هذيان تحت الشمس

الأحد 2016/05/29

كثيرة هي الأحاديث التي تبدأ بالتعليق عن الطقس بين شاب وفتاة، وتنتهي بالذريّة الصالحة أو بأبغض الحلال، ولعنة اليوم الذي كانت فيه الشمس غائمة جزئيّا أو كليّا.

أخبرتني صديقة سوريّة أنها دخلت إلى المصعد وهي تهوّي بجريدة فرنسية وجدتها بالصدفة في بهو الفندق، وقالت متذمّرة من حرارة الطقس بلكنة شاميّة مؤنّثة “ولي..! شو في شوب”، ابتسم السائح الفرنسي الذي كان في المصعد ووافقها الرأي واستمر في محادثتها ظنا منه أنها تتقن الفرنسية، وذلك لتطابق اللفظ والمعنى ـوبالمصادفةـ مع عبارة “إيل في شو” الفرنسية.

تطورت المحادثة بإشارات ونظرات وهنّات وزلاّت، صار الحب والزواج والأولاد وحوار الحضارات، فانظروا إلى ما يفعله الطقس بالشعوب.

غالبا ما يورّطنا الطقس في مواقف يصعب الخروج منها، كما حدث مع شخصية “مارسو” في رواية “الغريب” لألبير كامو، والذي واجه حكما بالإعدام حين أطلق من مسدّسه أربع رصاصات على من سحب سكينا في وجهه عند شواطئ وهران الجزائرية، وكان كل ذلك بسبب انزعاجه من انعكاس لمعان الشمس على السكين.

وبسبب رداءة الطقس، انتسب الشاعر محمد الماغوط في خمسينات القرن العشرين إلى أوّل حزب صادف مقرّه في طريقه، لا لأفكاره، بل لأنه كان يحوي في قاعة اجتماعاته مدفأة حطب، تنعش الدم الذي كاد يتجمّد في عروقه أثناء شتاء طويل وفقير.

لولا الحياء لجزم الواحد بأنّ أغلب ما عرفه تاريخ البشرية من متغيّرات جذريّة، كان بسبب الطقس الذي يقسو أو يلين، من الثورة الفرنسية إلى الثورة البلشفية.

همس لي صديقي المتفلسف، بأنّ ضعف عقيدة الشمال الأوروبي في نظره، سببها الثلوج التي تجعل بعضهم لا يخاف جهنّم يوم الحساب، بل وربما يتمنّاها أثناء تلك العواصف الثلجيّة القاسية.

وقد جعل الطقس اللغات الأوروبية تقول مثلا “هذا أمر يدفئ قلبي”، للدلالة على الانشراح، أمّا نحن فنقول “هذا شيء يثلج صدري”، للتعبير عن نفس الإحساس، كما أنهم يخافون الليل ويشبّهون به كل ما هو موحش، أمّا نحن فيتغزّل به شعراؤنا ونختاره ظرفا آمنا للبوح، ومناسبا للّقاءات المتعذّرة، جعلناه بلا عيون، وجعلنا النهار بلا آذان.. ثم ّ غنينا “يا ليل يا عين”.

وبسبب قسوة الطقس أيضا يحكى أنّ تقاليد رجال “الإسكيمو” تقضي بأن يهدي الواحد لضيفه امرأة تدفئ فراشه طيلة فترة الإقامة، وقد أخبرني صديقي المتفلسف أنه ينوي زيارة تلك البلاد لأسباب استكشافية بحتة.

ما يفعله الطقس بالناس جعل القنوات التلفزيونية تبجّل النشرة الجويّة وتقدّمها على السياسيّة، والتي تتأثر بكل ما تفعله الشمس في رؤوس الساسة والمدنيين والعشاق وأدعياء التديّن.

حين كانوا يقسمون الحدود بين فنلندا والاتحاد السوفييتي، قسم الخط الفاصل منزل فلاّح بتساو مدهش، خيّرته السلطات الستالينية بين الجنسيتين فأجاب “أعتقد أنّ الطقس في فنلندا أفضل”.

24