"هرة سيكيريديا" رواية عن الفضاءات المهمشة للحرب

الجمعة 2015/03/06
في الرواية يبدو كأن رشيد الضعيف ينتمي إلى فضاء الحرب لا الخارج الذي يعمه السلام

دمشق- في روايته “هرّة سيكيريدا”، الصادرة، حديثا، عن “دار الساقي”، ببيروت، يقدم الشاعر والروائي اللبناني رشيد الضعيف صورة عن عوائل هشمّتها الحرب الأهلية، وهي تحاول الحفاظ على استمرارها وما تبقى لها من أخلاقيات ليظهر التعاطف والشفقة أحيانا في ظل الموت والاختطاف والتقسيم الطائفي.

رواية “هرّة سيكيريدا” لرشيد الضعيف، كأنها تريد أن تبوح بالعديد من المقولات مثل: لا يُهمّ ما يحدث، المُهمّ أن لا نتحدث عنه، يكفي أن نلتزم بالقواعد والأعراف العامة كي نستتر على الفضيحة، الفعل مهما بلغ كبره لا داعي للحديث عنه، سلسلة ما يفترض أن تكون فضائح ومصائب تختفي في ظل الحرب سريعة الوتيرة والتحايلات والاتفاقات السريّة لتدارك الأخطاء وتلميعها.

ليس غريبا على رشيد الضعيف عناوينه الجذابة فـ”تصطفل ميرل ستريب” و”عودة الألماني إلى صباه” و”ليرنينغ أنغلش”، كلها تقف إلى جانب “هرّة سيكيريدا” وتجذب القارئ لمعرفة مصير هذه القطّة وصاحبتها الخادمة الأثيوبية، تدور الرواية حول رضوان الابن غير الشرعي للخادمة المسيحية سيكيريدا التي لا تجد مشكلة في مضاجعة من تريده ثم حملها برضوان الذي تجعله العجوز أديبة -التي تعمل سيكيريدا في بيتها- بمثابة ابنها، وتشرف على مسيرة حياته حتى البلوغ الشرعي (15 عاما) بوصف هذه القضية مفصلية في حياته من وجهة نظرها.

التشويق الذي تفترضه الرواية، نراه ينهار أمام الصيغة الحتمية والأحكام المسبقة التي تمتلكها الشخصيات عن الأحداث

نتعرف على سيكيريدا في البداية ثم “ماما أديبة” التي تخفي الخطأ الذي قام به رضوان حين كان في سن الثالثة عشرة ما أدّى إلى قتل رجل، كذلك تقوم بحل مشكلة علاقته الغرامية مع أمل، المقعدة التي تحمل منه، ثم يختطف هو صديقه ويختفيا، ليتكرر الماضي عبر زواج مؤقت يجعل من أمل مطلّقة لرجل غائب كي لا يكون طفلها من دون أب، كحالة رضوان الذي تمّ أيضا اتّباع نفس أسلوب الزواج المؤقت مع والدته سيكيريدا.


صوت الضحية


تستدعي الرواية أصوات المهمشين في الحرب، أولئك الذين لا يشتركون في ساحات القتال، لأنهم يحاولون الحفاظ على ما تبقى من شذرات حياتهم للاستمرار فيها، وكأن الحرب حدث اعتيادي، ليظهر ذلك في التعاطف الذي أبدته أديبة مع سيكيريديا بالرغم من أنها حامل بطفل مجهول الأب، وتعاملها مع الطفل كأنه ابنها وتغطيتها على جريمة القتل التي قام بها، وكأن الاشتراك بالبلوى يجعل الجميع متساوين.

فسيكيريدا من بلد آخر وديانة أخرى وخادمة، إلا أن ابنها يتربى كأنه لبناني مسلم حيث تحاول أديبة إبعاده عن الحرب ورفاق السوء، هذا التعاطف بين الشخصيات يرسمه فضاء الحرب وتكون الفتوى الدينية ظلا له وميسرا له، حتى في مشكلة أمه ونسبه له ومشكلة ابنه غير الشرعي من أمل، فالجميع متساوون أمام هول الحرب الدائرة والحكم الديني لا بدّ من حضوره حتى كانت الأسرة متحررة كحال أمل ووالدتها.

التأقلم الذي فرضته الحرب على الشخصيات يجعلها تبدو وكأنها دائما على عجل، إذ تحضر في بالها تفاهة ما تمرّ به نتيجة الخسارات التي تسببها الحرب الأهلية، فموقف الرفض غير موجود، لنرى أنفسنا أمام الحاضرين في مكان الحرب قانعين بما يحدث.

الكتاب يقدم صورة عن عوائل هشمّتها الحرب الأهلية

أما أولئك الغائبون فيشار إليهم فقط، كأبناء أديبة الذين يحضر ذكرهم عبر المساعدات المالية التي يرسلونها، أو مرض أحدهم، وكأن الضعيف ينتمي إلى فضاء الحرب لا الخارج الذي يعمّه السلام، والحضور من الخارج الذي تمثّل في عودة والد أمل المسافر اتصف بالاقتضاب، وكأن أمل ابنته المقعدة معادل مجازي لبيروت، فهي الجميلة لكنها مقعدة لا تستطيع الحراك، والتي اختارت أن تنجب طفلا ورفضت الانتحار، إلا أن الأب غير قادر على احتمال وجودها، لنراه يرحل ويغرقها بالهدايا الفاخرة والأموال، شريطة أن لا تكون أمام ناظريه دون أي تفاعل أو حميميّة.


التشويق والأحداث


التشويق الذي تفترض الرواية حضوره نراه ينهار أمام الصيغة الحتمية والأحكام المسبقة التي تمتلكها الشخصيات عن الأحداث، وكأن معرفة الراوي بالأحداث الماضية والمستقبلية تتسلل إلى الشخصيات بحيث تبدو الحلول واضحة أمامها وسهلة، ما جعل الشخصيات سطحية، ولا تمتلك العمق الكافي، وتلجأ إلى اختيار تصرفاتها وكأنها على علم مسبق بما سيحدث، بحيث يغيب عنصر التشويق، بالإضافة إلى الأحداث المفاجئة التي تسبب انقطاعا في حيوات الشخصيات لتغيب ضمن السرد كسيكيريدا، التي تختفي دون أن تذكر في بداية الحديث عن رضوان.

كذلك أمل وأمها التي تدور الأحداث حولهما بعد اختفاء رضوان الذي يتحوّل إلى ذاكرة.

وكأن الرواية كبنية معادل رمزي للحرب وديناميكيتها وسرعتها، التي تجعل فقدان الأشخاص أمرا سهلا، بل وحتى عابرا، لتبقى المعرفة مخبأة لا يمكن التصريح بها، وتتحول الذاكرة إلى حضور مهمّش أمام هول اليومي.

هذا ما نراه في كلمات ألفت الفتاة التي أحبها رضوان، والتي كانت عارفة بحب رضوان لها دون أن تتحدث معه، بالإضافة إلى يقينه بأنها تعرف ذلك، فالانقطاعات في الأحداث والصمت يمكن أن يكون سببه السن، فرضوان وألفت وأمل مراهقون، إلا أن ذلك لا يرتبط بالتردد واللايقين المفترض في هذا العمر بل يعني الغياب، فالشخصيات جميعها على اختلافها تسعى إلى الوصول للسكون ومحاولة الاستمرار في التكيّف، لا إلى تغيير ما حولها.

14