هذا ما تعده روسيا في سوريا.. ماذا أنتم فاعلون

يتحدث خبراء في الشأن العسكري عن سيناريوهات كثيرة عما تسعى روسيا لتحقيقه في سوريا. ويضيف عليها خبراء الاستراتيجية قراءات أعمق في محاولة لمعرفة حقيقة التحرّك الروسي في الميدان السوري وما تهدف إليه من وراء ذلك وكيف ستنفذه، وأحيانا تكون هذه السيناريوهات مستقبلية أو أبعد مما يمكن رصده وتبتعد كثيرا عما يحدث الآن.
السبت 2016/02/20
الاقتراب من الأسد مكلف للغاية

أصبح ما تريده روسيا في سوريا واضحا على الأرض، ولا يحتاج إلى سيناريوهات مستقبلية بعيدة المدى. روسيا تريد أن تفرض وتصوغ كل تفاصيل سوريا المستقبل انطلاقا من حملتها العسكرية، ولكي تحقق ذلك فإنها تعمل على تنفيذ مجموعة من الأهداف والمعطيات الميدانية والعسكرية والسياسية منها ما يلي:

* المحاصرة العسكرية

تركز روسيا على تطبيق سياسة الأرض المحروقة على المناطق الحدودية وتحديدا الشمالية مع تركيا، حيث نفذت هذه الاستراتيجية في شمال حلب لتحكم السيطرة العسكرية على تلك المناطق باستخدام قوتها الجوية النارية من جهة والقوات الداعمة لها على الأرض المتمثلة بالدرجة الأولى بالقوات الممولة من إيران، كالحرس الثوري، ومشتقاتها من جنسيات متعددة كالميليشيات الأفغانية والعراقية، وبالإضافة إلى حزب الله وقوات النظام السوري والفصائل الكردية التي تحظى بالدعم المالي والعسكري من إيران وروسيا.

عملية إحكام الحدود الشمالية ستكون الأصعب ولكنها تسجّل تقدما كبيرا وبخطى متسارعة، كي تحقق المحاصرة الكاملة لمدينة حلب والمناطق القريبة منها.

وتستغل روسيا حقيقة أن تركيا غير قادرة على تقديم الدعم المطلوب من المعارضة نتيجة اعتبارات كثيرة منها الخطوط الحمراء التي وضعتها أميركا على تسليح المعارضة من جهة؛ ومن جهة ثانية لا تجرؤ تركيا على الدخول في حرب مباشرة في الأراضي السورية لتحمي المناطق الحدودية لها التي تعتبر معابر الدعم للمعارضة.

بينما الحدود الجنوبية ستكون محاصرتها عسكريا أسهل من حال الحدود الشمالية، لسبب رئيسي أن الروس سيعتمدون على التنسيق العسكري مع الجانب الأردني لضبط تدفق الدعم لقوى المعارضة المسلحة دون الحاجة إلى عمل عسكري واسع في الجنوب السوري في الوقت الحالي، أي ستكتفي بعقد صفقات واتفاقيات متبادلة مع الجانب الأردني من خلال تقديم محفّزات للتعاون العسكري مقابل ضبط الحدود السورية ومنع المعارضة من القيام بأعمال تهدد استقرار النظام.

ومن خلال ذلك، تكون روسيا قد حققت عملية محاصرة المعارضة عسكريا بإغلاق كل أبواب الدعم، ثم الانتقال إلى عملية القضم من مناطق المعارضة تدريجيا بينما المعارضة عاجزة عن المقاومة أو محاولة استعادة الأرض.

عملية الانتقام الروسية تنطلق من علم موسكو أن الأميركان لن يتدخلوا عسكريا في سوريا وأن الأتراك أضعف من أن يخوضوا معركة منفردين

* العنصر الكردي

يعاني النظام من نقص كبير في عدد المقاتلين وبالتالي لا يستطيع أن يواكب التقدم الذي يحقّقه الطيران الروسي. ويرافق ذلك قلق روسيا أيضا من تسليم كل الأراضي التي تدمرها من الجو إلى الفصائل المحسوبة على إيران.

وقد وجدت روسيا في الفصائل الكردية ضالتها لكون هذه الفصائل كبيرة العدد وتغطي النقص الذي يعاني منه جيش النظام وخصوصا في الشمال، بالإضافة إلى أن توظيف العنصر الكردي يحقق عدة نقاط لصالح روسيا، أولا الفصائل الكردية تحصل على دعم كبير عسكري ومالي من أميركا لمواجهة الإرهاب دون مراقبة دقيقة لكيفية استخدام هذا الدعم، فتوظيف الأكراد من طرف روسيا يعني فقط تقديم الغطاء الجوي لهم، دون الحاجة إلى تكاليف كثيرة على الأرض، وجعلهم يستخدمون هذا الدعم ضد المعارضة بتقدّمهم على الأرض. وثانيا توجيه ضربة إلى تركيا ورئيسها الذي يواجه خطر هيمنة الأكراد على الحدود السورية التركية.

* إذلال أردوغان

استخدام العنصر الكردي من قبل روسيا يضع الرئيس التركي، من جهة أولى، في زاوية الحرج من حلفائه الأميركان، الداعم الأول للأكراد، الذي يعتبرهم أردوغان عدوّه الأول، ومن جهة ثانية يضعه في زاوية الذلّ أمام الروسي الذي يوظّف العنصر الكردي في سوريا لمصالحه وضد الأتراك في وقت تستفز روسيا الأتراك دون أن يكون لهم أي قدرة على الرد.

