هذا زمن الحق الضائع

الأربعاء 2013/10/30
رمضان: كان إدوار يشغل كرسي البطريرك

في أوائل السبعينيات خرجنا، من أرحامنا، كنا فوق العشرين، لكننا اكتشفنا أننا صغار، أصغر مما نريده ونراه، واكتشفنا أننا كبار، أكبر مما تعودنا عليه وألفناه، أيامها كنا قد ألفنا شعر صلاح عبد الصبور وأحمد حجازي والسياب والبياتي ونزار قباني وسواهم، وعرفنا أنهم سكان السماوات السبع، فسعينا إلى السماء الثامنة.

أذكر أنني سعيت برفقة زميلي محمد خلاف إلى جماعة شعر، إلى الخال وأدونيس وأنسي والماغوط وأبي شقرا، ثم إلى سعدي يوسف وحسب الشيخ جعفر، وإلى النفري والمتنبي وأبي نواس.

أيامها أيضاً كنا قد ألفنا نجيب محفوظ والحكيم ويوسف إدريس وحنا مينا وتوفيق يوسف عواد وسواهم، وعرفنا أنهم سكان الأراضين السبع، فسعينا إلى الأرض الثامنة سعينا إلى الطيب صالح والجاحظ وزكريا تامر ومحمد خضير وفؤاد كنعان والمسعدي، وإلى المازني والجاحظ ويحيى حقي، وإلى إدوار الخراط، وبعض روائيي السبعينيات.

كان إدوار يشغل بينهم كرسي البطريرك، أبونا إدوار، على الرغم من اختلافه عنهم في النزع والطموح، وفي اللغة والدلالة، ذهبنا إليه في منزله بالزمالك، وتركنا أوراقنا في حضن أوراقه، وفي حضنه، ففرزها وكشف لنا اللباب وميزه عن القشرة، بمهارة عفريت من الإنس، وقال بصوت رسولي صرف، هذا لباب، فاحتضناه، وهذا قشر فلفظناه، كانت أرواحنا ترفرف بشدة، تحاول أن تلحق بروحه، خاصة أننا كنا قبل أن نذهب إليه قد اختنقنا من الحاجة إلى نافذة واسعة نطل منها على مانراه، كانت نوافذ الآخرين بمقاسات الآخرين فقط، في منزل إدوار وجدنا أن نافذته بمقاساتنا جميعاً، أذكر أنه حتى ذلك الوقت لم يكن إدوارد قد أنجز من مشروعه الكبير، سوى مجموعتين: حيطان عالية، وساعات الكبرياء، وفي قلبي كان يحيى حقي يحيط المجموعتين بما يشبه العطر الخجول، وكان زميلي محمد خلاف يرتلهما ترتيلاً، كأنه يرتل شعر أدونيس، لذا فإننا زاملناه، زاملنا إدوار، كنا نكتب قصائدنا وكان يكتب رامة والتنين، كنا نكتب قصائدنا التالية وكان يكتب ما بعد رامة، وبعدها تحولنا به ومعه إلى أعشاب ضرورية لزماننا (هل كانت ضرورية فعلاً؟) إلى نيران أيضا، وتحول هو، بنا ومعنا، إلى طاحونة لا تتوقف عن إنتاج الهواء الصالح لنمو هذه الأعشاب، وهذه النيران. الثمانينيات والتسعينيات كانت زمنه وزمننا، حينذاك وجدناه يشغل الدنيا، حاولنا مثله أن نشغل من يشغلهم في هذه الدنيا، لم يمنعنا، وبلغت ذروة حفاوته بنا، أنه كتب شعرا رديئا جداً ليشاركنا أفعالنا، وأنه رسم رسماً منبوذاً ليشارك غيرنا أفعالهم، كان فن إدوار الروائي فنا نخبويا، يجهر بنفوره من كل ماهو شائع، اللغة والشعور والوعي والمفهوم، لأنه ينفر من اللغو، ينفر من الدخان، إلا أن السنوات التالية على التسعينيات كانت سنوات الجفاف، ليس له ولكن لمحيطه، كانت سنوات الترويج للدخان، بدعاوى ما بعد حداثية، أقلها صحيح وأكثرها زائف.

في تلك الفترة شاهدت إدوار، يوقد ناره ويبني صومعته ويجلس فيها، ومعه فرائده التي سنظل نقرأها، ونظل نندهش لأن بطله الوحيد، وهو اللغة، يفاجئنا بأسراره ومخلوقاته، شاهدت دون قصد أو على سبيل المثال السيد علاء الأسواني، نعم السيد علاء، أو السيد خيري شلبي، نعم نعم السيد خيري، شاهدت أحدهما أو كليهما، يحتل منتصف الشارع، أي شارع، وفي يديه رزمة أوراق وخلفه أتباع ومريدون، وفي أيديهم أوراق تشبه أوراقه، قلت لنفسي، هذا زمن الحق الضائع، كان الفن الأول، فن إدوار، يحتجب عن الذين سوف يهينونه، لأنه هكذا رفيع، هكذا خاص، هكذا متعدد التآويل، وكان الفن الآخر، فن خيري وعلاء، يعترض السائرين ويوقفهم، ويدلهم على سوقيته المقصودة، وعموميته الإجبارية، وعلى كراهته للتفرد، يدلهم على عدم قابليتة لقراءة ثانية، خاصة أن لغة علاء بغير ظلال، وظلال خيري داستها كل الأقدام فيما قبل.

وها أنذا الآن أحاول أن أتذكر أسماء روايات علاء فأفشل، وأن أهدي روايات خيرى لمن يريدها فأنجح، وأحاول أن أقرأ حيطان عالية، وساعات الكبرياء بصوت مرتفع، بصوت مرتفع جدا بصوت كالشلال ثم أهتف باي باي علاء، باي باي خيري، أهلا أبانا إدوار.

14