هذا هو الدجل!

الخميس 2013/12/05

قدّمت الأصوليّة الدينية نفسها في العالم العربي وكأنّها تحمل وصفة الخلاص الأعظم لشعوب عانت من خيبة النكسة وهوان الهزيمة، ومن ذل الظلم وقهر الطغيان، وأنها ستوحد العرب، بل وكافة المسلمين تحت راية واحدة، وستحرر فلسطين وتطعم الجائعين وتنصف المظلومين، من خلال وصفة خفيفة على اللسان ثقيلة في الميزان! ما هي؟ هي "إعلاء كلمة الله". أواه! كما لو أن الأمر يتعلق بوصفة سحرية على طريقة عصا موسى أو خاتم سليمان أو حتى مصباح علي بابا.

المحصلة التي لا تخفى على أحد، أن تلك الوصفة في السودان ضيّعت الجنوب، وهو أكثر خصوبة وثراء، فقط لكي تجلد النساء في النصف الباقي، ثم قالت للشعب: هذا انتصار للشّريعة ما بعده انتصار!

ليس هذا فقط، فإن تلك الوصفة السحرية قسمت فلسطين وضيعت القضية مقابل إمارة غزّة، ومنها تطلع -بين الفينة والأخرى- صواريخ عبثية لضمان بعض الفرجة عبر الجزيرة. وحتى هذه لم نعد نسمع عنها شيئا منذ سنوات خلت. فمن يذكر صواريخ القسام اليوم؟

وأيضا، تلك الوصفة السحرية انتهت في مصر إلى السقوط الحر في هوّة بلا قعر، وأفضت في العراق إلى حرب دينية لا أوّل لها ولا آخر مشفوعة بتفجيرات قد لا تترك حجرا على حجر. وانتهت إلى دمار أفغانستان وخراب العمران وهلاك الإنسان وأعادت البلد إلى ما قبل العصر الحجري بعد أن كان البلد في زمن سابق رائدا في السينما والكثير من مجالات الإبداع.

تلك الوصفة السحرية في اليمن توشك على تمزيق البلد إربا إربا فلا تترك منه شبرا يصلح لإعادة البناء، وهي في تونس لا تفعل شيئا سوى أنها تدور في حلقة مفرغة، علاوة على أنها أفسدت الثورة السورية وجعلت الأمر حربا طائفية تخلط فيها الأوراق وتضيع أهداف الثورة.

تلك الوصفة السحرية في ما بقي من الصومال الحبيب، وفي إمارة تمبوكتو سابقا، وفي الضاحية الجنوبية لبيروت، وفي كل مكان تقيم فيه لا تفعل سوى أنها تقدم البديل الأسوأ لواقع سيئ. أكثر من ذلك، فإنها في الأفق الدولي الشاخص أمام الأنظار لم تثمر غير الإرهاب العالمي الذي يخبط خبط الناقة العمياء.

مع ذلك، وبعد كل إخفاق كارثي أو فشل ذريع، نسمع أصواتا أصولية تقول لنا مثلما يقول الدجالون في حالات الفشل: كانت الوصفة السحرية صحيحة مئة بالمئة، لكن "نيّة الزّبون" لم تكن خالصة!

أي نعم، هذا هو الدجل عينه!

24