هذا الوجه لي

عمل فني يطرح جملة من الأسئلة متصلة بالمسائل التي لازالت تغلي حول الأعمال الفنية الديجيتالية لا سيما الصادمة منها، هل هي فن، أم مُجرد مُساءلة للتقنية الديجيتالية المعتمدة مهما بلغت بساطتها أو تعقيدها؟
الأحد 2018/10/21
هل الفنان خبير تقني أم صانع أفكار؟ (لوحة للفنانة علا أيوبي)

منذ فترة قصيرة نشرت الفنانة السورية علا أيوبي على صفحتها الفيسبوكية فيديو قصيرا عن وجهها، خلال تعريضها له لتعديلات ديجيتالية ملوّنة ومتحولة المعالم من عبوس وانشراح على هوى التفاتاته من جهة إلى أخرى، ثم نشرت بعد ذلك صورتها وقد استقرت على ملامح هجينة ما بين الفوتوغرافيا الواقعية والديجيتالية/ التعبيرية.

بدت هذه الصورة، وبشكل جليّ، مُنبثقة من التحولات التي تلقتها في شريط الفيديو، صورة ثابتة، ولكن لم يغب عنها لا توتر الخطوط ولا ركون ذبذباتها إلى هيئات مُستقرة.

تنوعت التعليقات التي حصدتها الفنانة على هذا المنشور، ليبرز تعليق واحد لطيف النبرة، مفاده أن الفنانة لم يكن عليها العبث بملامح وجهها التي وهبها إياها الخالق.

كان جواب الفنانة “لا عبث في الخلق.. هو جزء من لوحتي على وجهي”، لا شك بأن الفيديو صادم وكذلك هي الصورة صادمة ولكن، أغلب الظن، أنه غير ناتج عن محاولة شعورية أو لا شعورية للفنانة بتغيير الملامح الإنسانية/ الطبيعية لوجهها.

عمل فني يطرح جملة من الأسئلة متصلة بالمسائل التي لازالت تغلي حول الأعمال الفنية الديجيتالية لا سيما الصادمة منها، هل هي فن، أم مُجرد مُساءلة للتقنية الديجيتالية المعتمدة مهما بلغت بساطتها أو تعقيدها؟ ما الذي يُراد التعبير عنه؟ هل الفنان خبير تقني أم صانع أفكار؟ وما الذي يحدد الفرق؟

وتذهب بعض التساؤلات أو الانطباعات نحو “شيطنة” هكذا أعمال فنية إلى اعتبار أنها قائمة على تشويه الملامح الإنسانية أو اللهو بها باستخفاف مُتعجرف.

ومهما تنوعت الإجابات عن تلك الأسئلة المطروحة آنفا، تظل إحالة هكذا نوع من مقاربة الذات على أنه استخفاف بهبات الخالق أمرا، في أغلب الظن، بعيدا جدا عن عالم الفنانة، فالمُضطلع على أعمال علا الأيوبي السابقة وعلى الأفكار التي طرحت من خلالها لن يستغرب عند رؤيته لا للصورة الفوتوغرافية المعدلة ولا لشريط الفيديو على السواء، فالصورة كما الفيديو تأسسا على هاجس واحد هو مُساءلة مستمرة للذات.

ما رأيناه مؤخرا على صفحتها الفيسبوكية هو تظهير للتقلبات التي تغلي في نفس الفنانة على إثر التجارب التي تمرّ أو مرت بها، وذلك بغض النظر عن نوعية تلك التجارب، ما نشرته علا الأيوبي يشبهها جدا ويشبه أعمالها الفنية الأخيرة التي عرضتها في صالة “تجليات” البيروتية منذ عدة سنوات.

معظم لوحاتها المعروضة آنذاك أشبه بصفحات ماء رقراقة ارتجت فيها ملامح وجوه النسوة اللاتي يشبهنها بألوان دافئة وزاخرة بالمعاني. أطلقت الفنانة على المعرض عنوان “الفاكهة الفردوسية” وبرعت من خلاله في توظيف دراستها لمادة الرياضيات والفنون في آن واحد، إذ أدخلت في أعمالها تلك، كما في العملين الآخرين اللذين نشرتهما على صفحتها الفيسبوكية أشكالا هندسية وتموجات وخطوط انسيابية وأُخرى مُتعرجة ومُتوترة النبرات.

في حين تختلف هذه الأشكال التي أدخلتها أو التي تلاحقت في العملين الجديدين عن أعمالها الفنية السابقة، إنها “رقمية” تنخفض فيها وتيرة المشاعر على حساب التفنّن في تبدلات ظاهرية تشغل المُشاهد طويلا قبل أن ينحو إلى تصنيف معانيها، وما قد يرشح عنها من مشاعر.

أما حبّة الرمّان التي تألقت في لوحاتها السابقة والتي تميّزت بانتشار عبقها في فضاء اللوحات فقد اختفت في العملين الأخيرين، ولكن لتظهر من جديد مُتبدلة ومُتحركة أمام عيون المُشاهد وبأشكال مُتعاقبة تُذكر بلغة الكمبيوتر وبهيئة الشيفرات الديجيتالية التي غشتها حمرة شفّت تارة وتكثّفت تارة أُخرى في سياق عرض الفيديو المنشور، وتُذكّر عبره بما قدمته في أعمالها الفنية السابقة.

تأخذنا الفنانة بكلا الأسلوبين الفنيين المختلفين اللذين استخدمتهما في العملين الأخيرين إلى ما قاله الشاعر نوفاليس حول الرومنطقية التي تجعل العادي يبدو غريبا جدا، فباستخدامها لتقنية ديجيتالية/ ميكانيكية مُشبعة بحركة ريشتها “اليدوية” أدّت الفنانة السورية علا أيوبي وجهها المُتقلب تشكيلا وتهديما عبر ما يشبه “البرفورمانس آرت”، ووصفت العمل، كما أجابت الصديق على صفحة فيسبوك، بأنه “جزء من لوحتي على وجهي”.

15