هذا الوقت سوف يمضي

الأحد 2015/04/05

يذكر أن أحد ملوك الهند سأل وزيرا، وفي رواية أخرى سأل حكيما، أن ينقش على خاتم له جملة إذا قرأها وهو حزين فرح، وإذا قرأها وهو سعيد حزن أو ألاّ يُبالغ في فرحه وسعادته، فنقش الوزير على خاتم الملك “هذا الوقت سوف يمضي”.

وسواء أكانت هي فكرة وزير أم هي حكمة حكيم، ففي الحقيقة هي واقع نعيشه لكن لا ينتبه إليه الكثير من الناس، وهي جملة صالحة لكل مكان وزمان وموقف. فعلى الصعيد السياسي صحيح أن العالم العربي يمر بمرحلة محنة وشدة وأرواح تُقتل وتُذبح على أيدي الإرهابيين إلا أن أمورا كثيرة حدثت أكدت لنا صحة هذه المقولة. فمع بداية ثورات الربيع العربي كان هناك قلق أن تمتد هذه الثورات وتطال كل البلاد العربية ولكن الحمد لله أن هذا لم ولن يحدث مادام هناك عقلاء في هذه الأمة العربية سواء من الحكام أو الرؤساء أو المثقفين أو حتى رجال الدين، من يعلمون أن الحلول لما يعانيه شعب ليس بالضرورة أن تكون هي ذاتها الحلول لباقي الدول وخاصة إذا كانت هناك دول لا تُعاني مثلما يُعاني غيرها. كما أن الثورات في بعض البلاد العربية لم تُساهم إلا في نشر البغض والكراهية وانتشار الجماعات الإرهابية التي تطمع في الاستيلاء على الثروات العربية لا أكثر ولا يعنيها في المقابل المواطن العربي.

وعندما اعتلى الإخوان المسلمون الحكم في مصر، عمت الفرحة وطغت نشوة السعادة على كل الإخوان وحلفائهم لظنهم أنهم تمكنوا من السيطرة على العالم العربي عن طريق الاستيلاء على مصر.

وفي المقابل كان هناك قلق بين الكثير منا مما سيؤول إليه العالم العربي والإسلامي على يد دعاة وتجار الدين الذين كان همهم الأول والأخير هو المال والسلطة وليس الإصلاح كما صوروه للمواطن العربي البسيط.

لكن ذلك الوقت أيضا مضى والحمد لله، لم تستمر سعادة ونشوة الإخوان وحلفائهم بالنصر الزائف إلا أشهرا وقضي أمرهم وكذلك كانت نهاياتهم في الدول التي تمكنوا منها شيئا ما، وكما يقول الإخوان المصريون “يا فرحة ما تمّت”، وذلك لأنهم لم ينتبهوا أن الفرحة أيضا لها نهاية خاصة عندما تتم المبالغة في الاستمتاع بها، فيحدث أن الشخص أو الحكومة ترتكب أخطاء تحت وطأة نشوة السعادة المزيفة. أما من حزن على ما حدث في مصر أعرف منهم من قرر الهجرة إلى الغرب إذا استمر الإخوان المسلمون في حكمهم في مصر وامتدادهم للدول الأخرى، لكنهم أيضا لم ينتبهوا أن كل مصيبة وكارثة لها وقت ويمضي، وبالفعل ذلك الوقت مضى ولم تبق إلا بعض المخلفات من الإخوان جاري تنظيفها الآن.

ربما المأساة الوحيدة التي لازالت مستمرة هي مأساة ما يحدث للسوريين على حدود سوريا على أيدي ما تبقى من ظاهرة الدواعش، والتي أيضا ظهرت فجأة وأثارت الرعب عن طريق القتل والنهب والاغتصاب وسبي النساء تحت اسم الدين، هي أيضا انتهت على أيدي قوات التحالف وقوات الدول الخليجية، ولدى الكثير أمل أن يتم القضاء عليهم نهائيا على أيدى قواتنا من الشباب الخليجي مع قوات مصر كما يحدث الآن في اليمن. فبعد أن استمتع الحوثيون بخراب اليمن لسنوات طويلة بسبب العقلية المتخلفة التي يُعرفون بها ها هم اليوم على وشك الانتهاء على أيدي قوات عاصفة الحزم، وهي الحملة العسكرية التي تقودها المملكة العربية السعودية، والتي تُشرك فيها تسعة دول أخرى. نعم هذا الوقت سوف يمضي أيضا وننتهي من المجموعات الإرهابية التي حاولت أن تزعزع الأمن في بلادنا العربية.

علينا فقط أن نعلم يقينا أن هناك أملا وأن نتمسك بالأمل ونؤمن بما لدينا من قدرات وهنا لا أتحدث فقط عن القدرات العسكرية التي هي أكثر من مشرّفة في ما تقوم به من عمل لحماية أوطاننا، لكنني أتحدث عن الأمل بشكل عام والإيمان بقدراتنا الخاصة. فعندما يكون هناك أمل حتى الفرحة التي تنتهي بسرعة سوف تعقبها أفراح أخرى، ولن يكون هناك مكان للإحباط لمجرد أنّ الفرحة لم تكتمل بل نعتبرها وقتا ومضى وستكون هناك ترقبات إيجابية بسبب الأمل واليقين لدينا.

لديّ صديقة كانت كلما تسمع عن المشكلات السياسية وعدم الاستقرار في لبنان وخاصة عندما تحدث التفجيرات هنا وهناك وكيف أن الشعب اللبناني على الرغم من ذلك يستمتع بحياته نهارا وليلا وكأن شيئا لم يكن، كانت تستغرب كيف يمكنهم القيام بذلك، وكان تحليلي دائما أنهم شعب يحب الحياة ولديه أمل أن الحال لن يبقى كما هو عليه الآن حتى وإن ساءت الظروف فالأمور لن تبقى كما هي وربما هم لديهم أمل أن هذا الوقت سوف يمضي فلماذا يضيعون فرص الاستمتاع بالحياة.

أيامنا القادمة فيها الكثير من الأفراح، فما نفكر فيه وما نؤمن به يصبح جزءا من واقعنا. الأمل يجعلنا نتخطى لحظات الحزن أو الصدمات والألم عندما نعلم أن هذا الوقت المؤلم سوف يمضي. فالأمور لا تبقى كما هي. عندما نفقد غاليا سواء عن طريق الموت أو الانفصال نتألم لكن لولا الأمل واليقين أن ذلك الوقت سوف يمضي وسوف نكون بأفضل حال لكان كل حبيب انفصل عن حبيبه وكل زوج انفصل عن زوجه وكل فرد في الأسرة أخذ منه الموت فردا في أسرته، لكانوا جميعا في عداد الموتى، لكن الأمل أن غدا هو يوم آخر وأن المستقبل يحمل في طياته كل جميل لنا ولأحبتنا ولأوطاننا يجعل الحياة تستمر بكل ألوانها وأطيافها.

استشارية نفسية وكاتبة من الإمارات

5