هذا قراري وعليكم احترامه

الثلاثاء 2018/02/06

متى يكون الوقت ملائما لاتخاذ القرار؟ سؤال ملح للغاية يعانقه كل فرد منا منذ الوهلة الأولى لاستنشاقه ريح الحياة، ولا أرى له تعريفا أدق من أنه حبل سري يحدث اتصالا خفيا غير مرئي بين من خلق من طين والأرض.

وهذا التعريف لا علاقة له بالقواميس العربية أو الأجنبية ولا بالكتب والدراسات البحثية، وإنما هو تصور شخصي مبني بالأساس على فكرة إبراز أهمية القرار في حياة كل فرد منا وتأثيراته الإيجابية أو السلبية على الفرد والجماعة.

وباعثي على الخوض في هذه المسألة الهامة -بنظري- عائد إلى الالتباس الحاصل لشريحة كبيرة من المجتمعات في تحصيل الفرق بين صناعة القرار واتخاذ القرار، وهو ما أفضى ويفضي إلى خلق جيل غير قادر على امتلاك زمام أمره ولا يحسن التنقيط ولا ترتيب مفردات أفكاره.

لكن كيف لمن نشأ في قوقعة بعيدا عن ضجيج الحياة وهرج ومرج الشوارع والحارات وترعرع في أحضان والده ونام داخل بؤبؤ عيني والدته أن يدرك معنى قرار، لن يعي طبعا أهمية ما أهمل والداه عن غير وعي تلقينه له، إلا متى تلاطمته أمواج الخلق وتعثر عند مفترق الطرق وفقد بوصلته للاهتداء إلى تحديد أهدافه المنشودة وآرائه المناسبة.

وللأسف جل العائلات العربية غير مؤهلة لتربية أبنائها على قواعد سليمة، مما قد يفرز مجموعة من الشباب غير متمكنة من صنع أو اتخاذ أو تقييم قراراتها والعواقب المترتبة على كل خطوة وغير مدربة على كيفية العيش، بوصف الإقبال على الحياة والتصدي لكل العقبات يبدأ بقرار، قرار أن تدوس على كل الهموم وما يرتبط بها من تشاؤم، قرار التفاؤل، قرار السعادة، قرار أن تكون السيد لا العبد، قرار أن تعانق القمة الشماء وألا ترضى بالحفر، قرارات لا تنتهي إما أن تحملك فوق السحاب أو أن تقبرك بأعماق الأرض.

وما القرار إلا كما تحدث عنه الكاتب المصري محمد صادق في روايته “هيبتا” قائلا “كل ثانية يوضع أمامك اختيار بسيط قد يجعل الحياة كلها مختلفة.. وكل ثانية تختار أن تؤجل القرار خوفا، فتظل كما أنت”، فأحيانا تأجيل القرار يقضي على آمال صاحبه في الارتقاء ويحرمه فرصا لا تعوض.

كما أن فقدان القدرة على اتخاذ قرار يمثل تربة خصبة لصناع القرار حتى يستثمروا هذا العجز لشخصنة المصالح، واستخدام البعض مريونات يديرونها وفق سيناريوهات كتبت أساسا لمسارح درجة ثالثة، بمباركة الصفوف الأولى.

ولذلك على أغلب أولياء الأمور، لا سيما داخل المجتمعات العربية، أن يقوضوا البناء المتداعي وأن يضعوا لبنات صلبة لبناء قوي قائم على أسس متينة، ولا بد لهم أن يدربوا أطفالهم على مبادئ اتخاذ قراراتهم بأنفسهم وألا ينوبوهم في ذلك.

وقد يكون منظر الطفل مضحكا بملابسه المزركشة والمقلوبة، لكنه قراره واختياره الذي لا بد من تقويمه بشكل حكيم، أذكر يوما كنت ضيفة بمنزل أختي حين دخلت علينا صغيرتها ابنة الثلاث سنوات مرتدية فستانها من كمه في ساقيها جاعلة أعلى الثوب أسفله والعكس بالعكس.

كان مشهدا مضحكا لكن الفتاة أصرت على البقاء بملابسها عندما حاولت أمها تصحيح الخطأ، فطلبتُ منها أن تتحدث إلى طفلتها باللين وأن تشرح لها بدل أن تنهرها وتضربها فتقتل فيها إصرارها على الانصياع لأفكارها المجنونة.

وما دخول ابنة أختي إلى الغرفة بملابس من اختيارها وملبوسة بلمستها الخاصة إلا بداية الطريق للتدرب على حسن اتخاذ القرار، فقد يبدو هذا المشهد للمشاهد العادي مجرد لقطة كوميدية مضحكة، لكن عين الخبير تلتقطها من زوايا نظر مختلفة، فترى أن المشهد مصحوب بترجمة حرفية مفادها “هذا قراري وعليكم احترامه”، فيفتر ثغره عن ابتسامة ولسان حاله يقول “هذه الفتاة العنيدة ستكون من أصحاب صنع القرار دون أدنى شك”.

كاتبة من تونس

21