وعملية الانتقام الروسية تنطلق من علم موسكو بأن الأميركان لن يتدخّلوا عسكريا في سوريا، ومن علمها أن الأتراك أضعف من أن يخوضوا معركة منفردين، فتسعى روسيا للانتقام من أردوغان بدم بارد بينما لا تترك له غير القدرة على تقديم خطاباته الساخنة.

المدنيون ضحايا الحصار الروسي

* وقف إطلاق النار

بعد أن تحكم روسيا على كامل الحدود التي تستخدمها المعارضة للحصول على الإمدادات العسكرية، ستسعى وبشكل سريع إلى الدعوة إلى وقف إطلاق النار من مجلس الأمن لتقطع الطريق على المعارضة المسلحة كي لا تعيد ترتيب قواتها وتنطلق بحملة عسكرية مضادة لفك الحصار؛ وبالتالي تجميد الحدود الجديدة بين قوات المعارضة المسلحة وقوات النظام وحلفائه.

وإذا ما تبنى مجلس الأمن هذه الدعوة فإنه سيفرض على الدول الداعمة للمعارضة أن توقف التسليح والإمداد بالذخائر، بينما يبقى الباب مفتوحا للعمل العسكري ضد الإرهاب سواء كان داعش أو النصرة أو أي فصيل يتبنى فكرا متشددا.

وطبعا لن توقف روسيا حملاتها الجوية حتى ضد المعارضة لأنه بإمكانها دائما أن تتحجّج بالمتطرّفين سواء كانوا متواجدين في مناطق المعارضة أو لا، بينما تكون المعارضة المسلحة في حالة استنزاف سواء في معاركها ضد داعش أو حتى المناوشات مع الفصائل الكردية أو النظام.

* الركوع السياسي

بعد إحكام السيطرة والمحاصرة العسكرية على المعارضة المسلحة ستنتقل روسيا إلى تركيع المعارضة سياسيا من خلال تفعيل القرارات الأممية التي تدعو إلى المفاوضات بين النظام والمعارضة. ولن تتردد في حال عدم تجاوب المعارضة بالتفاوض تحت هكذا شروط أن تشكل وفد معارضة على مقاسها ومقاس النظام. وستستغل عدم الاكتراث الأميركي بالشأن السوري وستقدم نفسها عرابا وحيدا للحل.

وأثناء “مسرحية المفاوضات” ستكثف عملها العسكري لاستعادة المناطق التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة والمحاصرة بشكل تدريجي مثل مناطق جسر الشغور وإدلب في الشمال وإحكام الخناق على حلب بينما تعمل على تكثيف هجومها الجوي على الريف الدمشقي والاستمرار بتطبيق سياسة الأرض المحروقة التي استخدمها الروس بطريقة بشعة في غروزني في عام 2000، فلا شيء يمنع القيادة الروسية من إعادة التاريخ في ظروف مشابهة، فما فعلته في العاصمة الشيشانية لا يختلف عما تفعله في كل منطقة في سوريا تريد استعادتها، الحصار ثم التدمير ثم الاقتحام.

المشاهد السوري لم يعد يحتمل سيناريوهات كثيرة، فما تريده روسيا أصبح واضحا وبدأ يظهر إلى العلن وبشكل متسارع

* كسب الوقت

لن تتردد روسيا في محاولة كسب الوقت لتطبيق البنود السابقة، ولذلك سترحب بأي اجتماع دولي أو مؤتمر لـ “مجموعة دعم سوريا” والموافقة على بنوده على الورق دون تطبيق شيء على الأرض أو الضغط على النظام لتطبيق بعض البنود الرمزية لاظهار حسن النوايا لإخفاء مخططها القائم على تحقيق الحل العسكري.

* بيان ميونيخ

اجتماع ميونيخ كان أحد هذه المؤتمرات التي تسعى روسيا لتحقّق من خلاله كسب الوقت، فقد عقدت “المجموعة الدولية لدعم سوريا” اجتماعا في ميونيخ يومي 11 و12 فبراير 2016.

ورغم أن هذا الاجتماع دعا إلى وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المحاصرة هذا الأسبوع ووقف الأعمال العدائية في البلاد، إلا أنه لم يتحقق شيء حتى الآن بشكل حقيقي، إنما فقط بطريقة شكلية تظهر تجاوب الروس والنظام معها لا من أجل تطبيقها بل للالتفاف عليها والاستمرار بمشروعها.

المشاهد السوري لم يعد يحتمل سيناريوهات كثيرة، فما تريده روسيا أصبح واضحا، وكيف تطبقه؟ وما هي أهدافه؟ بدأ يظهر إلى العلن يوما بعد يوم وبشكل متسارع، بينما لا يقابله تحرك حقيقي يوازيه أو يحاول على الأقل عرقلته أو تأخيره.

المشكلة لم تعد في معرفة ماذا تعدّه روسيا في سوريا، المشكلة تكمن في ما تسعى المعارضة إلى تحقيقه في سوريا، بل المشكلة هل هناك حقا شيء جوهري تعده المعارضة السورية وحلفاؤهـا في وجه المشروع الروسي الإيراني؟

إعلامي سوري

7