هذه القطيعة بين السينما والأدب

الأربعاء 2017/06/14

ساهم الازدهار الكبير الذي شهده الحقل الأدبي في مصر خلال الخمسينات والستينات من القرن العشرين في تطور تيار الواقعية في السينما المصرية، وكانت لروايات الأديب الراحل إحسان عبدالقدوس على وجه الخصوص جاذبية كبيرة لدى مخرجي الأفلام الاجتماعية.

ففي سنوات الخمسينات طرحت روايات عبدالقدوس مشاكل وقضايا مرحلة الانتقال من مجتمع ما قبل الحرب العالمية الثانية بقيمه القديمة، إلى مجتمع جديد يواجه الماضي بنوع من التمرد، هنا برزت قضايا المرأة وتعليم الفتيات وأحلام الشباب المتطلع إلى مجتمع أفضل، وموضوع الكبت الاجتماعي والنفسي، والتطلع إلى الصعود في المجتمع الجديد، وغير ذلك من القضايا والموضوعات التي تبناها إضافة إلى إحسان عبدالقدوس، كتاب آخرون مثل يوسف السباعي ويحيى حقي وصبري موسى وعبدالحميد جوده السحار وصلاح حافظ، غير أن الواقعية في الأدب والسينما ارتبطت كثيرا بأعمال الأديب نجيب محفوظ.

نقل نجيب محفوظ السينما من مرحلة “الحدوتة” المسلية إلى القصة المحكمة ذات الدلالات الاجتماعية والسياسية، كما في “اللص والكلاب” و”ميرامار” و”ثرثرة فوق النيل”، وإلى مجال الأفكار الإنسانية والفلسفية الكبرى كما في “الطريق” و”الشحاذ” و”قلب الليل”.

وقد لعب محفوظ دورا رائدا في إثراء السينما المصرية عندما عمل منذ أوائل الخمسينات كاتبا للسيناريو، سواء من خلال السيناريوهات التي كتبها للسينما مباشرة، أو قام بإعدادها عن رواياته، أو قام غيره من كتاب السيناريو بإعدادها عن أعماله الأدبية.

العلاقة المتوازنة بين السينما والأدب لم تكن حبا من طرف واحد، فكما ترك الأدب تأثيره الواضح على السينما وأثراها فكريا، ترك الفيلم بصماته على الكثير من الأعمال الأدبية سواء في مجال القصة أو الرواية، فقد تأثر كُتاب القصة دون شك بطريقة المونتاج والإيقاع السريع والتداعيات والتعبير من خلال وصف الحركة والحدث، وليس فقط الانفعالات والمشاعر الداخلية لأبطال رواياتهم.

أما اليوم فقد أصبح أغلب السينمائيين المصريين يفضلون كتابة سيناريوهات أفلامهم بأنفسهم. وتعتمد معظم هذه الأفلام على اقتباس الحبكة من أفلام أميركية ناجحة، والقليل منها يعتمد على المخرج المفكر صاحب الفلسفة الخاصة كما في حالة داود عبدالسيد.

ورغم أن داود اعتمد في البداية على الأدب في فيلمه المبكر الشهير “الكيت كات”، إلا أنه أصبح بعد ذلك يكتب أفلامه بنفسه، ويثري السينما بأعمال ترقى إلى مستوى الأعمال الأدبية مثل “البحث عن سيد مرزوق” و”رسائل البحر” و”قدرات غير عادية”.

والحقيقة أن جانبا من مشكلة القطيعة بين الأدب والسينما في السينما المصرية على العكس من السينما الأميركية التي عادت بقوة للاستلهام من الأدب، يرجع إلى قلة كتاب السيناريو المحترفين الذين يمكنهم تطويع الأدب إلى لغة السينما، فالغالبية العظمى ممن يملكون هذه الموهبة يفضلون تحويل الروايات الأدبية إلى مسلسلات تلفزيونية، فهي تتيح للكاتب مساحة زمنية أطول يشغلها بالشخصيات والأجيال المتعددة المتعاقبة، كما أنها تحقق دخلا ماديا أكبر للكاتب مما يحققه السيناريو السينمائي، والنتيجة أن السينما تخسر، ويذهب المكسب إلى كتاب الدراما.

السينما العربية غير المصرية أبرزت كثيرا دور المخرج-المؤلف طبقا لمفهوم غير حقيقي، يقول إنه يتعين على المخرج أن يكتب موضوعه بنفسه في حين أن الفكرة أساسا تتعلق بتعبير المخرج عن رؤية ذاتية وعن نظرة للعالم وفلسفة خاصة من خلال أفلامه حتى لو كتبها غيره، وإن كان المخرج يشارك عادة في الكتابة، لكنه يعتمد على كاتب سيناريو محترف يعرف جيدا كيف يصوغ الأفكار دراميا، ويترك للمخرج أن يجسدها بصريا.

وقد اتضح في نهاية الأمر أن وراء التشبث بمسألة كتابة السيناريو بدعوى الالتزام بنظرية المخرج-المؤلف، دافعا ماليا وأدبيا أيضا، وقد جرت الكثير من المعارك بين كتاب السيناريو الذين بدأوا الكتابة لمواضيع محددة بالاتفاق مع مخرجيها ثم استأثر المخرج بالسيناريو ووضع عليه اسمه بعد أن أضاف إليه القليل مستبعدا الكاتب الأصلي، وهي في ظني قضية أخلاقية في المقام الأول.

ناقد سينمائي مصري

16