هذا ما حدث لأخوين عشقا امرأة واحدة

يعتبر مكسيم غوركي واحداً من أبرز كتَّاب روسيا بعد سقوط حكم القيصرية، تركَ للآداب والثقافات العالمية أثرا متعددا يقوم على التنوع لإعادة فهم الحياة من منطلق المشاعر الإنسانية الساعية دوما إلى التحرر من كل قيد، وفي روايته “العبودية” ، يضع غوركي الأسئلة والإجابات معاً أمام المتلقي، فمهمة الأدب عنده هي أن يعين الإنسان على فهم ذاته قبل فهم العالم المحيط.
الاثنين 2017/07/31
الصمت ما بعد الصراع (لوحة للفنان فرانسيس بيكون)

بعيداً عن الأدب الذي يروِّج لنظريات أيديولوجية أو اشتراكية، وبعيدا عن نمط الأدب الذي ساد روسيا عقب الثورة البلشفية وإنهاء حكم القيصرية عام 1917، يمكن قراءة رواية “العبودية” لمكسيم غوركي بارتكاز تام على إحساس عارم بمساءلة الإنسانية من خلال وضع النقائض كلها على الطاولة، النقائض التي تُكوّن المخلوق وتكون المحرِّك الرئيسي لأفعالِه وردودها.

حكاية أخوين

رواية غوركي “العبودية”، الصادرة حديثاً بنسختها العربية عن دار الرافدين في بيروت بترجمة عدلي كامل، ضمت مقدمة مقتضبة كتبها غوركي ركَّز فيها على أن “غاية الأدب هي أن يعين الإنسان على أن يفهم نفسه، وأن يؤمن بنفسه، وينمِّي فيه الطموح إلى الحقيقة، وأن يكافح نوازع الشر في طبيعة البشر”.

هكذا يمكن فهم مدخل الرواية التي جاءت على ستة فصول، ونتناول في هذا العرض الفصلَين الأولين، فما يثير استغراب القارئ أن هذين الفصلين متكاملان بطريقة كان يمكن الاشتغال على الشخصيات فيها لتكون رواية مستقلة تحمل في دواخلها ومضامينها قصة إنسانية مدهشة.

العتبة الأولى مشهد مكاني ثابت لرجل يسير في زقاق المسرح، هو الراوي الناقل للحكاية القادمة، هذا ما نكتشفه فيما بعد، لا اسم له ولا ملامح واضحة سوى أنه يسير في زقاق المسرح كل يوم، وفي كل مرة يرى فيها محلاً صغيراً غائراً في حائطٍ قديم، يجلس فيه رجل كبير، صامتٌ معظم الوقت، هذا الرجل اسمه بطرس، وهو حامل الحكاية وراويها الحقيقي، البطل الذي يجلس طيلة سنوات على كرسي خشبي يبيع الطوابع ومستلزمات الكتابة لزبائن لا يمنحهم الكثير من الاكتراث، الهدفُ عندهُ هو الإقامة في الجغرافيا المواجهة لحائط قديم جدا تظهر عليه فضلات الحَمَام، ونباتات عشبية صغيرة تحكي عن زمنٍ غابَ فيه سكان المكان.

بطرس البطل يلتزم الصمت دائماً، إلى أن يقرر البوح مرة واحدة دون مبرر حكائي لذلك سوى فضول العابر أمام بطاقات بريدية معروضة للبيع لفنانة مغمورة اسمها “لاريسا أنتونوفنا دوبرينينا”، مغمورة عند جمهور واسع، لكنها العالم كله عند صاحب الحكاية بطرس، الذي يعود نبشاً في ذاكرة قديمة لتبدأ القصة بهروب والدته مع عازف بيانو وموتها بعد ذلك، ثم صرامة والده وسيطرته على كل مفاصل الحياة في بيتٍ لا يستطيع أحد فيه أن يصرخ أو يصدر صوتاً إلا الذباب، فكان موتُ الأب المفاجئ كاشفا عن علاقة مرتبِكة بينه وبين ابنيه بطرس وكوليا.

