، يتناقض مع منطلقات الثورة من جهة، ومع دور رجال الدين الحقيقي من جهة ثانية. وهو ما يحيل إلى أن رجال الدين حين يلبسون جبة السياسة ويتخلون عن دورهم الحقيقي، يتحولون إلى صناع فتنة، ولاشك أن الذاكرة العربية الإسلامية مازالت تحفظ الدور الذي مارسه السروريون وغيرهم من الدعاة الإسلاميين، في رمي الشباب المسلم في أتون الحرب الأفغانية السوفياتية التي ظلت تداعياتها ماثلة إلى اليوم.

إن موقف رجال الدين السعوديين، الحاث على الجهاد في سوريا، وموقف الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، الذي يعتبر التدخل العسكري الروسي في سوريا “معركة مقدسة”، هما وجهان لعملة واحدة. هي عملية إقحام الدين، ولو تعسفا، في معترك السياسة. ولئن تصل الموقف الأول بالثاني علاقة سببية واضحة، إلا أنهما يستعملان الأدوات نفسها؛ التاريخ والإحالات الدينية المقدسة، وسيؤديان، معا، كما أشار إلى ذلك المستشاران الأمميان إلى “تفاقم الوضع المتقلب بالفعل في سوريا، عن طريق دفع المقاتلين المتحمسين دينيا للانضمام إلى جميع أطراف النزاع، والذي يؤدي إلى تصعيد مخاطر العنف ضد الطوائف الدينية”.

لا شك أن استحضار المحطات التاريخية التي وُظفت فيها التأصيلات والفتاوى الدينية أو الطائفية أثناء نشوب أزمات سياسية يقيم الدليل على أنها لم تؤدّ إلا إلى المزيد من التأجيج والدمار، ولعل أمثلة أفغانستان والعراق (التي استعملت فيها الأحزاب الدينية كل ضروب التبريرات الدينية والطائفية) وليبيا (مع فتوى القرضاوي مثلا) وسوريا مؤخرا، وغيرها من الأقطار العربية والإسلامية وهو أمر ينسحب أيضا على نزاعات وظفت فيها التأصيلات الدينية المسيحية، كافية للتأكيد على أنه كلما كان الحرص على تحويل الأزمات السياسية إلى صراع ديني كلما تبددت إمكانيات التوصل إلى حلول سلمية للنزاعات، لأن تديين الصراع يأخذه إلى فضاءات وجدانية تاريخية ترفع من مستوى التطرف والتشدد.

“النفير العام” أو “الحرب المقدسة” إعلان عن منعرج وصلته الأزمة السورية لن تعفى منه بقية أقطار المنطقة التي تشترك في الانتماء إلى هذا الفضاء الديني أو ذاك، وهي أيضا تعميق لحالات التوتر الديني السائدة في المنطقة، ولاشك أن إعادة الأمور إلى نصابها كفيلة بإزالة التشويش الديني الحاصل. فالثورة السورية، لم تنطلق من أجل استرجاع الخلافة الإسلامية أو من أجل استدعاء تاريخ الحروب الصليبية والثارات القديمة، لأن بيان علماء الدين السعوديين يهدف في عمقه وجوهره إلى إعلاء كلمة داعش ومثيلاتها في سوريا والمنطقة، مثلما وفر التدخل العسكري الروسي، المدجج والمدعوم بموقف قروسطي لكنيسته الأرثوذكسية، الفرصة لبروز هذا النمط من ردود الأفعال، كما لا يستبعدُ صدور غيره.

13