هذه العدمية من ذلك القهر

السبت 2014/08/23

مضى عام على الهجوم بغاز السارين السام في غوطة دمشق، ومصرع نحو 1400 شخص، جلهم من المدنيين، ومازال نظام بشار الأسد، الذي اقترف هذه الجريمة، قائما وينعم بحمد المجتمع الدولي لتعاونه وإتمامه عملية تسليم سلاح الجريمة، وليصبح استخدامه لمختلف أنواع السلاح، أمرا مباحا ما دام ملتزما بعدم استخدام أسلحة التدمير الشامل، وقد يضع يده بيده اليوم، لإزالة خطر “التطرف”، الذي زرعه الأسد بجرائمه، ورعاه المجتمع الدولي بنفاقه المريع.

إن أي “ذبّاح داعشي”، أو انتحاري يمزق جسده وينهي وجوده، ووجود من حوله، ورغم اختلافنا مع منهجه، هو أكثر آدمية وأخلاقية من قادة العالم، فيما لو كان منطلقه إلى عدميته القاتلة، تلك الصور والمشاهد المروعة لمجزرة الكيميائي أو غيرها من مذابح النظام السوري التي لا تقع تحت الحصر، وهو لا يمكن أن يلام، فيما لو كان أبا أو أخا لأطفال المجازر الذين ذبحوا على يد شبيحة النظام، أو الميلشيات التي تدعمه.

نحن لا نفاضل بين قاتل يخنق الأطفال بالغاز، و”ذبّاح” يستخدم السكين، فكلاهما قاتل في النهاية، لكننا نحذر من تجاهل الأسباب الواضحة التي قد تدفع شخصا إلى التطرف مع أنه كان حتى الأمس، كائنا بشريا سويا، يحب الحياة ويسعى إلى تحسين شروط عيشه، قبل أن يصبح هذا العالم شيئا لا يطاق، ولا يستحق الحياة.

لقد جرت كل تلك التشوّهات والانحرافات في المنظومة الشعورية والأخلاقية، خاصة في المجتمع السوري، تحت سمع العالم وبصره، ورأى الجميع كيف تحول جزء من الثوار في ثلاث سنوات ليصبحوا أكثر عنفا وقسوة، مرحلة بعد أخرى، كتطور لاحق لارتفاع مستوى عنف النظام وإجرامه ضدهم، وتدني مستوى التضامن البشري والإنساني معهم، الذي بلغ ذروته المأساوية، في التغاضي المشين عن جريمة استخدام السلاح الكيميائي.

والمراقب لتطور الأحداث في سوريا، يستطيع أن يكتشف بسهولة، أن العنف الوحشي المضاد، متمثلا في “داعش” وأضرابها، قد بدأ في الصعود الفعلي في المرحلة التي أعقبت معالجة المجتمع الدولي، الشاذة والمخزية لجريمة الكيميائي، إذ منذ متى يعتبر تسليم سلاح الجريمة، سببا للصفح عن القاتل؟

يعلم الجميع في هذا العالم، أن نظام بشار الأسد مازال يخفي أشد أسلحته الكيميائية فتكا ولم يسلّمها، كما أن مصادر حصوله عليها مازالت متاحة، سواء من إيران أو من كوريا الشمالية.

ويعلم الجميع، في قرارة أنفسهم، أن بقاء هذا النظام القاتل هو الشرط اللازم لبقاء التيارات والتنظيمات العدمية، التي لن تتوانى، لحظة، عن تدمير نفسها وتدمير العالم، فيما لو أتيح لها ذلك، ويعلم، فوق هذا كله، أن نظام الأسد لن يتوانى عن تزويد تلك التنظيمات بطريقة أو بأخرى بالسلاح الكيميائي المدمر، فيما لو اقتضت مصالحه ذلك، ومع ذلك يستمر العالم في الصمت ومحاباة نظام القتل، وجحود وإنكار مطالب الشعب السوري الإنسانية المحقة.

لا بد من مراجعة شاملة تتسم بالعدل والشجاعة الأخلاقية، لتعاطي المجتمع الدولي مع المأساة السورية، وعلى رأس ما يجب تناوله جريمة استخدام السلاح الكيميائي.

وعلى صناع القرار في هذا العالم أن يعوا قبل فوات الأوان، بأن أي تسوية غير منصفة للمجتمع الدولي مع النظام، على حساب الضحايا من الأطفال والأبرياء، لن تمرّ، وسيدفع الجميع ثمنها، عاجلا أم آجلا.

أبعد من ذلك، يجب أن يكون المثال السوري، الواضح وغير القابل للتأويلات، منطلقا لإدراك الغرب خاصة، بأن الاضطراب العميق، الذي يقود المجتمعات الإسلامية نحو العدمية الانتحارية، هو النتيجة المنطقية للشعور المتزايد بالاضطهاد والقهر، من طرف هذا الغرب المتعالي والمتغطرس، والمستقوي بتفوقه التقني والاقتصادي، واحتكاره الجشع للسلطة والثروة، بالتواطؤ مع أنظمة الحكم المحلية، الفاسدة والقاتلة، التي يدعمها، خلافا لقيمه ومثله المعلنة.


كاتب سوري

8