هذا رأيي

الخميس 2014/10/30

ما أسهل وأكثر سماعنا لأحدهم يتحدث في موضوع معين وهو يقول “هذا رأيي!”. عبارة شديدة التداول في حياتنا اليومية وعلى مستوى كتابنا بالذات، رغم أن تدقيقا في بنية صاحب “الرأي” يفصح عن انتفائه.

إن تحرّيا من مصدر القول يصلنا بما هو شائع وليس بما هو جدير بالأخذ به، والشائع هو أن مفهوم “الرأي” من حيث الدقة يتطلب ضبطا وتركيزا، بقدر ما يحتاج إلى استقلالية في الموقف وتمايزا، وهذا يقرّبه مما هو فلسفي يتنوّر به، وأن الشائع هذا يطوّح بالرأي بوصفه لا رأيا أو هلام كلام.

ما ليس رأيا يصبح رأيا، وهذا يطرح السؤال التالي: ما الذي أوحى إلى صاحبه بصواب ما يفصح عنه؟

ربما أمكن القول بأن ذلك عائد إلى الوسط الثقافي، والذي يفرض سلطة جماعية بصدد مجموعة من التصورات تجاه قضايا قد تكون على غاية من الأهمية، ومن جهة الخطورة.

لكل رأي تاريخه ومسلكه، وتماسكه وفكرته التي يتقدم بها، أو تعرَف به، وما أيسر تلمس جهد الآخر: عربيا أو أجنبيا في أساس الرأي، إنما أكثر من ذلك، حين يفتقر إلى الوضوح ويستحق الإصغاء، استنادا إلى أن الذي أخذ به وأسمعنا إياه أو حتى سطّره، لم يكلّف نفسه عناء الاهتمام به، أو التوقف عنده، والتهيب لحظة تنسبه إليه، والأهم من ذلك هو أنه لا يولي اعتبارا لوسطه، طالما أن ثمة استسهالا في تداول حالات تقرب من الظاهرة اللافتة على أتمّ علاقة بما تقدّم.

فالرأي مفهوم ثقافي في العمق، وهو حصيلة مجاهدة أو معاناة تستدعي متابعة لمستجدات واقع أو لما يجري في هذا الوسط الاجتماعي أو ذاك، أو الجهة التي تنسج الرأي باسمه، إلى جانب أرضية ثقافية فلسفية الطابع يكون من شأنه إضفاء قيمة إشهارية على القول، بقدر ما يمنحه حضورا ثقافيا يثري الموضوع مدار المناقشة أو الحوار، ولغياب تلك السلطة التي تعزّز وجود الرأي الفعلي.

الرأي تعبيد طريق باتجاه هدف محدد، يحمل توقيع صاحبه، والأرضية التي تعبّد تسمي شخصا أو أشخاصا، حين يدلون بآرائهم في هذه القضية أو تلك، أو في هذا الموضوع أو ذاك، ولا بدّ أن الانتشار الهائل للميديا، والضخ الإعلامي المروّع للبرامج راهنا من الأسباب القوية لبروز ظاهرة كهذه، كأن نسمع من هذا الموظف “التلفزيوني” وهو يسأل هذا أو ذاك: ما رأيك بالموضوع الفلاني أو خلافه؟

إنه استفحال المرض الذي لا يصيب الناس بالتأكيد، إنما ما يتهافت عليه الناس هؤلاء كثيرا، لوجود محفّزات على ذلك، أي في غياب المراقبة ومن ثم المحاسبة الذاتية، ليس من خلال القمع أو الترهيب، وإنما لوجود مؤثرات أمّية تشجع الكثيرين ممن ليسوا معنيين.


كاتب من سوريا

15