العائلة التي كانت تعتاش من إدارة وملكية معمل للصابون، تقوم على عمودين الأول هو بطرس الذي اتجه نحو العمل مع أبيه في المصنع باكرا، وكوليا الذي انشغل بدراسة الكيمياء والرياضيات بمخطط واضح لإدارة المصنع فيما بعد، لكن وفاة الوالد وغرق كوليا في القراءة ووقوع الأخَوَين في غرام ممثلة مسرحية مبتدئة جعل القصة تذهب نحو العمق الإنساني الحقيقي.

تناقضات الحياة

تتميز شخصيات مكسيم غوركي في هذه الرواية بأنها تمثِّل في جوهر الأمر تناقضات الحياة، فلكل شخص هناك نظير يقابله ويساويه بالقوة ويعاكسه بـ”الاتجاه، القوة، الضعف، الإيمان المطلق، الإلحاد الكلي، الحب، الكره، الغنى، الفقر، الطموح، الانكسار، التسليم، الإنكار، العبودية، الحرية، الرأسمالية، الاشتراكية”.

غوركي اعتمد على التشخيص في تقنية الحكي في روايته، فكان ينتقل بين الأزمان والأمكنة بانسيابية مدهشة

يبرز المسار الدرامي بين الأخوين في صراع داخلي يعيشه كل منهما، مثال ذلك ما أتى على لسان بطرس “اطمأنَّ قلبي، فقبل تلك اللحظة، كنتُ -أنا نفسي- مغرماً بها دون أن أشعر بذلك شعوراً واضحاً، أما في تلك اللحظة فقد أدركتُ أني أحببتها من أول نظرة، أدركتُ هذا فجأة، وهكذا المصائبُ دائماً، تحدث فجأة”.

هكذا يضعنا الكاتب في قلب صراع الأخوَين على الأنثى، فتسير الأحداث نحو التأزُّم والتعقيد حيث ينتحر كوليا، ونقتبس من النص “أمضت لاريسا فترة الصوم الكبير في المدينة، وفي عيد الفصح بدأ موسم التمثيل، وبعد ذلك بأسبوعين انتحر كوليا ليلاً في ميدان المسرح، هناك حول الناصية، لست أدري ماذا حدث بينه وبين لاريسا، أجل، أطلق كوليا رصاصة في قلبه وأتوا به إلى البيت فأخذت أعوي كوحش جريح”.

الأخ الذي كان يُشجِّع عمال أبيه على الإضراب لتحصيل حقوقهم، انتحرَ بينما قام بطرس الراوي ببيع المصنع والانطلاق سعياً خلف لاريسا من مدينة إلى أخرى، حتى عاش في تشرُّد وفقر، إلى أن ماتت الممثلة في قرية نائية على ساحل البحر بعد اضطراب عضلة القلب.

اعتمد مكسيم غوركي على التشخيص في تقنية الحكي، وكان ينتقل بين الأزمان والأمكنة بانسيابية مدهشة، فنراه يحكي عن المدن الروسية ومسارحها أو علاقات العمال مع بعضهم البعض ومع المحيط، أو العلاقة المُربِكَةِ بين الأخوَين، ثم يعود إلى بطرس الراوي الجالس على كرسيٍّ في محل لبيع الأدوات المكتبية وطوابع البريد قبالةَ بيتٍ كانت تسكنه الفتاة التي أحب.

إن رواية “العبودية” في مساراتها الدرامية تمثِّل بنسختها العربية، أجوبة عن أسئلة محتملة في عقل القارئ، فإذا كانت المقدمة التي اختصرها المؤلف بقولِه إن غاية الأدب هي أن يعين الإنسان على فهم نفسه، فهذه الرواية تعيد إنتاج الأسئلة والأجوبة معاً لتكون أمام القارئ، حيث وضعَ غوركي أسلوبَه في الحياة والفكر، مُعترفا بأن ذلك لا يبلغ درجة الكمال التي أراد، إنه مجرد تخطيط عام، يرميه بصور متكاملة مرسومة بين يدي المتلقي.

14