هراء القاعدة الجديد: أقتل ثم اعتذر..

الثلاثاء 2013/12/24

القاعدة تعتذر عن جريمة مستشفى العرضي في اليمن، والبعض ينقلون هذا (الاعتذار) بمنتهى السرور. وهذا لعمري هو الفُجر بعينه: أن تقتل رجالا ونساء وأطفالا مربوطين إلى أَسرة المرض وقلة الحيلة ثم تعتذر مع يقينك بأن هناك من سيقبل عذرك. هل يعرف أحد منكم قاتلا تقدم باعتذاره إلى أهل القتيل فطبطبوا على كتفه وقبلوا عذره وتركوه لحال سبيله؟ هذا هراء (قاعدي) جديد يمهد لشرور قادمة سيذهب ضحيتها عشرات ومئات الضحايا، لترسل لنا، بعد إزهاق أرواحهم، هذه الحماقات التي لا تقل فحشا وجرما عن ارتكاب حماقات القتل نفسها.

ولكي نصف فظاعة هذا الاعتذار وغباء من يسوقه أعيد معكم هنا ما حدث: مسلحون يقتحمون مستشفى العرضي الذي يقع داخل مجمع وزارة الدفاع اليمنية، متنكرين بلباس عسكري ويحملون أسلحة خفيفة ومتوسطة، مدعومين بسيارات تحمل متفجرات ومعهم انتحاريين. لم يتجهوا لاقتحام مبنى وزارة الدفاع وإنما اتجهوا لمبنى المستشفى. عمليتهم أسفرت عن مقتل 56 شخصا غالبيتهم من الأطباء والممرضات، بينما أصيب 176 آخرين بجروح، حسب ما أعلنت عنه اللجنة الأمنية العليا في اليمن. من بين القتلى طبيبان ألمانيان وآخران فيتناميان وممرضتان فيليبينيتان وأخرى هندية. ثم إليكم عاشرة الأثافي: العديد من المصادر الإعلامية تناقلت تبنى ما يسمى بـ”تنظيم القاعدة في جزيرة العرب” يوم الجمعة 6 ديسمبر 2013 هجوم مستشفى العرضي، في بيان نشره حساب يتبع التنظيم في موقع تويتر، حيث أعلنت القاعدة أنه تم توجيه “ضربة قاسية” لوزارة الدفاع اليمنية بعدما ثبت أن المجمع يحوي غرفا للتحكم بالطائرات دون طيار ويتواجد فيه عدد من الخبراء الأميركان. والأدهى أن تجد، من يُسوق لهذا الهراء الذي يستبيح دماء وأرواح الناس، ويضعه في مقارنة بين قاتل اعتذر وهو القاعدة وقاتل لم يعتذر وهو حزب الله. في ظنه أنه يُحرجنا أو يوسع لنا مساحة التسامح مع جرائم القاعدة. كلاهما، جماعة القاعدة أو حزب الله، شرور مستطيرة تعض رقاب البشر وتلغ في دمائهم، فلا فرق بين سكين حانقة وسكين متربصة، لأن النتيجة واحدة وهي إزهاق أرواح بريئة، ثمنا لما يسعى إليه هذا أو ذاك، أو تسديدا لفواتير هذا المستأجر أو ذاك المستعبِد.

والاستئجار أو الاستعباد لبعض (جماعات) الغلو والتكفير والإرهاب ليس أمرا نكتشفه الآن أو حدثا يفاجئنا في نيويورك أو لندن أو اليمن أو العراق أو سوريا، بل هو صناعة إستخبارية معروفة تُبذل في سبيل نجاحها واستمرارها، أموال طائلة تصرف على التجنيد والتدريب والأسلحة والتمكين من أراضي ومصالح الغير المستهدفين بنوايا هذه الأجندة أو تلك. وكل مكائن هذه الصناعة الاستخبارية، تشتغل بوقود الدين، الذي يُستغل من هذه الجماعة أو هذه الطائفة لتسيير مراكب (الفتن) وإشعال نيرانها في كل بقعة تستهدفها هذه الأجندات الماكرة.

وما قد لا يدركه بعض السذج من الباحثين عن أعذار لجرائم القاعدة في بلاد المسلمين وغير المسلمين، هو أن الدور سيكون عليهم حين تحين (ساعتهم) ليصبحوا، حطبا جديدا لنيران هذه الجماعة، التي، إن كانوا يعقلون ويتعظون، ارتدّت أكثر من مرة على ما تعتبره ميادينها الطبيعية في جزيرة العرب لتهدد أهلها وتقتل أبناءها وتفتك بأوصالها الاقتصادية وسلامها الاجتماعي. وهو بالضبط ما حدث في السعودية من قبل وما حدث ويحدث الآن في اليمن.

فبعد أن ضاقت الأرض بما رحبت على فلول ومشردي هذه الجماعة، وأصبحوا مطاردين من كل الأنظمة والشعوب، وجدوا ضالتهم في اليمن الذي لم تكن تنقصه المآسي والأوجاع التنموية والفوضى العارمة. وهناك اشتد عودهم من جديد ليعودوا إلى ساحات القتل والتدمير، التي لا يقدرون على العيش في غيرها من الساحات، بعد أن سلموا أنفسهم ورؤوسهم لمنظري فتاوى التكفير والتفجير والتهجير، الذين ما فتئوا يتوالدون ويزايدون على علماء الوسطية والتعقل في طول البلاد المسلمة وعرضها.

إن قضية مستشفى العرضي بوجهيها الكالحين، الجريمة والاعتذار، لا يجب أن تكون حدود نقاشها في إنكار المنكر أو تجريم الجريمة، بل كيف وصلنا إلى هذه الحالة المأساوية التي يُقتل فيها المرضى والمشردون في وضح النهار، ثم تدفنهم (الاعتذارات) المجانية ممن يقولون زورا وبهتانا إنهم يحملون راية الإسلام والدفاع عن حياضه. ولا أظن أننا، بحاجة إلى القول بأن الإسلام بريء من هؤلاء ومن أفعالهم، إذ ليس هناك، على وجه الأرض، عاقل يصدق بأن هناك دينا يستقوي على رقاب الأبرياء. الأديان كلها، لم تحمل إلا دعوات الخير والتسامح. والإسلام واضح في قتل النفس: “وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ”، “وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا”.

إذن ليقولوا لنا إن جرائمهم ترتكب بأسماء أخرى غير الدين لنصدقهم، باسم السياسة مثلا أو باسم المغانم الذاتية، أو باسم الغلو أو باسم الشيطان، الذي يزين لهم جرائمهم، ثم يزين لهم اعتذاراتهم. نحن نفهم الآن أن هؤلاء، من حيث ربما يعلم بعضهم ويجهل بعضهم الآخر، مستخدمين من أعداء الإسلام وأعداء العرب. وهم في هذه الحالة، ليسوا سوى خناجر مسمومة في خاصرة هذه الأمة التي تسورها التربصات من كل جانب.

ولذلك إن لم تستوعب أنظمة الحكم في المنطقة العربية، كل هذه الدروس القاتلة من هذه الجماعات وتَجدُّ في محاربتها وتجفيف منابعها ومدارسها الفكرية، فإن مستقبل هذه الأنظمة ودولها وشعوبها سيكون، مستقبلا مظلما يدفع فيه الجميع الثمن، الذي ستستحيل، مقارنته بما يجري الآن.


كاتب سعودي

9